تفاصيل الخبر

ما بعد تحرير القدس...

بقلم خالد عوض


 لا يتكلم أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله فقط ليتكلم. عندما يتحدث عن تحرير القدس فهو يتكلم عن خطة وطموح وليس عن حلم وخيال. لا يعني ذلك أن تحرير القدس هدف قريب المنال ولكن السيد نصر الله ومن معه ومن خلفه مؤمنين به وبحتمية حصوله....قريباً جداً! على ماذا يستند حزب الله في تجييش قاعدته الشعبية والعسكرية نحو هذا الهدف البعيد عن طموحات لبنان؟ وأي مصير لمسار من هذا النوع؟ 

 

أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله: هل اقتربت ساعة الصفر؟

أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله: هل اقتربت ساعة الصفر؟

سلاح حزب الله الأفتك


لا يعتمد حزب الله في طموحه بتحرير عاصمة الأديان السماوية فقط على السلاح الإيراني الكمي، راجمات وصواريخ دقيقة، أو على الصواريخ الأرض-أرض والأرض-جو الروسية، أو على الصواريخ الأرض-بحر الصينية أو حتى على المسيرات المتطورة التي أصبحت بحوزته ويصنع الكثير منها على الحدود السورية مع لبنان. حتى الأنفاق العميقة جداً والطويلة والمتعرجة التي تختص بها شركات كورية شمالية والتي أصبح يمكن انشاؤها خلال أيام ليست وحدها مصدر ثقة حزب الله وقناعته بمشروعية حلمه القومي والديني. بالنسبة لحزب الله هناك عامل رئيس، إلى جانب كل المقومات العسكرية واللوجستية الأخرى، سيعطيه التفوق في أي حرب مقبلة مع العدو الإسرائيلي. وقد لمس العالم كله أهمية هذا العامل في بعض محطات الحرب الأوكرانية. إنه العامل المعنوي. يؤمن كوادر حزب الله أن ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي على الأرض، مهما علا تنظيمهم وتطور تدريبهم وتفوق سلاحهم، غير قادرين على مواجهة البسالة بل الاستماتة التي يتميز بها عناصر حزب الله. هؤلاء يحلمون بالشهادة مقابل عسكر إسرائيلي متمسك بالحياة. هذا هو رهان حزب الله الأول والأخير وعليه يبني الكثير، خاصة أن ما شاهده في حرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦ من خوف وتقهقر في بعض الألوية الإسرائيلية رغم تفوقها العسكري النوعي كان المؤشر الأكيد بالنسبة للحزب أن الجيش الإسرائيلي هو جيش بسلاح جبار وبروح هزيلة. 


رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بنيت": هل أصبح تفادي المواجهة العسكرية مع حزب الله مستحيلاً؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بنيت": هل أصبح تفادي المواجهة العسكرية مع حزب الله مستحيلاً؟

أين الجواسيس؟ 

  

الحالة الاستشهادية لعشرات الآلاف من عناصر حزب الله لن تكفي وحدها لـ"تحرير القدس" رغم رهان حزب الله الكبير عليها. هناك أيضاً رهان على القدرة الاستخباراتية التي طورها الحزب في الداخل الإسرائيلي والتي ربما تسمح له باستشراف العديد من خطوات العدو واستباقها. بالطبع لدى إسرائيل هي أيضاً داخل لبنان وحتى داخل إيران وسوريا شبكة استخباراتية واسعة، ولكن من غير المعروف بعد إذا كانت على قرب من مراكز القرار العسكري داخل حزب الله. هذا يمكن أن يتبين فقط من خلال أي حرب مقبلة. لذلك ورغم ثقته الكبيرة بإمكانية انتصاره يتهيب حزب الله من احتمال انكشافه الإستخباراتي لأنه يعرف أن هذا يمكن أن يكون مقتل أحلامه. أما الحرب السيبرانية التي ستعتمد عليها إسرائيل كثيراً في حالة الحرب فإن حزب الله يرى أنه محصن منها لأنه يستخدم وسائل قيادة وسيطرة بدائية لا تخترقها الأدوات السبرانية الهجومية المتطورة جداً التي تمتلكها إسرائيل.

 

كبير المفاوضين الأميركيين في محادثات فيينا "روبرت مالي": لمس مباشرة رغبة إيران في اتفاق شامل ولكن بعد... "تحرير القدس".

كبير المفاوضين الأميركيين في محادثات فيينا "روبرت مالي": لمس مباشرة رغبة إيران في اتفاق شامل ولكن بعد... "تحرير القدس".

ماذا لو تبددت أحلام إيران؟

 

تعرف إيران تماماً أن وجود إسرائيل في المنطقة هو مصلحة أميركية مباشرة لا يمكن أن تتنازل عنها الولايات المتحدة لأن إسرائيل تمثل بما تمثله جناحاً رئيساً من البيت الأبيض. لذلك فإن الكلام عن تحرير القدس هو تحد مباشر للوجود الأميركي في الشرق الأوسط الذي يسعى النظام الإيراني إلى انهائه بكل الوسائل، بدءاً من العراق وصولاً إلى الخليج وانتهاء بإسرائيل. من أجل تحقيق ذلك تدعم إيران الفصائل الفلسطينية في غزة مالاً وعتاداً وتؤمن لحزب الله الغالي والنفيس من السلاح والتكنولوجيا والمال إلى جانب تعزيزها لدور الحشد الشعبي في العراق. إخراج الأميركيين من المنطقة هو هدف إيراني معلن يردده أيضاً حزب الله وترقبه الصين باهتمام بالغ نظراً لإرتباطها بالنفط الخليجي ومصلحتها المباشرة في الاستقرار في المنطقة، ولكن بتحفظ وشكوك كبيرة في  الوقت نفسه، أي تعطيه الفرصة من خلال دعمها المستمر لإيران، من دون أن تلتزم بهذا المشروع السوريالي أو تستثمر فيه مباشرة. بالنسبة لإيران الخطة "ألف" هي القضاء على الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط واستخدام الايديولوجية القومية والدينية حول تحرير القدس لتجييش العواطف وشحذ الهمم إلى أقصى حد. أما "الخطة ب" فهي تسوية كبيرة مع الأميركيين أبعد بكثير من مفاوضات "فيينا" التي تحتضر حالياً.

   

البعد الاقتصادي لـ"تحرير القدس"

 

في السياق نفسه تقتضي الإستراتيجية الإيرانية في حال نجاح خطتها بإخراج الأميركيين وتحجيم إسرائيل بعد "تحرير القدس"، بالانفتاح كلياً نحو الشرق أي بأن تندمج المنطقة تماماً مع طريق وحزام الحرير وتصبح قاعدة صينية اقتصادية ومالية تعكس صعود الصين إلى قمة القوى الاقتصادية العالمية قبل نهاية هذا العقد بل تسرع بها. التوجه شرقاً هو إذاً جزء من الإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط، ولكن فقط بعد إخراج الأميركيين. إيران تلمست تماماً من الصينيين أن هذا التوجه مستحيل طالما أن للولايات المتحدة اليد الطولى عسكرياً وسياسياً ومالياً في المنطقة. ماذا يمنع النظام السوري مثلاً من التوجه شرقاً وإعادة اعمار سوريا بالدعم الصيني؟ ولماذا بقي الدعم الصيني لروسيا في أوكرانيا خجولاً وخفياً؟ مصالح الصين مع الغرب تفرض عليها الاستقلال عن مشاريع إيران وروسيا العسكرية وأن تكتفي بمنع سقوطهما اقتصادياً.  

لا يمكن تجاهل أن اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم اليوم التي تقوم على احتلال كامل لأراضي شعب آخر. ولا يمكن غض النظر عن الطابع العنصري للدولة اليهودية وعن الهمجية التي تتعامل بها إسرائيل مع الشعب الفلسطيني المسلوب أدنى الحقوق. استشهاد مراسلة قناة الجزيرة "شيرين أبو عاقلة" منذ أيام حلقة من مسلسل الظلم المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولذلك فإن الكلام عن تحرير القدس ليس خطأ حتى لو لم يكن واقعياً أو منطقياً. المشكلة أنه شعار همايوني تحمله إيران وحزب الله لتبرير كل أنواع الموبقات وتتحالف تحته وبمكيافيلية متناهية مع أسوأ رموز الفساد من اليمن مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.

"تحرير القدس" رغم كل التجييش المعنوي الذي يؤمنه هذا العنوان ورغم الاستعداد له بكل الوسائل هو مجرد شعار إيراني ليس هدفه استعادة المسجد الأقصى بقدر ما هو وسيلة تأسيس لهيمنة إيرانية طويلة المدى على الشرق الأوسط.