تفاصيل الخبر

الفقراء بلا قدرة شرائية والأثرياء في مرمى.. الحكومات

17/03/2021
رئيس الحكومة الإيطالية ماريو دراغي: "السوبر ماريو" في مهمة مستحيلة

رئيس الحكومة الإيطالية ماريو دراغي: "السوبر ماريو" في مهمة مستحيلة


بقلم خالد عوض


 طبع العملة لا يمكن أن يصنع الثروة. بل ربما على العكس تماماً، يزيد الفقر. العالم خلق عام ٢٠٢٠ أكثر من ١٤ ألف مليار دولار جديدة هو المبلغ الذي زادته البنوك المركزية على موازنتها وهذا ما يعرف بطبع العملة. ليست هناك في الواقع مطبعة خلقت كل هذا النقد بل مجرد أرقام تضاف في موازنات البنوك المركزية تحت باب الكتلة النقدية (M2)، أي أن البنوك المركزية ضخت بشكل مباشر أو غير مباشر أكثر من ١٦ بالمئة من الناتج المحلي العالمي الذي يقدر عام ٢٠٢٠ بحوالي ٨٨ ألف مليار دولار. التاريخ يقول شيئاً واحداً: منحى طبع العملة أو خلقها إليكترونياً لا ينتهي على خير مهما كانت المؤشرات الأخرى إيجابية. ولبنان خير مثال على شكل نهاية الطريق عندما تكون المصارف المركزية في سدة قيادة الاقتصاد.

  

من يقفز أسرع: الإنتاجية أو التضخم؟ 

 هناك نظريتان ماليتان حول مسألة تدخل البنوك المركزية في زيادة الكتلة النقدية لإنقاذ الاقتصاد. الأولى تقول إن هذا سيؤدي حتماً إلى التضخم الذي لن تتمكن الدول من لجمه وستتركه يأكل من قدرة الناس الشرائية. أصحاب هذه النظرية يؤكدون أن البنوك المركزية لن يسعها التصدي للتضخم لأنها عادة تستخدم سلاح رفع الفائدة من أجل ذلك. أما وقد تفاقمت ديون معظم دول العالم وبشكل غير مسبوق فمن الصعب بل ربما من المستحيل أن تلجأ المصارف المركزية إلى رفع الفوائد في المدى المنظور كي لا تكبد موازنات حكوماتها أعباء إضافية في خدمة الدين تعطل النمو الاقتصادي تماماً وتزيد من نسب البطالة والفقر. لذلك يرى أصحاب نظرية "التضخم الكبير" الآتي لا محالة أن زيادة الكتلة النقدية لن تنتهي إلا بانهيار العملات المتداولة. 

 النظرية الثانية تقول إن ما تفعله البنوك المركزية هو الحل الوحيد المتاح اليوم للتصدي لمفاعيل الشلل الاقتصادي الذي سببه الوباء، ويعتقدون أن ما حصل عام ٢٠٠٨ هو مشابه لما يجري اليوم عندما تمكنت الحكومات من الخروج من الأزمة المالية العالمية يومها عبر التحفيزات الكمية Quantitative Easing)) ووصلت معدلات البطالة إلى أقل معدل لها منذ خمسين سنة. صحيح أن الفروقات الطبقية وعدم المساواة وسوء توزيع الثروات تفاقمت خلال هذه الفترة كما زادت ديون العالم، ولكن الاقتصادات استعادت النمو في النهاية وبالرغم من بعض التضخم ، إلا أن الزيادة في الإنتاجية من خلال الاقتصاد الرقمي والتطور التكنولوجي والتجارة الإلكترونية والعولمة طغت على كل القفزات التضخمية وأبقت الأسعار في مستويات مقبولة. 

 الأيام والشهور المقبلة كفيلة بأن تحسم بين النظريتين. ولكن الأكيد أن مستقبل العملات الورقية والتعاملات النقدية لن يكون كما تعودنا وأننا متجهون، بتضخم أو من دونه، إلى وسائل تداول أكثر اعتماداً على الأطر الرقمية وأكثر عرضة للرقابة على الإنفاق وعلى توجيه الناس، ومراقبتهم، في طريقة استخدامهم للعملة. 


فقاعة.. الديون

 الاستدانة أصبحت الحل الأسهل بدل أن تكون آخر الدواء. كل حكومات العالم لجأت إليها بل أمعنت فيها ولا تزال تعتبرها أسرع وسيلة اليوم لمحاربة البطالة وللتعويض للناس عن الخسارة التي تكبدوها بسبب الجائحة. هذا بالإضافة إلى نفقات استثمارية ضخمة خاصة في مجال البنية التحتية والطاقة المستدامة تستعد لها معظم دول العالم على أساس أن الفوائد منخفضة أي أن كلفة الاستدانة تقارب الصفر وهذه فرصة ثمينة للاستثمار والتنمية المستدامة. وداعا لمعايير الدين العام المعروفة ونسب الدين من الناتج المحلي ونسب العجز السنوي في الموازنة وكل ما كان صندوق النقد الدولي وشركات التصنيف العالمية تعتمدها لتقييم مخاطر هذه الدولة أو تلك. 


أسوأ من لبنان؟

 عجز ميزانية الولايات المتحدة عام ٢٠٢٠ تجاوز  ١٦ بالمئة من دخلها القومي. إيطاليا التي أتت مؤخراً برئيس البنك المركزي الأوروبي "ماريو دراغي" المسمى حالياً بـ"السوبر ماريو" على رأس الحكومة الإنقاذية الجديدة ليست أفضل. عجز موازنتها تخطى ١١ بالمئة عام ٢٠٢٠ كما ناهز دينها العام ١٦٠ بالمئة من ناتجها المحلي وهذا أسوأ مما كان عليه لبنان عام ٢٠١٩ عندما انهار اقتصاد البلد. وفقط من باب المقارنة فإن العالم كله كان يحذر لبنان من مغبة تجاوز العجز السنوي في موازنة ٢٠١٩ حوالي ١١ بالمئة من دخله القومي وهذه النسبة كانت من أهم العناصر التي اعتمدتها شركات "موديز" و"ستاندردز أند بورز" و"فيتش" لتخفيض تصنيف لبنان الائتماني عام ٢٠١٩. لو اعتبرنا أن الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان والاستدانة المجنونة للحكومة اللبنانية على مدى سنوات هي وراء الأزمة المالية الحالية فيجب أن نتوقع الانتفاضات والانهيارات نفسها في معظم دول العالم لأن المصارف المركزية لهذه الدول تمادت خلال سنة واحدة أكثر بكثير من كل ما قام به مصرف لبنان على مدى سنوات.

 

إعصار الضرائب 

التمادي في خلق العملة وكل هذه الديون لا يمكن التعايش معها وإلا لماذا لم تحصل الاستدانة في السابق في كل هذه الدول التي ظلت تحذر من عواقب الاستدانة وتضع السقوف لها. حتى لو بقيت الفوائد قريبة من الصفر نسب الدين لم تعد مستدامة في معظم دول العالم. وحتى تسد الفجوة الكبيرة في خدمة الدين لن تتردد الحكومات في فرض كل أنواع الضرائب ومحاصرة الأغنياء والاقتطاع من ثرواتهم على الطريقة اللبنانية ولو بطريقة أكثر نظامية وحضارية. إما الضرائب القاسية أو التضخم الكبير أو مزيج من الاثنين.

وكما هز العالم كلام "كارل ماركس" عام ١٨٤٨ "يا عمال العالم.. اتحدوا" وتحول إلى نداء للفقراء "يا فقراء العالم..اتحدوا" يبدو أن المرحلة المقبلة ستحمل عنواناً إضافياً هو "يا أغنياء العالم..اهربوا"!

 الحكومات البعيدة النظر هي التي ستعرف جذب المستثمرين الهاربين بثرواتهم من إعصار الضرائب الآتي عبر حكوماتهم من دون هوادة..



رئيس الإتحاد الفيديرالي الأميركي "جيروم باول": إعلان الحرب على العملات الورقية.

رئيس الإتحاد الفيديرالي الأميركي "جيروم باول": إعلان الحرب على العملات الورقية.