تفاصيل الخبر

٢٠٢٢: بداية الغلاء المتفلت

بقلم خالد عوض
11/09/2021
الرئيس الأميركي "جو بايدن": إرضاء الأميركيين وإفقار الآخرين.

الرئيس الأميركي "جو بايدن": إرضاء الأميركيين وإفقار الآخرين.


من يقرأ بعض بنود خطة الرئيس الأميركي "جو بايدن" لإحياء الاقتصاد الأميركي وتوسعة شبكة الأمان الاجتماعية والبالغة حوالي ٣,٥ ألف مليار دولار، يخيل إليه أنه يراجع إرشادات الرفيق "لينين" وليس أمام تشريعات في  الولايات المتحدة، المفروض أنها السباقة في تحفيز اقتصاد السوق. يمكن أن نفهم أن "بايدن" وفريقه يريدون إرضاء "المجموعة الاشتراكية" في صفوفهم التي يقودها السناتور "برني ساندرز" قبل سنة ونيف من الانتخابات التشريعية النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٢، ولكن من الصعب جداً أن يهضم الأميركيون فواتير طويلة الأمد ستكون لها عواقب كبيرة على قيمة عملتهم. وبما أن الدولار يمثل أكثر من ستين بالمئة من العملات المتداولة في العالم فإن ما يمكن أن يقره الكونغرس الأميركي قريباً سيؤثر على معظم دول العالم وليس فقط على الأميركيين. 


اشتراكية "بايدن"


من "مآثر" هذه الخطة زيادة الإجازات العائلية السنوية المدفوعة إلى ١٢ أسبوعاً وإضافة معالجة الأسنان والنظر والسمع إلى التغطية الصحية الحالية المعروفة بـ"اوباما كير". كما يشمل الاقتراح الجديد إلغاء الأقساط الجامعية في الجامعات الحكومية لأول سنتين ودعم العائلات بأكثر من ثلثي نفقات حضانات الأطفال وتخفيض ثمن الأدوية عن طريق دعم حكومي مباشر. الخطة مفصلة في آلاف الصفحات ومن الصعب اختصارها ببعض المقتطفات. ولكن توجهها يشير بوضوح إلى تضخيم لحجم الحكومة ودورها في حياة الناس اليومية. كما أنها أقرب إلى خطة اشتراكية من كونها مقترحة من مؤسسات في نظام رأسمالي يؤمن بدور الأسواق في تنظيم الاقتصاد. ولكن ما يهم العالم في هكذا خطة ليس كلفتها الباهظة على الخزينة الأميركية أو مدى تحسينها للظروف الاجتماعية للطبقات الأميركية الفقيرة والوسطى. هناك أولاً انعكاس الخطط على سعر صرف الدولار. كما أنها في جزء كبير من مضمونها تناقض كل توجيهات صندوق النقد الدولي لدول العالم الثالث بضرورة وقف كل أنواع الدعم الحكومي وتحرير الأسواق. فكيف يمكن لصندوق النقد أن يطلب من الحكومة اللبنانية الجديدة وقف الدعم الحكومي عن كل شيء بينما تستعد الولايات المتحدة لإدخال مفهوم الدعم إلى قطاعات عديدة لديها مثل الصحة والتعليم؟. 


الدولار إلى أين؟


عندما يكون الدين العام الأميركي في مستوى ٢٨،٥ ألف مليار دولار وعندما تعلن وزيرة الخزانة الأميركية "جانيت يالين" أن النقد لديها سينضب قبل نهاية تشرين الأول (أكتوبر) المقبل إذا لم يقر الكونغرس رفع سقف الدين، يصبح من الصعب فهم حجم الإنفاق الإضافي الذي يقترحه الرئيس الأميركي وفريقه الديموقراطي مهما كانت الدوافع الاجتماعية له. وفي وقت يتابع الاحتياطي الفديرالي الأميركي سياسة التحفيز الكمي، أي ضخ مزيد من السيولة الدولارية في الأسواق بمعدل حوالي 120 مليار دولار شهرياً ويغرق العالم كله بالدولارات مسبباً نسبة تضخم هي الأعلى منذ عام 2006  أي قبل الأزمة المالية العالمية بسنة، يصبح إمعان الحكومة الأميركية في الاستدانة أشبه بالانتحار المالي. المعيار بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية هو تأمين شبكات أمان اجتماعي تخفف من الفروقات الطبقية وتعزز المساواة بين الناس. ولكن مستوى الدين العام الأميركي الحالي ومساره التصاعدي يجبر دول العالم أن تزيد احتياطاتها بالدولار حتى لو لم تكن ترغب في ذلك. فمجموع احتياطات العالم من الدولارات وصل إلى ٧٢٠٠ مليار دولار في حزيران (يونيو) الماضي بزيادة أكثر من ١٥٠ مليار دولار في سنة واحدة. ورغم كل محاولات الصين لتخفيف احتياطاتها بالدولار ما زالت تحتفظ بـ 15بالمئة أي ما يقارب 1060  مليار من مجموع احتياطي العالم من الدولارات بانخفاض لا يذكر عن مستواه قبل عام. ومع ضخ المزيد من الدولارات من أجل تأمين النفقات الخيالية التي يحضر لها "بايدن" وبالتالي زيادة نسبة التداول بالدولار، سيزيد الضغط على العملة الخضراء ولا بد أن تتراجع قيمتها أمام العملات العالمية الأخرى عاجلاً أو آجلاً.


الغلاء لن يرحم


من معالم انخفاض قيمة الدولار، مؤشرات التضخم وغلاء الأسعار الذي بدأ يطاول كل شيء. صحيح أن موجة الغلاء لا تزال في بدايتها ولم تجرف بعد أوروبا وآسيا كما تفعل في أسواق الولايات المتحدة حالياً حيث وصل معدل التضخم إلى أكثر من ٩ بالمئة هذه السنة، ولكن أصبح من الواضح أن سنة ٢٠٢٢ ستحمل نسب غلاء قياسية في معظم السلع والخدمات وستطال معظم دول العالم. وما يحصل في لبنان اليوم من نسب تضخم بدأت بانتفاخ دين الدولة وعجز كبير في ميزان المدفوعات والميزان التجاري لم يعد بعيداً عن سيناريو التضخم العالمي الذي بدأ يرتسم. فعندما يصل العجز التجاري الأميركي إلى أكثر من سبعين مليار دولار شهرياً ويبلغ عجز الموازنة الشهري ٢٠٠ مليار دولار ويزيد الدين العام الأميركي بحوالي ٢٠٠ مليار دولار كل شهر من دون أفق لوقف نموه، تكون الولايات المتحدة التي يشكل اقتصادها ربع اقتصاد العالم قد رسمت طريق التضخم لكل دول العالم وليس فقط لشعبها.      

إذا عبرت خطة "بايدن" العتيدة خلال الأسابيع المقبلة الكونغرس فعلى العالم أن يستعد لموجة غلاء تبدأ بانخفاض قيمة الدولار مقابل كل شيء من دون أن يعرف أحد كيف ستنتهي.

 

وزيرة الخزانة الأميركية "جانيت يلين": لا مال لديها بعد شهر من دون مزيد من الديون.

وزيرة الخزانة الأميركية "جانيت يلين": لا مال لديها بعد شهر من دون مزيد من الديون.