تفاصيل الخبر

وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" ونظيره الإيراني "جواد ظريف" عند توقيع اتفاق التعاون الإستراتيجي لربع قرن : لماذا لا تزال معظم تفاصيل الاتفاق سرية؟
وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" ونظيره الإيراني "جواد ظريف" عند توقيع اتفاق التعاون الإستراتيجي لربع قرن : لماذا لا تزال معظم تفاصيل الاتفاق سرية؟
01/04/2021

الصين وإيران: حرير أو استعمار؟


بقلم خالد عوض


 في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي أشارت بعض التوقعات والدراسات إلى احتمال أن تتفوق اليابان على الولايات المتحدة اقتصادياً خلال عقدين من الزمن نظراً للنمو الاقتصادي الياباني القوي والنموذج الاقتصادي الجديد الذي كان يقوده اليابانيون عالمياً. وهناك من يقول إنه لولا الإنترنت والتطور الرقمي والقفزات الكبيرة في الإنتاجية التي دعمت الاقتصاد الأميركي لربما كان ذلك ممكناً. ولكن اليابان غرقت في الكساد منذ أوائل التسعينات وانطفأت انطلاقتها الاقتصادية رغم أنها لا تزال القوة الاقتصادية الثالثة في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. العالم اليوم ينظر إلى توقعات مشابهة بالنسبة للصين وأنها ستسبق الولايات المتحدة قبل نهاية هذا العقد خاصة أنها تعلمت كثيراً من نموذج جارتها الأسيوية وأنها عرفت كيف تستثمر مفاعيل العولمة لصالحها. الصين بدأت تتصرف منذ اليوم على هذا الأساس. غطرستها الحالية يمكن أن تكون سابقة جداً لأوانها.  


 عناوين الاتفاق علانية وبنوده.. سرية؟

 

 منذ أيام وقعت الصين رسمياً مع إيران الاتفاق الذي أعلن عنه منذ عام ٢٠١٦ ولكنه بقي في مجال التفاوض لأكثر من خمس سنوات. وحسب ما سربته صحيفة النيويورك تايمز الأميركية في الصيف الماضي عن الاتفاق، تلتزم الصين باستثمار حوالي ٤٠٠ مليار دولار خلال الـ٢٥ سنة المقبلة في البنية التحتية والنفطية الإيرانية مقابل الحصول على نفط وغاز إيراني بأسعار مخفضة بأكثر من ١٠ بالمئة عن سعر السوق. الاتفاق يتكون من ١٨ صفحة وبقي في معظمه طي الكتمان، ربما لأن بعض بنوده يتضمن أموراً تنتقص من السيادة الإيرانية، مثل وجود أكثر من ٥ آلاف عسكري صيني على الأراضي الإيرانية لـ"حماية المصالح الصينية" كما أنه يسمح للشركات الصينية أن ترسل عمالها إلى إيران وعدم تشغيل عمالة إيرانية رغم البطالة المستفحلة هناك. 


أين دول الخليج من الاتفاق؟


لم ينزل خبر توقيع الاتفاق الصيني الإيراني برداً وسلاماً على القادة في دول الخليج العربية رغم الزيارة التوضيحية التي قام بها وزير الخارجية الصيني لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان ومملكة البحرين. الإيجابية الوحيدة ربما لوزير الخارجية الصيني "وانغ يي" هو تراجع الاعتداءات الحوثية على الأراضي السعودية خلال فترة وجود "يي" في الخليج. ما عدا ذلك ما زالت دول الخليج تتعامل ببراغماتية متناهية مع الصين. فلم تنتقد أي واحدة منها مسألة تعامل الحكومة الصينية مع المسلمين الأيغور والتي تسعى الولايات المتحدة إلى طرحها في الأمم المتحدة للضغط على الصين وصولاً إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية في العاصمة بكين عام ٢٠٢٢. كما ما زلت دول الخليج تبدي كل الانفتاح على دخول الشركات الصينية في استثمارات مباشرة في مشاريع التطوير الخليجية الرؤيوية. ولكن صبر السعودية وبعض الدول الأخرى تجاه "تسامح" الصين مع تصرفات إيران ووكلائها في المنطقة لن يستمر إلى الأبد خاصة بعد توقيع اتفاق التعاون الإستراتيجي مع الإيرانيين. وهم ينتظرون بفارغ الصبر الأفكار الصينية التي وعد "وانغ يي" بأن تقترحها بلاده قريباً لتخفيف كل جوانب النزاع الخليجي الإيراني. وبانتظار هذه الأفكار يبقى الترقب والحذر هو سيد الموقف في العلاقات الخليجية الصينية خاصة في ظل التطورات الميدانية في اليمن. 


من "كابول" إلى "مأرب": الحرير والحديد

 

 ليست مصادفة أن تكون أول قاعدة عسكرية صينية خارج الحدود في "جيبوتي" على مرمى ممر باب المندب الإستراتيجي. وليس الاهتمام الصيني الكبير بأفغانستان مجرد تفصيل. فهي لا تسعى فقط إلى استمالة "طالبان" نكاية بالأميركيين ولضم عناصر إسلامية تنفي عنها تهمة اضطهاد مسلمي الأويغور. فربط آسيا الوسطى بمنطقة "أوراسيا" (روسيا وكازاخستان وأرمينيا وبيلاروس وقيرغستان) وبدول الخليج عبر الهند وباكستان وإيران وبأوروبا عبر تركيا التي زارها أيضاً وزير الخارجية الصيني في جولته الشرق أوسطية هو في صلب مبادرة "الحزام والطريق" الصينية. وكما في "جيبوتي" كذلك في "باكستان" وقريباً في إيران تنوي الصين حراسة هذه الطريق الإستراتيجية عسكرياً بل حتى السيطرة عليها من أجل ضمان مستقبل اقتصادها وليس فقط عبر تطوير هذه الطريق إعمارياً وتجارياً. من هنا يمكن فهم ما يحصل من حشد إيراني على مأرب. فالمدينة اليمنية الشمالية تقف عائقاً أمام ضمان حزام شمالي يضمن مسار طريق الحرير في اليمن عبر رعاية إيرانية كاملة. كما أن معركة "مأرب" تشكل آخر مرحلة من مرحلة الحرب في اليمن قبل مجيء التسوية الصينية ومن هنا استعجال الإيرانيين على حسمها بسرعة.

في وقت يستعد فيه الرئيس الأميركي "جو بايدن" إلى إطلاق أكبر حزمة تحفيز للبنية التحتية تفوق ٣ آلاف مليار دولار، تتحضر الصين لإنفاق أكثر بكثير من هذا المبلغ للبنية التحتية أيضاً، ولكن خارج أراضيها. فما يتمناه "بايدن" اليوم في بلاده حققته الصين منذ أكثر من عشر سنوات في بنيتها التحتية. ولكن من خلال الاتفاق الأخير مع إيران ومن خلال الاستثمارات العسكرية الصينية في باكستان ومن خلال قاعدة "جيبوتي"، من الواضح أن الصين تنوي حماية الطريق والحزام. فهي تعرف أن الطريق إلى الريادة الاقتصادية العالمية تمر حتماً بالحديد وليس فقط بالحرير.

معركة "مأرب": طريق الحرير تمر من هنا. معركة "مأرب": طريق الحرير تمر من هنا.