تفاصيل الخبر

"صين" أفريقيا

بقلم خالد عوض
23/09/2021
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: اقتصاد مصر إلى الريادة الأفريقية وإلى لعب دور عالمي.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: اقتصاد مصر إلى الريادة الأفريقية وإلى لعب دور عالمي.


التجربة المصرية الحالية تستحق التوقف عندها. لا شك أن لدى مصر مشاكل متعددة في الداخل والخارج، ليس آخرها سد النهضة الذي بنته إثيوبيا وتأثيره السلبي المتوقع على القطاع الزراعي المصري. كما أن نار غضب مجموعة غير بسيطة من الإخوان المسلمين المصريين ما زالت تحت رماد أحداث ميدان رابعة العدوية التي يصر الإخوان على تسميتها "مذبحة رابعة"، منذ وقوعها في آب (أغسطس) عام ٢٠١٣. ولكن رغم كل المعوقات، تبدو مصر متجهة إلى المستقبل كما لم تتجه في تاريخها كما أن اقتصادها أصبح على سكة نمو اقتصادي مستدام تحسدها عليه دول الشرق والغرب.


الجيش هو الحمض النووي لحكم مصر  

عندما اندلعت ثورة مصر في ٢٥ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١ بعد اسابيع على "ربيع" تونس كان الفساد المستشري من أهم الحوافز التي أنزلت الناس إلى ميدان التحرير. لم يكن الرئيس حسني مبارك "ديكتاتورياً" على شاكلة بعض الرؤساء العرب الآخرين الذين أمعنوا في قمع الناس، رغم القبضة الأمنية التي كان يفرضها على الشعب، لكن فكرة توريث أولاده السلطة وظهور طبقة مليارديرين جدد من المقربين من ولديه علاء وجمال كانت تستفز أغلبية الشعب المصري. جاءت اللحظة التونسية لتلهم المصريين بأن التغيير ممكن. وكان الإخوان المسلمون يملكون التنظيم والقاعدة الشعبية الواسعة مما سهل الإطاحة بنظام مبارك. ولكن الشعب نسي أو تناسى في خضم الحماس الانقلابي أن الديموقراطية في مصر هي من دون جذور وتبقى من دون أفق إذا لم تحظ بتغطية وحماية الجيش. فمنذ الإطاحة بالملكية على يد اللواء محمد نجيب والبكباشي (المقدم) جمال عبد الناصر والضباط الأحرار في ٢٣ تموز (يوليو) ١٩٥٢ وللجيش في مصر كلمة الفصل في الحكم. محمد نجيب كان أول رئيس للجمهورية في مصر وعندما أراد إرجاع الجيش إلى الثكنات وإعادة البلاد إلى الحياة المدنية أطاح به زملاؤه ووضعوه في الإقامة الجبرية وجاءوا بعبد الناصر رئيساً وبعده بنائبه أنور السادات الآتي أيضاً من الجيش، ثم بحسني مبارك قائد القوات الجوية في حرب أكتوبر (تشرين الأول) سنة ١٩٧٣. أربع رؤساء من الجيش بعد الملكية لم يقنعوا الإخوان المسلمين أن تونس مختلفة عن مصر. انتخب محمد مرسي في حزيران (يونيو) ٢٠١٢ وكان أول رئيس مدني يأتي عبر انتخابات ديموقراطية كانت أيضاً الأولى في تاريخ مصر، وربما الأخيرة. فرئاسته لم تدم أكثر من سنة بعد أن انقلب عليه الجيش والناس عام ٢٠١٣ واستلم الفريق أول عبد الفتاح السيسي سدة الرئاسة عام ٢٠١٤ من خلال انتخابات خالية من أي منافسة حقيقية. 

القيادة من أجل الريادة

على عكس كل أسلافه وضع السيسي الأولوية الاقتصادية قبل كل شيء. وخاض معارك رفع الدعم وتطبيق شروط صندوق النقد الدولي بضراوة. في الوقت نفسه استعان السيسي بالجيش لإطلاق خطة إعادة تكوين بنية تحتية نموذجية لمصر تحاكي المستقبل. وأصبح الجيش مسؤولاً عن كل شيء في مصر إلى جانب المهام العسكرية، من السياسة الصحية وصولاً إلى الإنتاج الفني مروراً بكل مشاريع الإعمار في البلد. وتمكن السيسي بفضل الجيش من تخفيف وطأة الفساد الذي كان يعيق نمو الاقتصاد المصري واستطاع إتخاذ قرارت غير شعبية كان من الصعب جداً على رئيس مدني أن يقدم عليها. ورغم التململ الشعبي في البداية بدأ المصريون يلحظون تدريجياً نتائج سياسات السيسي ويلمسون بأم العين تحولاً اقتصادياً لم يروا مثله منذ عقود. تنعم مصر اليوم بنمو اقتصادي سيتجاوز ٥ بالمئة العام المقبل وهي من الدول القليلة في العالم التي استطاعت تسجيل نمو إيجابي ناهز ٣ بالمئة عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٠ أي في عز الجائحة. وأصبحت مصر مؤخراً ثاني أكبر اقتصاد في أفريقيا بعد نيجيريا متجاوزة جنوب أفريقيا. وهي، حسب توقعات كل المؤسسات المالية الدولية، في طريقها أن تصبح الأولى أفريقيا عام ٢٠٢٣ وتدخل مجموعة الدول العشرين أي بين أكبر ٢٠ اقتصاداً في العالم في المرتبة ١٨ خلف السعودية قبل عام ٢٠٢٤. 

العقبات لم تذلل..بعد 

لم تحل مصر كل مشاكلها الاقتصادية بعد. فهي لا تزال تعاني من عجز للميزان التجاري يصل إلى ٣٥ مليار دولار بسبب نمو الاستيراد بشكل كبير وميل الاقتصاد إلى الإتجاه الاستهلاكي. ورغم استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا يزال الجنيه المصري تحت ضغط العجز في ميزان المدفوعات ولا تزال الفوائد المصرفية عليه حوالي ٩ بالمئة بما يذكر بأحوال الليرة اللبنانية قبل ثورة ٢٠١٩، ولكن الرئيس السيسي تمكن مؤخراً من ضبط التضخم والنزول به إلى مستوى ٦ بالمئة بعدما وصل إلى عشرين بالمئة في السنوات الثلاث الأخيرة.

عناصر النجاح 

لماذا تتعزز فرص نجاح السيسي رغم التحديات الجيوسياسية العديدة التي تحاصره من ليبيا وإثيوبيا، ورغم تذمر إدارة الرئيس الأميركي "جو بايدن" من اسلوبه السلطوي ومن انفتاحه على روسيا والصين، ورغم المشاكل الهيكلية التي لا تزال موجودة في الاقتصاد؟ السيسي انطلق من النموذج الصيني وعوامل نجاحه ليبني اقتصاداً للمستقبل. هناك عامل الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة وإمكانية تصدير الغاز بعدما ظلت مصر مستوردة للطاقة على مدى العقود الماضية. نجح السيسي في تحييد مصر عن التعقيدات الجيوسياسية التي تمنع استخراج الطاقة في شرق المتوسط وعرف كيف يبني الأحلاف الدولية والإقليمية من أجل تحرير إنتاج الطاقة في مصر من أي ضوابط سياسية.

الأمر الثاني الذي حوله السيسي لصالحه هو عدد السكان. فبدل أن يكون رقم المئة مليون نسمة عبئاً على اقتصاد مصر عرف السيسي أن التركيز على بنية تحتية  متطورة تربط كامل الأراضي المصرية هي مفتاح تحويل عدد السكان إلى أفضلية اقتصادية تماماً مثلما كان رقم الألف وأربعمئة مليون صيني أساساً لنمو اقتصادي مستدام. فبعدما كانت الكهرباء لا تصل إلى مناطق عدة في الصعيد أصبحت الطاقة متوافرة على كامل الأراضي المصرية وأصبحت سرعة الإنترنت في أسيوط تضاهي سرعته في أكثر الدول الأوروبية تطوراً.   

يبقى أن يستطيع عبد الفتاح السيسي إعادة القوة الصناعية التنافسية لمصر بعد أن تكتمل العناصر الرئيسة للبنية التحتية، ويخفف من الميل الاستهلاكي المتزايد في المجتمع المصري لتكتمل صورة.. "صين أفريقيا".