تفاصيل الخبر

مبادرة الماضي وأسلحة المستقبل

بقلم خالد عوض
15/07/2021
الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون": فشل مبادرته في لبنان كلف فرنسا، وحظوظه الرئاسية، كثيراً.

الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون": فشل مبادرته في لبنان كلف فرنسا، وحظوظه الرئاسية، كثيراً.



احتفلت فرنسا منذ أيام بذكرى الرابع عشر من تموز (يوليو) وهو يوم إستيلاء الثوار الفرنسيين عام ١٧٨٩ على سجن "الباستيل". هو يوم انتصار الثورة التي رسمت تاريخ فرنسا إلى اليوم والتي لا تزال تبث شعور الفخر والاعتزاز عند الشعب الفرنسي رغم كل مشاكله والتحديات المختلفة التي تواجهه. فرنسا هي الدولة الوحيدة بين الديمقراطيات العالمية العريقة وبين دول العالم "الأول" التي تحتفل بتاريخ استقلالها أو ثورتها بعرض عسكري، وتقيمه على طول أكبر جادة في العالم، جادة "الشانزيلزيه". عراقة هذا التاريخ الكبير لم تمنع الكثير من المعلقين الفرنسيين من أن يتساءلوا إذا كان الاستعراض العسكري الجوي والبري ما زال يتناسب مع قوة فرنسا الحقيقية ووزنها الدولي. وأحد أهم دلائل الوهن الفرنسي بالنسبة لهؤلاء فشلها الدبلوماسي في لبنان حيث عجز رئيسهم رغم زيارتين متتاليتين من إقناع المسؤولين اللبنانيين بتشكيل حكومة. أصبح لبنان مع الأسف شهادة حية لضعف قوة فرنسا التي يرمز إليها يوم ١٤ تموز (يوليو).         



استعادة هيبة فرنسا باللقاح وفي.... لبنان

 

الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" أطلق منذ أيام حملته للانتخابات الرئاسية المقررة في ايار (مايو) ٢٠٢٢، أي في موعد الانتخابات النيابية اللبنانية نفسه، بإعلانه أن اللقاح أصبح إلزامياً لشريحة كبيرة من الناس مثل الجسم الطبي والتمريضي وأن على الفرنسيين بدءاً من أيلول (سبتمبر) المقبل أن يحصلوا على الجواز الصحي إذا أرادوا دخول الأماكن العامة. الجواز الصحي هو عبارة عن لقاح بجرعتين أو بفحص "PCR" يصلح لثماني وأربعين ساعة. عملياً فرض الجواز الصحي هو فرض اللقاح. بذلك أصبحت فرنسا، هنا أيضاً، الدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم التي تفرض التلقيح على سكانها. بهذا الإعلان راهن "ماكرون" على قبول الفرنسيين بقراراته لاستعادة المبادرة ضد الوباء والظهور بصورة الرئيس المنقذ القادر على القيادة في الظروف الصعبة والذي بفرضه اللقاح جانب الفرنسيين المزيد من الإقفال والحجر وما يترتب على ذلك من مآس اقتصادية ومالية. هذا الرهان إذا نجح سيؤمن لـ"ماكرون" مقعداً في الدور الثاني من الانتخابات ولكنه لن يكفي وحده لنجاح الرئيس الفرنسي في ولاية ثانية. فأحد نقاط ضعفه سيبقى التعثر المهين في لبنان وكيف ظهرت فرنسا عاجزة وضائعة في بلد يعد من صنيعتها. إلى جانب اتهامه بالدكتاتورية وقاتل الحريات، سيصبح موضوع لبنان مادة دسمة لمنافسي "ماكرون" الرئاسيين ولذلك يحتاج الرئيس الفرنسي لأي نجاح يمكن تحقيقه في لبنان خلال الشهور القليلة الباقية، يعيد بعضاً من الهيبة الفرنسية التي أطاح بها الزعماء اللبنانيون ومن وراءهم.     



أقصى الطموح الفرنسي: انتخابات نيابية


أحد هذه النجاحات "الواقعية" هو إجراء انتخابات نيابية في لبنان وعدم تأجيلها. لذلك ستتحول المبادرة الفرنسية الشهيرة تدريجياً من تشكيل حكومة مهمة انقاذية تقوم بإصلاحات محددة إلى تشكيل حكومة تجري انتخابات نيابية حرة ونزيهة وشفافة وفي موعدها وتكون قادرة على وقف التدهور الاقتصادي. ساعتها يمكن للرئيس الفرنسي أن يقول للفرنسيين أنه منع الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة من تأجيل الانتخابات. هذا أقصى ما يمكن أن يأمله الرئيس الفرنسي اليوم لأن العقوبات التي يتحضر لفرضها والتي تنحصر في منع دخول الأراضي الفرنسية لمجموعة من السياسيين اللبنانيين والمقربين منهم لن تغير الواقع المرير في لبنان.

 

لماذا فشلت فرنسا في لبنان؟


أصبح معروفاً أن أسباب فشل المبادرة الفرنسية ليست مرتبطة فقط بالطبقة السياسية اللبنانية المهترئة بل هناك تناحر إقليمي جسده الرئيس الحريري من خلال جولاته الخارجية خلال الثمانية شهور الماضية. فالاصطفاف الفرنسي المصري الإماراتي والتركي (جزئياً) وراء تشكيل حكومة برئاسة الحريري قابله فتور روسي وأميركي وسعودي ومعارضة إيرانية شرسة تختبئ وراء دعم حزب الله للرئيس المكلف. هناك أسئلة كثيرة محيرة حول الدور الفرنسي: كيف لم يحسب رئيس دولة عظمى مثل فرنسا لها مقعد دائم في مجلس الأمن الأوزان الإقليمية والدولية المعارضة لمبادرته في لبنان؟ وكيف يتهور الرئيس الفرنسي في مغامرة لبنانية غير محسوبة مخاطراً بهيبة فرنسا ناهيك عن رصيده السياسي الدولي والداخلي؟ هل أصبحت فرنسا عاجزة حتى عن قراءة المواقف الإقليمية والدولية؟ وهل يعقل أن يكون الرئيس الفرنسي ساذجاً لهذه الدرجة حتى يظن أن إيران ستعطيه في لبنان ما لم تعطه للولايات المتحدة وحتى لروسيا؟ هذه الأسئلة تشير إلى حقيقة واحدة هي أن فرنسا أضاعت البوصلة الدولية، على الأقل في الشرق الأوسط. الخيبة الفرنسية الأخرى كانت في البيت الأوروبي الداخلي. فرغم التعاطف الشكلي لعدة دول أوروبية لم يتمكن الرئيس الفرنسي من حشد دعم أوروبي كاف لتشكيل ضغط دولي وازن يغطي مبادرته اللبنانية. ربما يعود ذلك إلى تراجع دور أوروبا نفسه وإلى ترددها في اتخاذ مواقف حاسمة في مواجهة روسيا وحتى إيران.

 


هل تثني الأسلحة الأميركية المتطورة إيران عن سياستها الشرق أوسطية؟


 أزمة لبنان نتيجة نزاع إقليمي بين إيران والولايات المتحدة وبين عدة دول تبحث عن دور لها في تصدير الغاز المتوسطي لأوروبا في العشرين سنة المقبلة. هذا النزاع لا يمكن أن يحسم بزيارة لفيروز أنشودة السلام أو بمبادرة "حسنة" النية فقط. هكذا نزاع يحتاج إلى بارود أو إلى أسلحة متطورة جداً بدأ تجريبها منذ مدة في الداخل الإيراني وفي مياه الخليج والمحيط الهندي.  إيران تتعرض منذ سنتين لهجمات غريبة عجيبة آخرها انفجار داخل حديقة في طهران لم تعرف أي أسباب له. حتى في اليمن حيث كان الحوثيون قاب قوسين من الدخول إلى مأرب، تراجعوا بعد تعرضهم لهجمات غريبة اعتبروا أنها نتيجة تفجيرات لجماعة القاعدة. هذه الهجمات لم تردع إيران حتى اليوم وما زالت تعتبر أنها في موقع الغالب في المنطقة. إلى أن يتغير ذلك في محادثات "فيينا" النووية أو بالحرب لن يحصد "ماكرون" في لبنان إلا.. الفشل.

برج "إيفل" يضيئ باريس ليلة ١٤ تموز: فرنسا بحاجة إلى أضواء أقل وبوصلة أدق

برج "إيفل" يضيئ باريس ليلة ١٤ تموز: فرنسا بحاجة إلى أضواء أقل وبوصلة أدق

رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري: حسابات معقدة أو رهانات خاطئة؟

رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري: حسابات معقدة أو رهانات خاطئة؟