تفاصيل الخبر

النحاتة رندا نعمة من معرضها الدائم في أرض لأجدادها كانت بئر ماء: مهمتي أن استخرج الطاقة التي في قلب الحجر!

28/04/2021
معرضها الدائم في بلدة غرفين.

معرضها الدائم في بلدة غرفين.


بقلم عبير انطون


 في قلب بلدتها غرفين في أعالي عمشيت، افتتحت النحاتة رندا نعمة محترفها في الهواء الطلق منذ خمسة عشر عاماً بعدما عادت من باريس. تزرع منحوتاتها المتنوعة الأشكال والأحجام والمواد هنا وهناك، في أرضها المصوّنة بأشجار الصنوبر والخروب والبامبو والبلوط والزيتون واللوز والبطم والكثير من السنديان، وكأن ما للطبيعة تعيده اليها، انما مسكوباً بالاحاسيس، مستعيداً الحياة التي فيه، مفعماً بمشاعر غيّرت وجهته، فأنسنته، وأبعدت عنه صفة الجمود ليتحرك تحت يديها، وتقيم معه علاقة مفعمة بالتجانس، هي التي تؤمن انه بـ"الهدوء لا يمكن أن يذهب المرء الى مكان آخر"، وتعني بالهدوء فورة الابداع وصخبه.

مؤخراً، فتحت رندا أبوابها الى رحلة في الهواء الطلق في معرضها "على بالي" في بلدتها غرفين دعت اليه من يشير اليه قلبه بزيارة الى قلب طبيعة سكبت فيها اعمالاً من روحها، ومن خبرتها.

فماذا في معرض النحاتة الشغوفة وماذا عن رحلتها الفنية ؟

 في المنطقة التي تبلغ مساحتها 15000 متر مربع وتحتضن بين ثناياها بئر ماء، والمحفوظة كما هي بصخورها وبستان زيتونها وأشجار البلوط التي يبلغ عمرها مائة عام وما فوق، رتبت رندا 6000 متر مربع بطريقتها الخاصة وزرعتها بمنحوتات حجرية ورخامية وبرونزية، ما يفوق على الخمسين عملاً هي بتنوعها وفرادتها من أجمل ما يكون، وزعتها ما بين الخارج والداخل، حيث بيت صغير حولته للفكر والقراءة ولعرض بعض المنحوتات .

 تتهادى وسط الاشجار، وتتوقف مسكوباً بسحر ما تراه: هنا يد رخامية متعالية نحو الخالق لا تتزاحم مع شجرة الزيتون البرونزية، وهناك رأس مفكر يجعلك تستعيد أيام الكبار وفلسفاتهم  وهنالك عازف الترومبيت يساير طيور أيلول بأنغام نتخيّلها ولا نسمعها، وعلى بعد منه الكرسي الرخامي، نقرأ عليه عبارة لجبران خليل جبران كتبتها في قلب الرخام: "إن ركبت غيمة، فلن ترى حدود البلاد ولا فواصل المزارع، من المؤسف أنك لن تركب غيمة".

المشوار الطويل الذي بدأته رندا نعمة في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة "البا" حيث قامت بالكثير من المودلاج قبل ان تؤكد لها نفسها رغبتها بالنحت، استكملته في فرنسا على يد نحاتين بارزين اوروبيين ويابانيين .  

 كذلك عملت مع خبير خزف معروف، في مسبك Clementi الشهير لصنع قطع فريدة، وما زالت إبداعاتها مزهوة هناك، هذا فضلاً عن مشاركات لها في كبريات المعارض الفردية والجماعية كما في "Grand Palais à Paris" او في اليمن وبلجيكا والصين، وقد قامت بتمثيل الفنانين اللبنانيين كما بتمثيل الفنانين الفرنسيين على حد سواء، وهي تنتمي رسمياً الى نقابتيهما، وكانت لها اكثر من مشاركة رفيعة المستوى من حول العالم فمثلت فرنسا في مالطا وغيرها. وبعيداً عن فرنسا كانت لها بصمة خاصة أيضاً من خلال نصبين برونزيين لجامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا (كاوست) في المملكة العربية السعودية. 

المشوار المليء بالانجازات، الجامع ما بين سحري الشرق والغرب، لم يأخذ من الفنانة الفاتنة نسمة تواضعها الآسر ولا من جمال الروح والجسد اللذين تتمتع بهما، ويبدو انها نحتتهما بالعناية والاهتمام الشديدين ايضاً. هذا التواضع تشترك فيه مع شجرة الزيتون، وهي الأحب الى قلبها، وتقول في هذا الصدد: "الزيتونة شجرتي المفضّلة، لما ينضح منها من تواضع وإنسانية. أتعلّم من وحدتها، لقد نحتتني كما أنحت كتلة غريبة عني، فتآلفنا".

البلد المليء بأشجار الزيتون، ذاك البلد الاخضر الذي كان عليه، يؤرقها، وأوضاعه تتعبها، ففيه "يجب ان نحصل على كل شيء بالقوة" تقول رندا، وكأن الحصول على المسلمات، على أبسط مقومات العيش عمل انجازي يتطلب الكثير، ومن هذا المنطلق لا تغيب عنها فكرة الابتعاد قليلاً عن الوطن، وهي فسحة تحتاج اليها لاستعادة التوازن وسط الجنون الذي نعيشه. فهي عادت الى لبنان منذ اكثر من عشر سنوات، افتتحت في قلب عاصمته اول ورشة  لها في منطقة الجميزة حيث كانت تنظم أياماً تزورها الناس فيها وهي تعمل، قبل ان تنتقل الى بلدة غرفين أرض أجدادها. 

هذا البلد التي تتحسر عليه رندا، وهو الذي صدّر الحرف الى العالم، كان لها مشروع كبير في مئويته، وهو اقامة نصب تكريمي لاوروبي له علاقة بالابجدية، الا ان الظروف التي لا تعرف انتهاء، والتي لا ينفك لبنان يمر بها ابعدته الى حين. اي حين؟ ربما حين الاستفاقة على إرث البلد الثقافي والحضاري، وعلى تراثه الذي اغنى البشرية جمعاء وكان له فضل عليها في الحرف والكلمة. "هل لي عين" تقول رندا ان أطرح الفكرة وسط ما نمر به، والازمات في هذا البلد لا تهادن، ولا تأخذ فترة استراحة؟ 


عتب رندا على البلد، لا يلغي على الضفة الأخرى الطرافة في حديثها، وهي جعلتنا نضحك معها لما اخبرتنا في معرض مشوارها الفني ما طلبه منها احد رجال الدين، وهو ان تنحت "أسداً" يريدونه لأحد دور العبادة. اشتغلت فيه، كما تراه، وكما تريده الفنانة ان يكون. ولما دخل رجل الدين ليرى أين اصبحت فيه، مر من أمامه، ولم يلتفت اليه، وسألها: اين أسدنا؟ ضحكت في سرها. وهل يصعب عليها نحت أسد منقول عن صورة؟ أهذا ما يبغيه الفنان الذي قضى حياته ما بين النظريات العالمية والتجارب النحتية الميدانية على يد كبار الفنانين، وله زيارات ومشاركات في كبريات المعارض من حول العالم؟ 

حتى مشاركتها في الاونيسكو، في حدث حول المرأة ودورها، لم يستفزها للعمل لما سمعت النقاش لا بل الضجيج الدائر من النساء انفسهن حول المرأة ودورها. لا "هذا ليس أنا" تقول النحاتة المتمرسة.

انسجام...

 منتصبة كالشجر في أرضها، ومنتعشة كما النسمات في ضيعتها الهانئة، تتعامل رندا مع الحجر ليس بصفة التحدي وإن هي قادرة على ذلك، إنما بنوع من التفاعل الذي يخلق انسجاماً بينهما، يشبكهما بعلاقة حلوة، والأمر عينه مع البرونز والرخام الذي تعمل عليه ايضاً. الصعوبة التي تكمن على أكثر من صعيد في مختلف انواع الصخر الاوروبي والايطالي والهندي وصولاً الى تلك البركانية، لا تسرق من عزيمتها، ولا من الـ"مود" الجميل الذي لا بد ان يكون حتى تقوم بالنحت. فهي لما تستسل إزميلها ومطرقتها، تكون بأفضل حال، وإن لم تكن كذلك، فإن الحجر نفسه يمنحها فرصة بضعة ايام حتى تكون بمزاج افضل، وتقوم بهذه الاثناء بتحضير الحجر وتنعيمه قبل ان تشرع الرياح للابداع.

ولما فتحنا معها باب الحديث عن الصعوبة في ما تواجهه وهي تنحت، قصت علينا ما هو محفور بذاكرتها من يوم زارها استاذ ياباني كبير في أول مشوارها في المحترف الذي افتتحته في باريس. فهي وقفت أمامه متوترة قلقة من ردة فعله، ولما وجدته متوقفاً امام احدى المنحوتات قالت له بحذر: إنها منحوتتي الأولى! فأجابها للتو: لا تقولي يوماً في حياتك انها منحوتتي الاولى، فكل منحوتة هي دوماً منحوتة اولى.

وتشرح رندا:

 "بالنسبة لي، الحجر هو مادة صامتة، لكنها حية، ولذلك تنشأ علاقة بيني وبينه. أنا أحب الحجر. أفهمه وأجد نفسي في تناسق وانسجام معه". ولا عجب في أن تكون ابنة ضيعة غرفين، المعروفة بصخورها الألفية، على هذه الصلة بالحجر والطبيعة التي كانت تتمشى طفلة بين ربوعها ، تنظر الى الشمس في سمائها والى الاحجار في ارضها، وتختار منها ما يعجبها فتعود به الى البيت. 

أمامها، تغدو الأحجار والمواد أوراقاً بيضاء، تخط عليها ما تتصوره، في تناسق أحياناً وتضاد احياناً اخرى، فتجمع بشكل مدهش بين الزاهد والأثيري مع المادي والواقعي عبر مروحة متنوعة ومختلفة من الخطوط والأحجام والأبعاد التي تقرأ من زوايا مختلفة. وبالكثير من العناية تشتغل رندا، فالحجر دقيق جداً، لا يتيح لك فرصة الشرود عنه ولو لثوان، وهو اناني يتطلب اهتماماً كلياً به، وإلا فإنه ينكسر او يفسد. وإن اعتنيت به، فإنه يعود عليك بكل ما تريده منه، لا بل يعطيك اكثر كلما اوغلت فيه، ويكشف لك عن مفاجآت لم تكن في حسبانك، كأن يقدم لك مثلاً ضلعاً في الصخر يتناسق تماماً مع المنحنى الذي قمت بنحته في تواطئ جميل ما بين العمل والصدفة.

الحدس...

"اشتغل بحدسي" تقول رندا، ولما نسألها إن أوحى لها الحجر يوماً بما يريد ان يصير عليه تقول: في النحت تبدأ المرحلة الاولى من اختيار الصخر. اختار ما أشعر بأنه ينده لي. في المرحلة الثانية أنحت على الحجر كله، وابتعد لحوالي الاسبوع حتى أعود في مرحلة ثالثة لاشذب فقط ما يمكن ان يزيد عما أريد. ويبقى الاهم في كل ذلك، ان استخرج الطاقة التي في قلب الحجر، من قلب الكتلة الموجودة امامي. انا لا اقوم بالماكيت او أبدأ بالتجربة الصغيرة قبل الشروع في التنفيذ الكبير. احيانا ابدأ بالنحت من دون تحديد الوجهة الاخيرة، لكن اذا ما وصلت الى منتصف النحت ولم يظهر معي ما اعمل عليه ، أدرك بأنني لست على الطريق الصحيح. انا لا اعرف مسبقاً كيف سأنتهي بالمنحوتة، الا ان يقيني كامل بأنها ستكون امتداداً لي. اي عمل نحتي لا يمكن ان ينتهي تماماً، هناك دوماً ما يمكن ان نضيفه او نحذفه منه، لكن هناك مرحلة يجب ان نصل فيها الى القول: انتهيت! 

أما منابع الوحي لرندا فهي متنوعة، وفي الكثير منها اقوال لفلاسفة، وهذه المنابع لا تنضب وتشبه الأرض في غرفين التي يقوم عليها المعرض اليوم، والتي كانت قديما بئراً للمياه .  

 كن ما أنت عليه 

 تدخل رندا اليوم في تجربة نحتية جديدة على صخرة اختارتها. لا تعرف بعد ما ستؤول اليها، "سوف نرى" تقول لنا! الا اننا على يقين انها لن تكون الا بالجودة الفنية التي سبق وقدمتها لزائريها في مختلف معارضها، وبينها ما يختزنه وجدان من يحبون الاعمال الفنية الرائدة. فمن ينسى المعرض الذي اقامته منذ سنوات تحت عنوان "كوان"، وشرحت فيه لزائريها حينها ما تعنيه الكلمة بالقول إنه في الفلسفة الصينية ثمة تجارب تصبح ألغازاً لا حلّ لها، المنطق والفكر لا يعودان كافيين، البديل منهما، الوعي والشعور".  

لا تسعى رندا النحاتة والرسامة ايضاً، الى تسويق أعمالها ولا دخول "السوق الفنية" من باب التجارة فيه، وتعتبر بكل بساطة ان من يحب النحت ويرغب في اقتناء اعمال منه يعرف اين يجده. قصة المال والمردود لا تدخل في اولوياتها، وبالحد الاقصى فإنه يمكنها سلوك درب التعليم في المجال ان أرادت. فهي تنطلق في حياتها كما في عملها من قاعدة: "عدم امتلاك أي شيء وعدم جعل اي شيء يتملكك"، منهية بالقول المعبر الذي لن تحيد عنه: "كن ما أنت عليه"! 


الصخر ينطق بالجمال.

الصخر ينطق بالجمال.

النحاتة رندا نعمة.. تستند الى الصخرة.

النحاتة رندا نعمة.. تستند الى الصخرة.

الورود المنحوتة .

الورود المنحوتة .

بيت الفن.

بيت الفن.

جانب من المعرض في الهواء الطلق

جانب من المعرض في الهواء الطلق

في قلب الطبيعة

في قلب الطبيعة

منحوتة المفكر.

منحوتة المفكر.