تفاصيل الخبر

الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": إذا كان فعلاً ضد الولايات المتحدة فهو ليس بالضرورة مع الصين.
الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": إذا كان فعلاً ضد الولايات المتحدة فهو ليس بالضرورة مع الصين.
24/03/2021

بيضة القبان بين إسرائيل وإيران...ومن خلفهما


بقلم خالد عوض


 فشل أول اجتماع مباشر بين الصين والولايات المتحدة في ولاية ألاسكا الأميركية منذ أسبوع. الأميركيون دهشوا بالتعنت والغطرسة الصينية التي لم تشهدها أي من الاجتماعات السابقة بينهما. ربما أفضل تعبير عن جو الاجتماع هو كلام الدبلوماسي الصيني "يانغ جياشي" المباشر إلى الوفد الأميركي: "لم تعد الولايات المتحدة مؤهلة للتفاوض مع الصين من موقع قوة". كلام كبير يسمعه الأميركيون لأول مرة من غريمتهم، ولكنه واقعي إلى حد كبير من دولة أصبحت قاب قوسين من تبوؤ مكانة أكبر قوة اقتصادية في العالم. ولأول مرة منذ أكثر من مئتي سنة تتكلم الصين بلغة الأقوى عالمياً وتتفاوض اليوم بناء على ما ستكون عليه بعد خمس سنوات. في الوقت نفسه فوجئ العالم بالدعوة التي وجهها وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" منذ أيام الى الإسرائيليين والفلسطينيين للتفاوض في الصين ثم بتأكيده دعم المبادرة السعودية لتحقيق السلام في اليمن معلناً عن حقبة جديدة للدبلوماسية الصينية، من بوابة الشرق الأوسط. 


إستراتيجية الشرقين 

 الكلام الصيني في "ألاسكا" كان له صدى كبير في "واشنطن" ليس فقط لأنه جديد شكلاً ومضموناً وعالي النبرة بل لأنه مبني على وقائع وأرقام تجعل الصين تتصرف منذ الآن، وهذا ما كان لا يتوقعه الأميركيون، وكأنها أكبر قوة اقتصادية في العالم أي قبل خمس سنوات من أن تصبح فعلياً كذلك. وبينما كانت الولايات المتحدة تحشد مع حلفائها لمحاصرة الصين في بحرها الجنوبي في الشرق الأقصى ها هم الصينيون يردون من بوابة الشرق الأوسط، من دعوة إلى محادثات إسرائيلية - فلسطينية في "بكين" ومن تأييد، على الأقل علنياً، مبادرة السلام السعودية في اليمن. إنه أول اختبار حقيقي للدبلوماسية الصينية على المحفل العالمي وفي قضايا معقدة عجزت الولايات المتحدة عن حسمها. هل تنجح الصين حيث فشل الأميركيون أم تقع في رمال الشرق الأوسط المتحركة؟ الأهم من النجاح الدبلوماسي بالنسبة للصين هو تثبيت دور مستدام لها في الشرق الأوسط وتخفيف الضغط عليها في الشرق الأقصى وصولاً إلى نقل المواجهة مع الولايات المتحدة بعيداً عن بحر الصين الجنوبي. 

التعاون والتنافس

رغم الفشل الأميركي المتراكم في عدة محاور من أفغانستان والعراق إلى سوريا واليمن وليبيا، تعرف الصين أنها لن تستطيع وحدها حل مشاكل الشرق الأوسط وهي بحاجة إلى أن تتعاون مع الولايات المتحدة. فهي مثلاً لن تستطيع الضغط على إسرائيل في أي مفاوضات مع الفلسطينيين أو على السعودية في المسألة اليمنية، ولكنها تريد أولاً حجز موقع لها على الصعيد الدبلوماسي العالمي انطلاقاً من الشرق الأوسط ومن ثم التعاون مع الولايات المتحدة كشريك متساو معها في الحل والربط. هذا الكلام يمكن استخلاصه من معاهد البحوث السياسية الصينية، التي بالمناسبة تضاعف عددها في السنوات الأخيرة، والتي توصي معظم دراساتها بضرورة لعب الصين دوراً دبلوماسياً فاعلاً في الشرق الأوسط وتؤكد أن مشروع طريق وحزام الحرير لن يكتمل من دون "عضلات" دبلوماسية. في موازاة البحث عن أرضية تعاون مع الأميركيين، لن تتأخر الصين في ملاحقة الفرص الاقتصادية في الدول العربية ومنافسة الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية على العقود الكبيرة في المنطقة. "التعافس" أو خلطة التعاون الدبلوماسي والتنافس الاقتصادي هي التي تلخص إلى حد بعيد سياسة الصين العتيدة. 

بيضة القبان 

 لا الولايات المتحدة ولا الصين تغفل الدور الروسي في المنطقة. كلاهما يعرف أن "فلاديمير بوتين" موجود في سوريا وفي الكواليس الليبية واليمنية لأنه يسعى إلى وجود فاعل في البحر المتوسط يضمن له بعض الرقابة على مسارات الغاز إلى أوروبا. يبقى أن يحسم القيصر أمره في قضية أحلافه في المنطقة. فهو من جهة يدعم النظام السوري ولكنه يهادن تركيا المعادية تماماً للرئيس السوري بشار الأسد. وهو على وفاق استراتيجي مع إيران ولكنه لا يمنع عن مواقعها وعن المجموعات الموالية لها في سوريا الضربات الإسرائيلية. هذا التأرجح ليس ضعفاً روسياً بقدر ما هو تأخير متعمد في حسم الخيارات حتى تنجلي الصورة السياسية في المنطقة وتينع التسويات. لا أحد يعرف من هو أقرب إستراتيجياً إلى "بوتين"، الإمام الخامنئي في إيران أو رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الذي حقق مؤخراً فوزاً في الانتخابات هو أشبه بالخسارة لأنه لم يمنحه الأكثرية وزاد المشهد السياسي في إسرائيل ضبابية. هذا الغموض والانقسام الإسرائيلي لن تحسمه انتخابات خامسة بل هو لن ينجلي ربما إلا بحرب مع إيران أو وكلائها تعطي الإسرائيلين فكرة أوضح عن صلاحية زعمائها. وفي حالة نشوب هكذا حرب كمقدمة لتسوية شاملة أين ستكون روسيا؟ مع إيران أو مع إسرائيل؟ أو مع الاثنتين معاً لمنع واحدة من الانتصار على الأخرى؟ 

كل المؤشرات من لبنان إلى اليمن تؤكد أن المنطقة مقبلة على تسوية كبيرة وفتح صفحة سياسية واقتصادية جديدة. ولكن بعد الاجتماع الفاشل في "ألاسكا" والكلام الصيني غير المسبوق إلى الأميركيين وطموح الشراكة الدبلوماسية العالمية، من الأرجح أن يكون العبور إلى التسوية المنتظرة محفوفاً...بالمخاطر.

   


وزير الخارجية الصينية "وانغ يي": الصين ستقود العالم منذ الآن وليس عندما تصبح أكبر قوة اقتصادية بعد خمس سنوات. وزير الخارجية الصينية "وانغ يي": الصين ستقود العالم منذ الآن وليس عندما تصبح أكبر قوة اقتصادية بعد خمس سنوات.