تفاصيل الخبر

برنامج "حماية الطفل في منظمة بلان إنترناشيونال": عمالة الأطفال في لبنان تتزايد... وقلقون للغاية بشأن التقارير التي نتلقاها!

17/06/2021
عمالة الأطفال: في أكثر من مجال.

عمالة الأطفال: في أكثر من مجال.

بقلم عبير انطون

 

 في شهر تموز/يوليو من العام 2019، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع قراراً يعلن عام 2021 سنة دولية للقضاء على عمل الأطفال، وطلبت من منظمة العمل الدولية أن تأخذ زمام المبادرة في تنفيذه، على أمل أن تشكل هذه السنة الدولية فرصة مثالية لتنشيط الجهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لإنهاء جميع أشكال عمل الأطفال بحلول عام 2025. أما السؤال الذي يطرح فهو: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يواصل السير بثبات على الطريق الصحيح نحو إنهاء ظاهرة عمالة الأطفال؟ وفي منطقة الشرق الأوسط ما هو واقع عمالة الاطفال، وماذا عن لبنان تحديداً؟


 تعرّف عمالة الأطفال بحسب المعايير الدولية بأنها "عمل محفوف بالمخاطر أو يتطلب ساعات طويلة أو يؤديه أطفال صغار السن. وتضرّ عمالة الأطفال بهم عقلياً وجسدياً واجتماعياً وأخلاقياً. وقد تنطوي على استعبادهم وانفصالهم عن عائلاتهم وتعرّضهم لمخاطر وأمراض". 

عمالة الأطفال هذه صدرت بالوقائع في تقرير مشترك لمنظمة العمل الدولية واليونيسف تحت عنوان "عمالة الأطفال: التقديرات العالمية لعام 2020، الاتجاهات والطريق إلى الأمام" وأفادت الأرقام بارتفاع عمالة الأطفال حول العالم إلى 160 مليون طفل أي بزيادة قدرها 8.4 مليون طفل خلال السنوات الأربع الماضية.

 ويحذر التقرير من أن التقدم المحرز في مجال إنهاء عمالة الأطفال توقف لأول مرة منذ 20 عاماً. وكان العالم قد شهد انخفاضاً في عمالة الأطفال بمقدار 94 مليون طفل بين عامي 2000 و2016، كما يشير التقرير إلى ارتفاع كبير في عمالة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و11 عاماً، والذين يمثلون الآن ما يزيد قليلاً عن نصف الرقم العالمي الإجمالي. كما  وارتفع عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً الذين يعملون في أعمال خطرة – تُعرّف بأنها أعمال من المحتمل أن تضر بصحتهم أو سلامتهم أو معنوياتهم – بمقدار 65 مليون طفل إلى 79 مليون طفل منذ عام 2016. 


الـ"كوفيد 19": ينسف...  

  

من المؤسف ان التقدم المحرز سابقاً في مجال عمالة الأطفال من حول العالم نسفه بشكل كبير انتشار فيروس كورونا المستجد، وكان له اثر بالغ. فالأزمة التي سببها شكلت الدافع لخروج ملايين الأطفال المستضعفين إلى سوق العمل. وبحسب منظمة الامم المتحدة فقد شكل انتشار الفيروس صدمة اقتصادية أثرت على أنفس الناس ومعايشهم، ومن المؤسف أن الأطفال هم من أوائل من يعانون من ذلك.    

 وفي هذا السياق يحذر التقرير الذي سبق الاشارة اليه من أن تسعة ملايين طفل إضافي معرّضون لخطر الوقوع في عمالة الأطفال بحلول عام 2022، نتيجة لجائحة كـوفيد-19 .

فالصدمات الاقتصادية الإضافية وإغلاق المدارس بسبب الجائحة يعني أن الأطفال الذين يعملون بالفعل قد يعملون لساعات أطول أو في ظل ظروف تزداد سوءاً، وقد يُجبر عدد أكبر بكثير على أسوأ أشكال العمالة بسبب فقدان الوظائف والدخل بين الأسر الضعيفة.

جرس الانذار هذا دقته المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) "هنرييتا فور" بالقول: "نحن نخسر في الكفاح ضد عمالة الأطفال، والعام الماضي لم يسهّل تلك المعركة. الآن، في العام الثاني من الإقفال التام العالمي، وإغلاق المدارس والاضطرابات الاقتصادية، وتقلص الميزانيات الوطنية، تضطر العائلات إلى اتخاذ خيارات مؤلمة".  

وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أدى النمو السكاني والأزمات المتكررة والفقر المدقع وتدابير الحماية الاجتماعية غير الكافية إلى إضافة 16.6 مليون طفل إلى سوق العمل خلال الأعوام الأربعة الماضية. وحتى في المناطق التي كان هناك بعض التقدم فيها منذ عام 2016، مثل آسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية ودول الكاريبي، فإن كوفيد-19 يعرّض هذا التقدم للخطر.

في الخلاصة، ادخلت جائحة كوفيد – 19 العالم في أزمة غير مسبوقة . ومن المتوقع أن تكون الأحياء السكنية والبلدان الأفقر هي الأشد تضرراً من هذه الجائحة. وأثرها مضاعف في من يعانون أصلاً من الحرمان والضعف، من مثل الأطفال الملتحقين بالأعمال، وضحايا العمل الجبري والاتجار بالبشر ولاسيما النساء والفتيات. 

وبحسب موقع الأمم المتحدة يوجد 264 مليون طفل عامل في العالم، يعمل كثير منهم بدوام كامل وفي ظروف بائسة وخطيرة غالباً وأكثر من نصفهم يعمل في بيئات خطرة أو يعاني من الاستعباد وغيره من أشكال العمل الجبري والأنشطة غير المشروعة بما في ذلك تهريب المخدرات والدعارة، وكذلك التورط في النزاعات المسلحة، وأنه يوجد طفل واحد من كل عشرة أطفال في جميع أنحاء العالم في سوق العمل. وفي حين انخفض عدد الأطفال العاملين في الأطفال بما يقرب من 94 مليون منذ عام 2000، إلا أن معدل ذلك الانخفاض تباطأ بنسبة الثلثين في السنوات الأخيرة.  

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوجد اليوم قرابة 9.2 مليون طفل عامل (8.4 في المائة من الإجمالي العالمي)، تحاصرهم ظروف الفقر وانتشار البطالة وتدني جودة التعليم مما يؤدي إلى تسربهم المبكر من المدرسة. ومعظم هؤلاء الأطفال يعمل في الزراعة، ونحو 57 في المائة منهم في أعمال خطرة. 

وتحتل أفريقيا المرتبة الأولى في ما يتصل بعدد الأطفال الملتحقين بأعمال الأطفال، حيث يصل عددهم إلى 72 مليون طفل. وتحتل منطقة آسيا والمحيط الهادئ المرتبة الثانية حيث يصل العدد إلى 62 مليون طفل.  

وبالتالي، يوجد في مناطق أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ معاً ما يصل إلى تسعة من كل عشرة أطفال مصنفين ضمن ظاهرة عمالة الأطفال. بينما يتوزع العدد المتبقي بين الأميركيتين (11 مليون) وأوروبا وآسيا الوسطى (6 ملايين) والدول العربية (مليونان). كما تشير الأرقام إلى أن 5% من الأطفال في الأميركيتين ملتحقون بأعمال، وتصل نسبتهم إلى 4% في أوروبا وآسيا الوسطى، و 3% في الدول العربية. 

وفي حين أن النسبة المئوية للأطفال ضمن عمالة الأطفال هي الأعلى في البلدان منخفضة الدخل، فإن أعدادهم في الواقع أكبر في البلدان المتوسطة الدخل. فنسبة 9% من جميع الأطفال في البلدان ذات الدخل المتوسط المنخفض ونسبة 7% من جميع الأطفال في البلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع منخرطون في أعمال. وتشير الإحصاءات كذلك إلى أن 84 مليون طفل (يمثلون 56٪ من جميع الأطفال العاملين) يعيشون في البلدان المتوسطة الدخل، بينما يعيش 2 مليون طفل عامل في البلدان ذات الدخل المرتفع.


ماذا عن لبنان ؟

في لبنان وبناء على تقرير "بلان انترناشيونال" وهي منظّمة تنمويّة وإنسانيّة مستقلّة تعمل على النهوض بحقوق الأطفال والمُساواة للفتيات منذ أكثر من 80 عاماً، فإن عمالة الأطفال ترتفع معرّضة بشكل اساس المزيد من الفتيات للخطر.

 وبحسب المنظمة فإن "لبنان يعاني حالياً من أزمة اقتصاديّة غير مسبوقة في تاريخه، مع التّضخم المالي المُتزايد وارتفاع معدّل البطالة الّتي دفعت ما يُقارب نصف عدد السّكّان إلى ما دون خطّ الفقر". وتشرح المنظمة بأن الانهيار الاقتصادي المُتسارع في لبنان، الّذي تبعه انهيار العملة، أدى إلى جعل المواد الغذائيّة الأساسيّة بعيدة عن متناول الكثيرين، ودفع بالكثير من العائلات المُتضرّرة إلى أن تستخدم أطفالها كمصدر دخل بُغية الحفاظ على سبل عيشها. 

وعلى الرّغم من أنّ ظاهرة عمالة الأطفال منتشرة في لبنان منذ زمن بعيد، فإنها لم تصل يوماً للحدّ الّذي تشهده البلاد عقب تفشّي فيروس كوفيد-19. وبات من المُرجّح أن يعمل المزيد من الأطفال في ظلّ ظروف أقصى، ولساعاتٍ أطول وبدوامات عمل إضافيّة لتلبية احتياجات عائلاتهم. 

وقبيل اليوم العالمي لمُكافحة عمالة الأطفال في 12 حزيران، صرّح كولين لي، مدير الشّرق الأوسط في منظّمة بلان انترناشيونال قائلاً إن: "الأزمة الاقتصاديّة القاسية الّتي يشهدها لبنان أدّت إلى تفاقم عمالة الأطفال في المجالات الزّراعيّة، ما يعرّض الفتيان والفتيات لأسوء أشكال العمل ويهدّد نموّهم وتعليمهم وتطلّعاتهم المُستقبليّة ورفاههم بشكل عام. كما نخشى أن تسوء هذه الظّاهرة ونحثّ المُجتمع الدّولي والمحلّي على عدم صرف النّظر عنها".

ولاحظت المنظّمة في التّقييمات الأخيرة أنّ الأطفال يشكلّون 30 في المئة من إجمالي القوى العاملة، وذلك في عيّنة من مزارع في سهل البقاع  شملتها دراسة استقصائيّة. 

كما أظهرت النّتائج أنّ معظم الفتيات يعملن في قطاع الزّراعة، الخاضع لهيمنة العنصر الذّكري بشكل أساسي، ويواجهن مُضايقات فيه. أمّا إذا رفضن العمل في هذا القطاع، فيتعرّضن لخطر الزّواج المُبكر.

وفي سهل البقاع، يعمل الأطفال لأكثر من خمس ساعات في اليوم فينجزون المهام التّالية (بحسب ترتيب الانتشار تنازلياً): الحصاد والتّعشيب والتّقشير/فرز وإعادة غرس الشّجر وتجهيز الأرض. وتشكّل الفتيات نسبة 56 في المئة في المزارع الصّغيرة ونسبة 64 في المئة في المزارع المتوسّطة والكبيرة من بين الأطفال الّذين يعملون بشكل دائم في الزّراعة في البقاع.  

من جهتها قالت روى مكتبي، مديرة برنامج حماية الطفل في منظمة بلان إنترناشيونال: "نحن قلقون للغاية بشأن التقارير التي نتلقاها من شركائنا وزملائنا في جميع أنحاء لبنان. ان عمالة الأطفال تتزايد في جميع أنحاء لبنان وفي مختلف القطاعات، وليس فقط في الأراضي الزراعية". 

 وجدير بالذكر أنّ عمل الأطفال يشكّل انتهاكاً كبيراً لحقوق الإنسان الّتي تشمل الحقّ في التّعليم والحقّ في البقاء والنّمو والحقّ في الحماية من استغلال الطّفل وللأسف، غالباً ما يفوّت الأولاد المعرّضين لعمالة الأطفال فرصة التّعليم الابتدائي واكتساب المهارات وتزيد إمكانيّة بقائهم في دوّامة مفرغة من الفقر. 

وتدعو منظّمة بلان انترناشيونال الحكومة اللّبنانيّة لاتّخاذ تدابير لحماية اجتماعيّة شاملة توفّر حماية أفضل للأطفال المُعرّضين للخطر مؤكدة انها تعمل في لبنان وحول العالم مع الأطفال والشباب والداعمين والشركاء ونسعى جاهدين من أجل عالمٍ عادلٍ عبر معالجة الأسباب الجذرية للتحديات التي تواجهها الفتيات والأطفال. 


سبل المواجهة ... 

من جانبه يعتبر غاي رايدر، المدير العام لمنظمة العمل الدولية: "التقديرات الجديدة لعمالة الاطفال حول العالم جرس إنذار. لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي بينما يتعرض جيل جديد من الأطفال للخطر. فالحماية الاجتماعية الشاملة تسمح للأسر بإبقاء أطفالها في المدرسة حتى لو واجهت صعوبات اقتصادية. وزيادة الاستثمار في التنمية الريفية والعمل اللائق في الزراعة أمران جوهريان. نحن في لحظة محورية، والكثير يتوقف على كيفية ردنا. هذا هو الوقت المناسب لتجديد الالتزام والطاقة، من أجل تخطي الأزمة وكسر حلقة الفقر وعمل الأطفال.

 هذا وقد دعت منظمة العمل الدولية واليونيسف إلى توفير حماية اجتماعية كافية للجميع، بما في ذلك منافع شاملة للأطفال وزيادة الإنفاق على التعليم الجيد وإعادة جميع الأطفال إلى المدرسة بمن فيهم من كانوا خارج المدرسة قبل كوفيد-19، والى تعزيز العمل اللائق للبالغين، حتى لا تضطر الأسر إلى تشغيل أطفالها للمساعدة في تحسين دخل الأسرة، فضلاً عن إلغاء المعايير الجندرية الضارة والتمييز بين الجنسين الذي يؤثر على عمل الأطفال والاستثمار في أنظمة حماية الطفل، وفي التنمية الزراعية، والخدمات العامة في الأرياف، والبنية التحتية، وسبل العيش.

نذكر نهاية ان "السنة الدولية للقضاء على عمالة الأطفال" تمهد للمؤتمر العالمي الخامس حول عمالة الأطفال الذي سيُعقد في جنوب أفريقيا عام 2022، حيث سيتبادل أصحاب المصلحة الخبرات، وسيتعهدون بالتزامات إضافية تجاه القضاء على عمالة الأطفال بجميع أشكالها بحلول عام 2025، والقضاء على العمل الاجباري والاتجار بالبشر والعبودية الحديثة بحلول عام 2030. 


المدير العام لمنظمة العمل الدولية "غاي رايدر": جرس إنذار.

المدير العام لمنظمة العمل الدولية "غاي رايدر": جرس إنذار.

في سهل البقاع.

في سهل البقاع.

نسبة كبيرة في الأعمال الزراعية

نسبة كبيرة في الأعمال الزراعية