تفاصيل الخبر

حكومات العالم تحت أسر "الجافا"

بقلم خالد عوض
13/10/2021
الرئيس التنفيذي لشركة "فايسبوك" مارك زوكربيرغ: خذوا الضرائب وأتركوا لي السيطرة على العالم.

الرئيس التنفيذي لشركة "فايسبوك" مارك زوكربيرغ: خذوا الضرائب وأتركوا لي السيطرة على العالم.


 استثنائي وتاريخي هو القرار الأممي الذي اتفقت عليه ١٣٦ دولة في العالم من أصل ١٤٠ حول وضع ضريبة على الشركات لا تقل عن ١٥ بالمئة. فمن جهة أخرج هذا الاتفاق الدولي المفهوم الضرائبي من الإطار السيادي لكل دولة ومن فكرة أن الضريبة هي في الأساس ركن من أركان تمويل الانفاق الحكومي في بلد ما، إلى مفهوم جديد هو عولمة الضريبة أو بالأحرى ضريبة على العولمة. ومن جهة أخرى فتح الطريق إلى ضرائب عالمية متنوعة لا تقتصر فقط على الأرباح ولا تبقى محصورة بالشركات بل ربما تطال حتى الأفراد في المستقبل. هذا القرار له مفاعيل كثيرة ولكنه بالتأكيد يمهد لعالم جديد يسعى لإخضاع الشركات العالمية العابرة للحدود لعصا الحكومات، ويلغي فكرة الجنات الضريبية التي حاولت بعض الدول اللجوء إليها لجذب الاستثمارات الأجنبية. ولكن يمكن أيضاً للاتفاق أن يجعل الحكومات مطية للشركات العالمية الكبرى.

  

الضريبة المعولمة شر لا بد منه

 

أمضى الكونغرس الأميركي أسابيع طويلة في نقاش محتدم بين الجمهوريين والديموقراطيين لرفع سقف الدين المسموح للحكومة الأميركية. وتوصل منذ أيام وبعد مخاض سياسي معقد إلى اتفاق لرفع سقف الدين بـ ٤٨٠ مليار دولار (فقط) لتفادي "تعثر" الولايات المتحدة أو تمنعها عن دفع سندات دينها المستحقة منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، أي تجنب سيناريو مشابه لما قامت به الحكومة اللبنانية منذ سنة ونصف السنة. ٤٨٠ مليار دولار جديدة ستضاف إلى الدين العام الأميركي الحالي المقدر بـ ٢٨ ألف و ٤٠٠ مليار دولار في فترة ٤٥ يوماً فقط أي بمعدل ١١ مليار دولار في اليوم أو 7 ملايين دولار كل ثانية! لذلك سيعود الكونغرس من جديد في بداية كانون الأول (ديسمبر) المقبل الى النقاش العقيم نفسه لزيادة جديدة في الدين العام، والموضوع هو هو: المزيد من الاستدانة من أجل تسديد...الديون.

هذا المسار لا يصلح أن يستمر ولذلك لا بد من "تدعيمه" بمزيد من الضرائب. وبما أن الولايات المتحدة ودول أوروبية كثيرة تستعد لزيادات كبيرة في الضرائب لتسديد ديونها التي انتفخت خلال الجائحة، لا بد من منع شركاتها الكبيرة من الهروب إلى واحات ضريبية مثل ايرلندا والمجر وغيرهما عبر محاصرتها بفرض حد أدنى ضريبي عليها يلاحقها أينما ذهبت. بذلك لن يكون أمام شركات التكنولوجيا وغيرها من الشركات التجارية والصناعية واللوجستية العابرة للحدود التي يزيد دخلها السنوي عن ٧٥٠ مليون يورو (حوالي ٨٧٠ مليون دولار) إلى البقاء حيث هي. هذا هو جوهر الاتفاق الضريبي الأممي الأخير الذي تشير التقديرات أنه سيؤمن ١٥٠ مليار دولار إضافية من الضرائب للدول المساهمة في الاتفاق.


سلات عالمية لضرائب من كل الأنواع

  

عندما تقر الحكومات ضريبة لأول مرة لا تهم نسبتها المئوية لأن إقرارها والاتفاق على مبدأ فرضها بحد ذاته هو الإنجاز. فهذه النسبة مطاطة حسب حاجة الحكومات إلى المال. وبما أن معظم الحكومات تغرق في الديون أي لن تخف حاجتها إلى المال قريباً فهي يمكن أن تلجأ إلى زيادة هذه الضريبة أو "تطويرها" حسب مقتضياتها المالية. فما المانع أن تصبح ٢٠ بالمئة أو حتى ٢٥ بالمئة من أرباح الشركات في المستقبل للمساعدة في إطفاء الديون؟ وطالما أصبح مبدأ الحد الأدنى العالمي للضريبة مقبولاً، ماذا يمنع أن تصبح هناك ضريبة عالمية على الثروات، أي أن تتفق الدول نفسها على وضع حد أدنى للضرائب على الثروات الشخصية من مدخرات ومحافظ مالية بحيث لا يمكن حتى للأفراد أن يختاروا واحة ضريبية لحماية ثرواتهم من التآكل الضريبي؟ تقديرات الخزانة الأميركية أنها تخسر أكثر من ألف مليار دولار سنوياً بسبب التهرب الضريبي ولذلك ستجند الولايات المتحدة نفوذها المالي العالمي لملاحقة المتهربين عبر هذا الإطار العالمي الجديد الذي وصفته وزيرة الخزانة الأميركية "جانيت يلين" بأنه انتصار تاريخي للدبلوماسية الاقتصادية، وقال عنه وزير الإقتصاد الفرنسي "برونو لومير" إنه أهم اتفاق ضريبي تم إبرامه خلال قرن. 

  

الحكومة: شريك خفي

  

الغريب أن شركات التكنولوجيا رحبت بالاتفاق مع أنها الخاسر الأكبر منه. ولكن نظرة أعمق إلى مفاعيل الحد الأدنى للضريبة تؤدي إلى عدة خلاصات. أولاً سترتاح الشركات الكبيرة من ملاحقة كل دولة لها تحت عنوان التهرب الضريبي. فقد سمح الاتفاق باستقرار ضريبي سيغني الشركات الكبيرة من مشاكل قضائية مستمرة مع الحكومات العالمية ناهيك عن النفقات الباهظة للمحامين. بعد هذا القرار الأممي الذي سيصبح نافذاً عام ٢٠٢٣ لن تدعي هذه الدولة أو تلك على "غوغل" أو "آبل" أو "فايسبوك" أو "أمازون" (ما يعرف بشركات الغافا "GAFA")  بحجة إخفاء مداخيلها في دول أخرى.

والأهم أن مصلحة الحكومات والشركات أصبحت متلاقية. فكلما ستزيد مداخيل الشركات من عامة الناس سترتفع أيضاً الضرائب التي ستدفعها للحكومات. أي أن الحكومات والشركات دخلت في شراكة إستراتيجية. هذا يمكن أن يؤدي إلى سلطة واسعة للشركات على الحكومات، وخاصة الصغيرة منها، وليس العكس. وبدل أن ترفع الحكومات الضرائب على الناس مباشرة ستفعل ذلك مواربة، بأن تساعد الشركات في زيادة مداخيلها أو على الأقل تسهل لها ذلك. أما الشركات فبدل أن يكون لها مشاكل مع عشرات الدول أصبح هناك إطار عالمي يسمح لها بأن تتعامل مع طرف واحد تقوده دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي ستشرف على هذا الاتفاق بالتعاون مع مجموعة السبع ومجموعة العشرين.   

من يقرأ الاتفاق يظن للوهلة الأولى أن الحكومات فرضت سلطتها على الشركات، ولكن الحقيقة أنه بهذا الاتفاق خطت الشركات العملاقة خطوة أخرى نحو السيطرة على اقتصاد العالم. فهي أوقعت في الأسر الضريبي معظم حكومات العالم التي تئن من وجع الديون.

وزيرة الخزانة الأميركية "جانيت يلين": دبلوماسية عالمية لإطفاء الديون بالضرائب.

وزيرة الخزانة الأميركية "جانيت يلين": دبلوماسية عالمية لإطفاء الديون بالضرائب.