تفاصيل الخبر

الحل الأمثل للأزمة النقدية في ظل تنامي الدين العام دون اعتماد أي موازنات إصلاحية

بقلم طوني بشارة
23/11/2021
مصرف لبنان.. من الخطأ  رفع الدعم من دون إصدار اي خطط بديلة.

مصرف لبنان.. من الخطأ رفع الدعم من دون إصدار اي خطط بديلة.


الخبير الاقتصادي الدكتور رازي الحاج: الحل يكون بشراكة مع مصارف خارجية من أجل إعادة الثقة الى القطاع المصرفي في لبنان وإعادة الدورة الاقتصادية 


الوضع الاقتصادي والنقدي في لبنان يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ، لا سيما في ظل رفع الدعم بشكل كامل  وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، فما سبب هذا التردي؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل فعلاً اختفت الطبقة الوسطى ؟ وبالتالي هل من حل يلوح في الأفق؟ 

الحاج وتمويل العجز!

"الأفكار" التقت الخبير المالي الاقتصادي الدكتور رازي الحاج الذي افادنا بداية بانه قد تم اعتماد ولفترة طويلة في لبنان نموذج اقتصادي مبني على التمويل الخارجي ويعتمد سياسة نقدية تدعم الليرة اللبنانية مقابل العملات الصعبة، مما أدى حكماً الى زيادة في الاستهلاك لكون القدرة الشرائية للمواطن كانت مرتفعة مقارنة مع مدخوله الحقيقي، وقال: كما كنا امام سياسة مالية تعاني من عجز كبير بموازنة التمويل، عجز يتم تمويله عن طريق تنامي الدين العام دون اعتماد أي موازنات إصلاحية ومن دون أي انفاق استثماري، مما يعني ان بقاء واستمرارية هذا النموذج كان مرتبطاً بتوفير التمويل الخارجي من خلال تحويلات المغتربين ومن خلال السياحة والاستثمارات الخارجية في لبنان إضافة الى تبييض الأموال. هذا النموذج الاقتصادي كان يحقق فائضاً بميزان المدفوعات وبالتالي يؤدي الى تزايد الاحتياط الأجنبي.

*- الى متى استمر هذا النموذج ؟ 

- عام 2011 ومع دخول لبنان على خط التوترات بالمنطقة بدأنا نشهد ميزان مدفوعات سلبياً في لبنان، ترافق ذلك مع تعطيل سياسي (انتخاب رئيس الجمهورية - تشكيل الحكومة...) مما اوصلنا الى مكان ملامسة الخط الأحمر، فبدأت عندها الدعوات الدولية للإصلاحات من خلال عقد عدد من المؤتمرات كان آخرها مؤتمر سيدر، وكانت المساعدات الدولية لاعادة رفع الاحتياطي وتنفيذ شبكة من المشروعات مشروطة بإجراء إصلاحات هيكلية في الإدارة العامة وفي الاقتصاد وبمؤسسة كهرباء لبنان.

وتابع الحاج قائلاً: للأسف وصلنا الى حكومة 2019 التي لم تستطع اجراء أي نوع من الإصلاحات لا بل حاولت رفع إيرادات الدولة مما ادى حكماً الى نقمة شعبية وانطلاق "ثورة 17 تشرين". ومقابل ذلك اتخذ قرار في اليوم التالي للثورة وبشكل مفاجئ ومباغت يقضي بإقفال المصارف والبدء بـ"كابيتال كونترول" غير قانوني بوجه المودعين مقابل قدرة النافذين على تهريب أموالهم، كما لاحظنا وجود جهة تحاول تعميق الازمة النقدية دون السعي لمعالجتها بأدوات علمية نقدية للتخفيف من اثارها الاقتصادية. فقد استمرت الإدارة السياسية والاقتصادية بالتعاون مع الإدارة المالية - المصرفية بصرف الأموال وصولاً الى المس بالاحتياط الالزامي عندما خفض المجلس المركزي هذا الاحتياط من 15 الى 14 في المئة ، أي انهم استعملوا حقوق السحب الخاصة.

الإدارة الفاشلة!

*- وكأنك تضع اللوم على الإدارة السياسية - المالية؟

 - إن الإدارة السياسية التي كانت مستلمة الأمور قامت بأمرين:

- أعلنت انكسار النموذج الاقتصادي وهربت المزيد من الأموال الى الخارج.

- أطالت عمر الازمة لتحميل الناس جزء كبير من الفجوة المالية المحققة بأموال المودعين.

*-وما الذي يجري حالياً؟

- حالياً هناك متابعة لسياستهم عن طريق اصدار تعاميم من اجل التخلص من صغار المودعين من خلال "الهيركات" المقنع والهادف الى تحميلهم الخسارة (اعتماد الدولار على أساس 3900 ليرة)، ومن ثم التفاوض مع كبار المودعين  الذين يشكلون جزءاً من أصحاب النفوذ السياسي  والاقتصادي في لبنان..

*- لماذا يتم اتباع هذه الخطط من قبل الإدارة السياسية؟

- إن تعاطي الإدارة ليس بريئاً اطلاقاً، وبدل استخدام أدوات نقدية للتخفيف من حدة الازمة ومن أسبابها، اتجهوا نحو استعمال هذه الأموال لترقيع بعض النتائج التي أتت نتائجها عكسية، ان كان من خلال سياسات الدعم التي اعتمدت، او من خلال سياسة رفع الدعم الحالية من دون وضع خطط بديلة، أي بمعنى آخر استخدمت هذه الأموال لإطالة عمر الدعم ومن ثم تم رفع الدعم من دون اصدار اية خطط بديلة، خطط من شأنها تخفيف وطأة الفجوة عن كاهل المواطن.


*- من يتحمل الخسائر الناتجة عن هكذا سياسات لا علمية؟

- الخسائر يتحملها المودعون والطبقة الوسطى وهي خسارة مدخراتهم وودائعهم ناهيك عن خسارة القيمة الشرائية ومستقبلياً سنواجه خسائر لها علاقة بالناتج المحلي الإجمالي الذي انخفض من 60 مليار الى 20 مليار مما يعني ان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سيكون اقل بكثير في السنوات المقبلة.

الحاج والرواتب والأجور

*- في ظل الأزمة الحالية البعض نادى بضرورة اصلاح الخلل عن طريق رفع الرواتب والأجور، فما مدى جدية هكذا اجراء؟ وبالتالي في حال تم اعتماده هل من انعكاسات سلبية على الأسعار وعلى القيمة الشرائية لليرة اللبنانية؟

- لا يمكن تصحيح هذا الخلل بعملية رقمية عن طريق زيادة الرواتب والأجور، فكل ما يحدث غير علمي وغير دقيق. وفي الواقع هناك ثلاثة صعد يجب التعاطي بها مع الازمة النقدية وتتمحور حول الاتي: الحد من طباعة الليرة اللبنانية والسعي لزيادة إيرادات الدولة واجراء تسهيلات للدائنين وجعلهم يدفعون ديونهم نقداً مما سيخفف حكماً من كمية الليرة بالأسواق اللبنانية، كما يجب أيضاً السعي لاجراء اتفاق مع صندوق النقد الدولي من اجل ضخ عملة صعبة يستطيع من خلالها مصرف لبنان الدخول الى سوق القطع واستلامه.

وتابع الحاج قائلاً: كخبير اقتصادي مالي، لست مع زيادة الرواتب والأجور، بل أؤيد زيادة القدرة الشرائية عن طريق تخفيف سعر الصرف بالسوق الموازية قدر الإمكان، والعمل على شبكات امان اجتماعية بسلة كبيرة من الدعم لها علاقة بالنقل المشترك والطبابة والتعليم. ويجب التركيز على ان هناك دولاً عديدة مستعدة للمساهمة بانجاح هذه المواضيع شرط توافر سياسات عامة واضحة وأهداف واضحة واستراتيجية بعيدة المدى مما سيساهم بإعادة اطلاق الاقتصاد .

واستطرد الحاج قائلاً: بالواقع لا يمكن معالجة الازمة الاقتصادية الا عن طريق التخفيف من العرقلة المستمرة للاقتصاد، على سبيل المثال عرقلة التصدير، التراخي بالمعاملات الإدارية مما يبطئ الاقتصاد ويخلق بالتالي تزعزعاً بالاستقرار الأمني والسياسي ويفرض أجواء سلبية.

*- ما الحل ؟

- كل العناصر المتوافرة حالياً تعرقل لا بل تعيق اطلاق الاقتصاد أكان موضوع وجود دورة اقتصادية طبيعية أو وجود مصارف طبيعية، او غيره من أمور . فالحل يكون بشراكة مع مصارف خارجية من اجل إعادة الثقة الى القطاع المصرفي في لبنان وإعادة الدورة الاقتصادية  وباعتماد خطة اقتصادية تعتمد على الاقتصاد الكلي، على اعتبار ان كل الخطط المتبعة حتى الان هي خطط قطاعية تؤدي الى التضارب والتعارض،مما يعني انه لا بد من اطلاق الاقتصاد واعتماد سياسة نقدية واضحة وسياسة مالية مدروسة ونموذج اقتصادي استثماري جديد قادر على وضع خطة سريعة للتعافي، وذلك لكون كل ما يتم القيام به حتى الان من اعتماد سلفات الخزينة والدولار الجمركي يعمق الازمة الحالية. 

الدكتور رازي الحاج: لا بد من الحد من طباعة الليرة اللبنانية والسعي لزيادة إيرادات الدولة.

الدكتور رازي الحاج: لا بد من الحد من طباعة الليرة اللبنانية والسعي لزيادة إيرادات الدولة.