تفاصيل الخبر

الرسام ميساك ترزيان: أردت من خلال لوحاتي عن صخور فاريا والمناظر الطبيعية في لبنان إبراز جمال بلدي الذي عرفته في طفولتي على أمل أن يستعيد رونقه

10/06/2021
الرسام التشكيلي ميساك ترزيان رسمت لبنان الجميل الذي عرفته لكي تراه الأجيال القادمة كيف كان في الماضي.

الرسام التشكيلي ميساك ترزيان رسمت لبنان الجميل الذي عرفته لكي تراه الأجيال القادمة كيف كان في الماضي.

                                            بقلم وردية بطرس


 بريشته رسم لبنان الجميل الذي عرفه في طفولته لأنه لا يتقبّل أن يراه مشوّهاً وملوثاً. لقد أراد الرسام ميساك ترزيان أن يأخذ زوار معرضه بعنوان "صخور ومناظر طبيعية" الذي أقيم في أوتيل "آرت هاوس" في الجميزة، بجولة على مناطق لبنانية جميلة كما رآها في صغره لكي يتعرّفوا على طبيعة لبنان الساحرة، وكأنه بذلك أن ينزع عن بلده رداءه الأسود ويلبسه رداءه الأخضر الزاهي كما كان في الماضي. يؤلمه كثيراً ما أصاب لبنان من تشوه وتلوث وفساد واهمال، ولكنه قرر أن يعيد الجمال للبنان من خلال 25 لوحة تجريدية رسمها بكثير من الحب والفرح والأمل عن بلد لطالما تغنينا بأنه لبنان الأخضر ليتذكر ويمتّع نظره بما تبّقى من مناظره الطبيعية الخلابة من جهة، ولكي يتعّرف هذا الجيل على لبنان الأخضر وليس لبنان الحالي المهمل والمشوّه...


الرسام ترزيان وشوق اللبنانيين للحياة الثقافية والفنية


كان لـ "الأفكار" حوار مع الرسام ميساك ترزيان لنتحدث أكثر عن معرضه الذي استقطب الزوار على مدى ثلاثة أيام للتعرّف على لبنان الجميل الذي يرفض أن يراه مشوهاً ومهملاً فرسم لوحات عن طبيعة لبنان الخلابة كما يتذكره في طفولته. وسألناه بداية:

* لقد شهد معرض "صخور ومناظر طبيعية" في الجميزة اقبالاً من الناس على الرغم من الظروف القاسية التي يمر بها البلد، فالى اي مدى اشتاق اللبنانيون للحياة الثقافية والفنون؟ 

- بالفعل على الرغم من وضع البلد على الصعيد المعيشي والاقتصادي ناهيك عن وباء الـ"كورونا" واغلاق البلد لفترات طويلة الا أن المعرض شهد اقبالاً من الناس لأنهم مشتاقون للحياة الثقافية والفنون على أنواعه، اذ يقبلون على المعارض لأنهم يريدون ان يتنفسوا بعدما أمضوا عاماً ونصف العام تقريباً في بيوتهم بسبب الوباء، وليس هذا فحسب فالزوار كانوا يتجولون في أرجاء المعرض ويشترون اللوحات أيضاً مع العلم أن هناك أزمة اقتصادية خانقة في البلد، ولكن يبقى مكان للفنون في حياة اللبنانيين، لذا يقصدون المعارض ويستثمرون في اللوحات لأن أموالهم محتجزة من جهة ومن جهة أخرى يحبون اقتناء اللوحات.

* مسيرتك في عالم الرسم طويلة فماذا يعني لك اقامة هذا المعرض في ظل ظروف  البلد القاسية؟

- انني أرسم منذ 60 سنة ، حيث كان عمري 13 سنة عندما بدأت أرسم اللوحات الا أنني كنت أهديها للأصدقاء والأهل، وأقمت أول معرض في العام 1965  وبعدها 1968 و 1973، حيث نلت أول جائزة من يدي الفنان بول غيراغوسيان سنة 1964 واستمررت بالفن لسنوات طويلة وما زلت، اذ تربيت في منزل اكتسبت فيه خبرة بالألوان لأن والدي كان لديه محل لفرز الألوان، ولغاية اليوم انا مستمر  بهذا العمل مع اخوتي لأنني أحب هذا العالم وأنسى كل شيء اذا كانت هناك مشاكل أو أمور مأساوية وأشعر براحة نفسية.


لوحاتي تتحدث عن الفرح 

* يخرج العمل الفني من قلب المعاناة والألم ولكن لوحاتك فيها الكثير من الفرح والأمل فما أهمية الأمر بالنسبة اليك؟

- هذا صحيح يخرج العمل الفني من الألم، ولكن ليس بالضرورة دائماً اذ يخرج من الفرح أيضاً، وهذا ما سعيت اليه دائماً من خلال لوحاتي التي تجسّد الفرح والبهجة،  لأنني لا أحب أن أرى الحزن في البيوت. حتى عندما رسمت لوحة عن المجزرة الأرمنية رسمتها بطريقة فيها فرح. هناك أناس يغادرون الدنيا ولا يتركون أثراً لهم وهناك أناس يتركون أثراً، وطبعاً الفنانون والمؤرخون والكتّاب والشعراء ورجال الفكر يتركون أثراً بعد موتهم، لهذا أردت أن أترك شيئاً للأجيال القادمة من خلال رسم لوحة عن المجزرة الأرمنية، كما رسمت لوحة أخرى عن المجزرة سميتها "التركي السعيد" اذ بدا سعيداً وهو يقطع رأس أرمني او يطعن امرأة حامل هي وجنينها وكأنه انجاز، طبعاً من المؤلم تجسيد الألم ولكن الفنان يخلّد التاريخ برسوماته وأعماله الفنية. كما ذكرت في سياق الحديث على الانسان ان يتمسك بالأمل والأمور الجميلة لكي نقدر ان نستمر ونواصل حياتنا خصوصاً في لبنان حيث يقوم المسؤولون بإذلالنا وطعن البلد وتلويثه وتشويهه ولا من يحاسبهم.


معرضان عن صخور فاريا والمناظر الطبيعية في لبنان


* هلا حدثتنا عن معرض "صخور ومناظر طبيعية" الذي أقمته في أوتيل "آرت هاوس"؟

- لقد أقمت معرضين: الأول يحكي عن صخور فاريا، والثاني عن المناظر الطبيعية في لبنان، اذ أحببت أن أقوم بـ "Facelift" أو تجميل للبنان الذي عرفته وأنا طفل، فقد كان نظيفاً وجميلاً ومشرقاً، كان هناك فساد ولكن ليس كما في وقتنا هذا، اليوم عندنا فساد بنسبة 99,99 في المئة، وهناك 0,1 في المئة فقط أناس يمنحون شيئاً جميلاً للبنان ومنهم الفنانون، اذ لا أعلم اذا كان هناك ربما الجمعيات غير الحكومية التي تساعد الفقراء والمحتاجين، انما للأسف حتى المساعدات تتبخر... لا أجد كلاماً يصف ما يحصل في لبنان من فساد وسرقات، لهذا أحببت أن أقوم بتجميل لبنان كما عرفته في طفولتي لأنني تعرّفت عليه وهو جميل بينما لبنان الحالي هو لبنان الأسود وليس الأخضر، على الرغم من ذلك أرسمه كيف سيصبح جميلاً وزاهياً ان شاء الله قريباً، من خلال لوحاتي أعطيت لبنان الجمال الذي يستحق ولا أعلم اذا الناس سيفهمون رسالتي لأنه صعب على الجيل الجديد الذين يرون لبنان بأسوء حالاته، أما الجيل القديم الذي عرف لبنان القديم يفهم ما أرسمه.

ويتابع:

- المعرض الأول تناولت فيه صخور فاريا لأنني أحتفظ بذكريات جميلة عن هذه الصخور منذ أيام الطفولة. فعندما يصبح الانسان في السبعين من عمره تعود ذكريات الطفولة، مع العلم أنه في الوقت الحالي لا تسمح لنا الظروف بأن نحلم بالأيام المقبلة لأننا لا نعرف ماذا سيحصل في المستقبل، ولكنني أعلم بالوقت الحاضر أنني لا أزال حياً وأرسم وأحب أن أستمتع بالحياة قدر الامكان، ولكن الشيء الوحيد الذي نعرف أن الماضي مرسّخ في اللاوعي لدينا، اذ أتذكر عندما كنا صغاراً كان والدي يأخذنا الى طريق ريفون وفيطرون طلوعاً باتجاه فاريا، فكنا نرى على جهة اليمين الوديان، وعلى جهة الشمال الصخور التي لا تزال موجودة ولكنها قليلة بعدما قاموا بتحطيمها وتشويهها. فصخور فاريا عمرها ملايين السنين وهي منحوتة في الطبيعة، ولكن للأسف فإن المسؤولين الفاسدين منحوا الرخص لتكسير تلك الصخور بدل الحفاظ عليها وتحويلها الى محمية صخور، وقد بقي القليل منها، وأتمنى أن يحافظوا عليها لأنها أشبه بعمل فني في أحضان الطبيعة... كان بامكانهم الحفاظ عليها أقله بنسبة 50 في المئة، ولكن للأسف يريدون أن يستثمروا بكل شيء ، فهم يخرّبون لبنان من أجل كسب المال. لا أزال أتذكر جمال صخور فاريا المبهر ويؤلمني أنها تعرّضت للتشويه والتكسير لهذا أقوم بتخليدها بهذه اللوحات التي نالت اعجاب الزوار.

 وعاد ليقول: المعرض الثاني رسمت فيه مناظر طبيعية لمناطق لبنانية جميلة لكي يرى الناس جمال تلك المناطق حيث أبدى زوار المعرض اعجابهم بتلك اللوحات وتعرّفوا على جمال لبنان كيف كان وليس كما يرونه اليوم مشوهاً وملوثاً. لقد حاولت من خلال لوحاتي زرع الأمل في نفوس الناس وأظهرت لهم لبنان النظيف والجميل وبأنه ليس هناك أمر مستحيل اذا كانت هناك ارادة، ولكن للأسف ليس للمسؤولين ارادة للعمل بل فقط لجمع المال وسرقة أموال الشعب.


وبحرقة وألم يقول عن سويسرا الشرق:

- لبنان كان سويسرا الشرق وكانت البلدان المجاورة تنظر اليه بنوع من الغيرة نظراً لجماله ورونقه وثقافته وحضارته ، أما اليوم فخرّب المسؤولون كل ذلك، لهذا نحاول قدر الامكان تجميله ومداواته ليعود كما كان في الماضي. كان لبنان جامعة الشرق ومستشفى الشرق ومصرف الشرق ولكن للأسف اليوم لم يعد كذلك. ولكنني أردت من خلال لوحاتي أن نسترجع لبنان كما كان وربما أحسن. صحيح أنه تعرّض لغزوات كثيرة وحالياً نعيش غزواً الا أن لا أحد يجرؤ أن يتحدث عن الغزو ومن هو ولماذا، ولكن ما نعلمه أن هذا الغزو ليس لصالح لبنان بل لصالح الآخرين. ولا أعلم لماذا الناس يسكتون ولا يتكلمون. فالمسؤولون يتلاعبون بأعصاب الناس من حيث قطع الكهرباء وارتفاع سعر الدولار وغلاء المعيشية وانقطاع البنزين والأدوية الى ما هنالك ومع كل اشراقة شمس يقومون بسرقة ملايين الدولارات بسبب فرق العملة وسرقة أموال المودعين. فمن خرّب البلد لا يقدر أن يعمّرها. 

وأضاف:

- لقد رسمت لبنان الجميل الذي عرفته لكي تراه الأجيال القادمة كيف كان في الماضي، فكما نرى اليوم صوراً تعود الى زمن العشرينات حيث كان لبنان جميلاً ومبهراً، أريد بعد خمسين او ستين سنة أن يرى الناس لوحاتي ويقولوا ان لبنان كان جميلاً. ونأمل ألا يصبح أسوأ من الآن، مع العلم أنهم قاموا بقطع أشجار الأرز وتحطيم صخور فاريا من أجل كسب المال فمن يمنعهم لارتكاب المزيد من تشويه وتخريب الطبيعة. وعلى الرغم من ذلك الطبيعة تستمر بمنحنا الورود والثمار والماء والأمطار وهي تزهر بالتوقيت نفسه كل عام، لهذا رسمت شجرة الزيتون التي نالت اعجاب الجميع بنسبة 99,99 في المئة، لأن شجرة الزيتون تنمو في الحوض المتوسط مثل اليونان وايطاليا وتركيا وجنوب فرنسا ولبنان وفلسطين ، حيث تشتهر هذه الدول بالزيتون، لذا أحببت شجرة الزيتون التي تنمو في لبنان والتي تعطي ولا تأخذ بالمقابل كونها تعيش بدون ماء. ولقد رسمت الطبيعة كما أحلم بلبنان وكما رأيته خلال طفولتي وأتمنى أن يعود أجمل مما كان.

* ما أهمية مكان اقامة المعرض في "آرت هاوس"؟

- لقد أقمت 144 معرضاً في لبنان والخارج الا أنها أول مرة او ربما ثاني مرة أعرض فيها في غاليري بدون نوافذ وبدون أبواب ، اذ هناك الشجر والعصافير،  فأوتيل "آرت هاوس" جميل جداً ، حيث يستمتع الرواد بمشاهدة اللوحات ويتناولون الغداء او العشاء ضمن أجواء ساحرة وهادئة وممتعة، فقد زار المعرض في اول يوم 470 شخصاً خلال الافتتاح، وفي اليوم الثاني زاره 180 شخصاً وفي اليوم الثالث 220، اذ لاقى المعرض اعجاب الزوار. فهذا هو لبنان الذي نعرفه مهما حاولوا ان ينسونا تراثنا، فتراثنا لن يموت وسنعمر لبنان كما كان ، والذي سيبقى سيعمل والذي غادر لبنان سيعمل أيضاً لمساعدة أهله هنا، اي يجب ان نعمل سوياً في الداخل والخارج لكي ننهض بالوطن.



الثلوج في البقاع.

الثلوج في البقاع.

شجرة الزيتون.

شجرة الزيتون.

صخور فاريا.

صخور فاريا.

قلعة بعلبك.

قلعة بعلبك.