تفاصيل الخبر

كباش نفطي أميركي مع الخليج وروسيا

بقلم خالد عوض
24/11/2021
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": الكلمة الفصل في أسعار النفط لنا ولنا وحدنا.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": الكلمة الفصل في أسعار النفط لنا ولنا وحدنا.


أمور كثيرة حصلت هذا الأسبوع لأول مرة في التاريخ. ليس المقصود فقط ارتفاع مؤشرات البورصات الأميركية التي حققت هذا الأسبوع، وللمرة السادسة والستين هذه السنة، مستويات قياسية. وليس المقصود أيضاً الارتفاع القياسي لليرة التركية التي أصبح الاسم الأكثر تداولاً لها هو ليرة "اردوغان". وليس الحديث أيضا عن مستوى التضخم العالمي القياسي حالياً ولا عن غلاء أسعار كل شيء وفي كل العالم. المقصود هو احتدام المواجهة بين الدول المستهلكة والدول المصدرة للنفط من دون وجود أي عامل جيوسياسي استثنائي أو حرب عسكرية جديدة أو مقاطعة نفطية مستجدة أو كارثة طبيعية. منذ أيام اتفقت مجموعة من الدول الأكثر استهلاكاً للنفط وعلى رأسها الولايات المتحدة على الإفراج عن جزء من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي لديها لكبح الأسعار. صحيح أن هذا يحدث لرابع مرة منذ أن تبنت هذه الدول مفهوم الاحتياطي النفطي الإستراتيجي، ولكن لأول مرة تصل الكمية التي ستفرج عنها الولايات المتحدة إلى ٥٠ مليون برميل أي حوالي ٨ بالمئة من مخزونها. هذا ليس حدثاً عادياً.

ما الداعي للهلع؟ 

عام ١٩٧٤ أي بعد سنة من حرب تشرين (أكتوبر) 1973 ، وبعد أن وقفت دول الخليج العربي إلى جانب مصر وسوريا من خلال إعلان "اوبك" برئاسة المملكة العربية السعودية وقف تصدير النفط إلى الدول التي تدعم إسرائيل، أسست ٣٠ دولة مستهلكة للنفط وكالة الطاقة الدولية (IEA) ومقرها العاصمة الفرنسية باريس، بهدف التعاون على منع أي خلل في إمدادات النفط وعرضه. ولم تذكر الوكالة قط لا في بنود تأسيسها ولا في مسار اعمالها على مدى حوالي نصف قرن أنها ستتدخل في تنظيم أسعار النفط عالمياً، كما تفعل مثلاً منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك (OPEC) وشقيقتها الحديثة العهد "اوبك+" التي تضم روسيا.

ومن خلال الوكالة الدولية للطاقة أفرجت عدة دول عن بعض ما لديها من مخزون نفطي في ثلاث محطات تاريخية. الأولى عام ١٩٩١ خلال حرب الخليج الأولى. والثانية عام ٢٠٠٥ اثر إعصار "كاترينا" الذي ضرب السواحل الجنوبية للولايات المتحدة وأثر على الإنتاج في خليج المكسيك. أما الثالثة فحصلت عام ٢٠١١ بعد اندلاع الثورات في ليبيا وسوريا وتأثر العرض النفطي بها. ولكن التدخل الأميركي هذه المرة في الإفراج عن جزء مهم من المخزون النفطي لم يكن من خلال وكالة الطاقة الدولية كما أنه فاق كل تدخلاتها السابقة ومن دون أي سبب جيوسياسي أو طبيعي مباشر. انضمت الهند واليابان والصين وكوريا الجنوبية وبريطانيا إلى الولايات المتحدة وقررت كل دولة الإفراج عن كمية معينة من نفطها الإستراتيجي للمساهمة في هذه الخطوة، الأولى من نوعها، لمواجهة ارتفاع أسعار النفط. مع العلم أن الأسعار اليوم ما زالت حوالي نصف المستوى التي بلغته عام ٢٠٠٨ عندما لامست ١٥٨ دولار للبرميل. فلم الهلع؟

النفط ناخب كبير عام ٢٠٢٢ 

ما زالت الإدارة الأميركية برئاسة "جو بايدن" تلملم خسارة الديموقراطيين في انتخابات نيابية فرعية جرت منذ اسابيع في بعض الولايات التي كانت حكراً عليهم منذ أكثر من ١٠ سنوات مثل "فرجينيا". كما يعاني الرئيس الأميركي من تدن كبير لشعبيته رغم كل القرارات الاجتماعية التي أخذها. سبب غضب الناس في الولايات المتحدة هو الغلاء. وأبرز مؤشرات التضخم اليوم هو سعر غالون البنزين الذي تخطى مؤخراً ٤ دولارات في معظم الولايات الأميركية. الرئيس "بايدن" يعرف تماماً أنه مهما اتخذ من قرارات شعبوية في مسألة الإنفاق على التعليم والصحة فإن الأميركيين، إذا ظلوا يعانون من ارتفاع أسعار النفط، سيصوتون لصالح كونغرس جمهوري بأكثريته في الانتخابات النصفية المقررة بعد أقل من عام . هذا سيشل إدارة "بايدن" في السنتين الأخيرتين وسيؤثر سلباً على حظوظ الديموقرطيين في انتخابات ٢٠٢٤ الرئاسية. باختصار قام الرئيس الأميركي بخطوة لا يتم اللجوء إليها إلا استثنائياً وفي حالات الحروب والكوارث الطبيعية من أجل أهداف انتخابية بحت. 

الكباش مع "أوبك" معروفة نتيجته

المشكلة في قرار "بايدن" والدول المستهلكة الأخرى التي جارته ليس أنه صدر من خارج أي تنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة أو أن أسبابه الحقيقية انتخابية. مشكلة القرار أنه تدخل مباشر في سوق النفط ومعايير العرض والطلب العالمي. باعتقاد "بايدن" أن مجموعة "اوبك+" لا تقوم بزيادة الإنتاج بشكل كاف فقام هو بتعويض النقص بأن ضخ جزءاً من الاحتياطي الإستراتيجي في الأسواق. ولكنه لم يعالج سبب الارتفاع الحقيقي وهو استمرار بنكه المركزي في طبع العملة. المشكلة الحقيقية آتية من التضخم المالي الناتج عن تدخلات المصارف المركزية في العالم والانخفاض المستمر للفوائد مما يؤدي الى زيادة حجم العملة في الأسواق. "بايدن" عالج النتائج والعوارض التضخمية وليس السبب الحقيقي. ماذا إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع بسبب استمرار النمو في الطلب؟ هل يفرج "بايدن" عن المزيد من المخزون الإستراتيجي الأميركي الذي يبلغ حجمه ٦٠٠ مليون برميل وأصبح بالكاد يساوي استهلاك الولايات المتحدة خلال شهر واحد؟ عندما تكون وسائل العرض محدودة كما هي الحال في مسألة المخزون النفطي الإستراتيجي لا يمكن التدخل باستمرار في تنظيم أسعار السوق. أما إذا كانت المسألة مجرد إرسال رسائل إلى "اوبك+" فإن الأخيرة قادرة على تخفيض انتاجها أو حتى الإكتفاء بإبقائه على مستواه الحالي فتنسف ما قام به "بايدن" وحلفاؤه المستهلكون الآخرون بقرار بسيط.

سيتبين خلال شهور قليلة إذا كان قرار "بايدن" الإفراج عن ٥٠ مليون برميل من الاحتياطي النفطي الأميركي صائباً أو متسرعاً أو ربما انتحارياً. فإذا استقرت أسعار النفط خلال الفترة المقبلة سيكون الرئيس الأميركي على حق. أما إذا عادت الأسعار الى وتيرة الارتفاع نفسها التي بدأت عام ٢٠٢١ سيكون "بايدن" استعجل في خطوته واشترى بعض الوقت بأبخس الأثمان. أما إذا انتفضت الأسعار بشكل أعلى وبوتيرة أسرع كردة فعل على فشل خطوة اللجوء إلى الاحتياطي الإستراتيجي للجمها، يكون الرئيس الأميركي قضى على حظوظ الديمقراطيين في الانتخابات النيابية الآتية بعد ١١ شهراً وعجل، بمساعدة الاحتياطي الفديرالي الأميركي، في تخطي سعر برميل النفط المئة دولار قريباً بل ربما ضعف ذلك خلال عام أو أكثر... بقليل.

الرئيس الأميركي "جو بايدن": التدخل في ميزان العرض والطلب النفطي قصر نظر انتخابي؟

الرئيس الأميركي "جو بايدن": التدخل في ميزان العرض والطلب النفطي قصر نظر انتخابي؟