تفاصيل الخبر

قرار منه يغير العالم

بقلم خالد عوض

 لماذا هناك اعتقاد بل شبه قناعة في الغرب أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" على وشك احتلال "أوكرانيا"؟ هو لم يتوقف منذ ست سنوات عن حشد قواته العسكرية على الحدود ثم ارجاعها خلال أيام أو أسابيع بعد أن يقض مضاجع الغرب وحلف "الناتو"، فماذا تغير اليوم حتى أصبح الغرب كله في لحظة انتظار ساعة الصفر "البوتينية"؟ لا شك أن الرئيس الروسي قرأ نظيره الأميركي جيداً في لقائهما المباشر في "جنيف" في حزيران (يونيو) الماضي ثم في اللقاء الافتراضي بينهما في كانون الأول (ديسمبر) المنصرم. في اللقائين تأكد للرئيس الروسي أن الإدارة الأميركية الجديدة لا تأخذه على محمل الجد وتعتبره محدود الإمكانيات رغم كل بهلواناته العسكرية. يبدو أن الرئيس الروسي قرر تغيير هذا الانطباع وتذكير العالم أنه ما زال رقماً صعباً في المعادلة الدولية.


الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": هل يقع في الفخ الأميركي ويحتل "أوكرانيا"؟

الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": هل يقع في الفخ الأميركي ويحتل "أوكرانيا"؟


 لماذا هناك اعتقاد بل شبه قناعة في الغرب أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" على وشك احتلال "أوكرانيا"؟ هو لم يتوقف منذ ست سنوات عن حشد قواته العسكرية على الحدود ثم ارجاعها خلال أيام أو أسابيع بعد أن يقض مضاجع الغرب وحلف "الناتو"، فماذا تغير اليوم حتى أصبح الغرب كله في لحظة انتظار ساعة الصفر "البوتينية"؟ لا شك أن الرئيس الروسي قرأ نظيره الأميركي جيداً في لقائهما المباشر في "جنيف" في حزيران (يونيو) الماضي ثم في اللقاء الافتراضي بينهما في كانون الأول (ديسمبر) المنصرم. في اللقائين تأكد للرئيس الروسي أن الإدارة الأميركية الجديدة لا تأخذه على محمل الجد وتعتبره محدود الإمكانيات رغم كل بهلواناته العسكرية. يبدو أن الرئيس الروسي قرر تغيير هذا الانطباع وتذكير العالم أنه ما زال رقماً صعباً في المعادلة الدولية.


دفاع أو هجوم؟


بغض النظر عن مدى جدية الرئيس الروسي في القيام بحملة عسكرية تعيد "كييف" إلى الحضن الروسي، يحق للرجل أن يشعر بأن الخناق الأميركي يضيق عليه. فالخطوات المتسارعة لإدخال "أوكرانيا" في حلف الناتو سيجعل منها جبهة مستمرة ضده. كما أن دعم الجيش الأوكراني وتسليحه وتدريبه وإدخاله في منظومة "الناتو" يعني أن حلم "بوتين" باستعادة "أوكرانيا" سيتبخر. لذلك إذا لم يبادر الرئيس الروسي بسرعة إلى وقف زحف "الناتو" حتى حدوده الغربية ستتضاءل حظوظه في ضم أوكرانيا من جديد وسيصبح في وضع دفاعي ضعيف جداً. الورقة الأوكرانية هي إذاً خط دفاع وجودي لروسيا "بوتين" ولذلك هو يطبق القاعدة الأولى في لعبة الشطرنج: أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. الولايات المتحدة تعرف جيداً أن "بوتين" لن يقف مكتوف اليدين أمام دخول أوكرانيا حلف "الناتو" لأنها ستكون بداية نهايته ولذلك فإنها تتوقع أن لا تتراجع الحشود العسكرية الروسية هذه المرة بل أن تكمل طريقها إلى العاصمة الأوكرانية "كييف".


ما خوفي من بلل العقوبات؟

 

رغم كل التحذيرات الأوروبية والأميركية للرئيس الروسي من مغبة احتلال أوكرانيا ومن "العواقب الوخيمة" التي ستكون بانتظاره إن تهور في مغامرة عسكرية، أصبح من الواضح أن الدول الغربية ليست في وارد الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا للدفاع عن أوكرانيا والاكتفاء بـ"أقسى" أنواع العقوبات المالية. لا الرأي العام الأميركي سيقبل بحرب عبثية جديدة للدفاع عن دولة لا تعني له الكثير ولا الأوروبيون مستعدون أن يغامروا بأمنهم الغازي الذي تتحكم روسيا بأكثر من ٤٥ بالمئة منه من أجل دولة ليست عضواً في الإتحاد الأوروبي. جل ما يسع الدول الغربية القيام به هو فرض عقوبات اقتصادية ومالية إضافية على روسيا. صحيح أن عقوبات جديدة ستهز الاقتصاد الروسي خاصة إذا حرمت كل الشركات الروسية من التعامل بالدولار، ولكن روسيا ما زالت أساساً تحت مرمى العقوبات الأميركية والأوروبية التي فرضت عليها عام ٢٠١٤ و٢٠١٥ عندما ضمت جزيرة القرم وبعض أجزاء "أوكرانيا" الشرقية وأدت إلى انهيار الروبل الروسي وفقدانه أكثر من ٥٠ بالمئة من قيمته وتعايشت معها. يومها صادف أن انهار سعر النفط وزاد الطين بلة على "بوتين".  الأمور مختلفة اليوم. روسيا تأقلمت مع العقوبات ولم تعد تخاف منها كما كانت عام ٢٠١٥. سعر النفط الذي تصدر منه روسيا حوالي ٥ ملايين برميل يومياً لامس ٩٠ دولار وهو في طريقه إلى المئة دولار من دون حواجز. كما أن الدعم الصيني لروسيا تطور خلال الست سنوات الماضية وسيستمر بغض النظر عما سيفعله "بوتين" في أوكرانيا. بالعكس فإن خطوة "بوتين" يمكن أن تلهم الصين وتقوم هي أيضاً بغزوة مماثلة في "تايوان". أهم من كل ذلك، أوروبا والولايات المتحدة ليست في وارد الحرب، لأن أجنداتها الداخلية حبلى بالأزمات ولا تتحمل مغامرات عسكرية في الخارج. بالمقاييس الجيوسياسية تبدو المرحلة الحالية فرصة مناسبة للقيصر الروسي لفرض هيبته من جديد على المسرح الأوروبي بل العالمي. 


الفخ؟

 

ماذا لو كان احتلال "أوكرانيا" فخاً يريد الغرب إيقاع روسيا فيه؟ وماذا لو تحولت "كييف" إلى "كابول" بالنسبة للروس؟ الجواب عند "بوتين" وعند حلفائه الصينيين الذين ينظرون بالنهم نفسه إلى "تايوان"، علماً أن "المقاومة" الأوكرانية لا قواعد عقائدية لها ولذلك لا يمكن مقارنة وحول أفغانستان بثلوج "أوكرانيا"، خاصة أن للروس عمقاً استخباراتياً وسياسياً ومعرفة بالأمور على الأرض في "أوكرانيا" على عكس الوضع الأفغاني. لا شك أن حسابات تفلت الوضع الأوكراني بعد الاحتلال أمر يقلق "بوتين" ويجعله يتريث. خاصة أن الغرب لم يمد له أي جزرة حتى الآن لإقناعه بالعدول عن الغزو. كل ما يسمعه تهديداً ووعيداً بينما يمكن أن يقدم الغرب له عدة طروحات أخرى من بينها رفع بعض العقوبات والالتزام بعدم إدخال "أوكرانيا" في حلف الناتو وغيرها من المغريات إن هو عدل عن زج عسكره إليها. وبما أن الغرب لا يحمل حتى الآن إلا العصا فإن مخاوف "بوتين" من الفخ الأوكراني قد تكون في محلها. 

اللحظة اليوم هي لحظة قرار الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين". فقراره بغزو "أوكرانيا" سيغير العالم فعلاً وعلى مستويات عديدة، المال والاقتصاد في طليعتها. الأهم هو أنه سيكون له ارتدادات كبيرة ليس فقط في بحر الصين الجنوبي بل في الشرق الأوسط أيضاً.

الرئيس الصيني "شي جين بينغ": ينتظر بوتين في أوكرانيا أم يسبقه الى "تايوان"؟

الرئيس الصيني "شي جين بينغ": ينتظر بوتين في أوكرانيا أم يسبقه الى "تايوان"؟

الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي": الخيار الصعب بين أن يكون أداة للغرب أو تتحول بلاده إلى مقاطعة روسية تحت حكم "بوتين".

الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي": الخيار الصعب بين أن يكون أداة للغرب أو تتحول بلاده إلى مقاطعة روسية تحت حكم "بوتين".