تفاصيل الخبر

محمية إهدن في الشمال ومعبد نيحا في البقاع: قبلتان سياحيتان بامتياز تجذبان الزوار لفرادة وأهمية ما تحتويانه!

بقلم عبير أنطون
04/08/2022
حرش أهدن.

حرش أهدن.


 وجهتان سياحيتان بامتياز كانتا مدار اهتمام الاسبوع الماضي في لبنان، خاصة مع التركيز الشديد على هذا الجانب لانعاش لبنان بمدنه وقراه وسط ما يعانيه البلد من ازمات. والوجهتان، وإن كانتا متباعدتين جغرافياً، فإنهما تستحقان القاء الضوء عليهما لأهميتهما السياحية طبعاً وانما ايضاً تلك الثقافية والبيئية والحضارية. فما هما تلك الوجهتان التي تولت الاولى منهما وزارة السياحة اللبنانية فيما دخلت الثانية من ضمن نشاطات المعهد الفرنسي في لبنان بالتعاون مع السفارة الفرنسية، وما الذي تتميزان به؟

"الأفكار" تحملكم على متن جناحها السياحي اليهما لتلقي الضوء...

 الحدثان السياحيان اللذان شكلا مدار اهتمام مؤخراً كانا محمية حرش اهدن في شمال لبنان، ومعبد نيحا في البقاع الخصب. 

في اهدن، وفي إطار حملة "أهلا بهالطلّة" السياحية استهلّ وزير السياحة الوزير وليد نصّار جولته بافتتاح المكتب الجديد لوزارة السياحة في إهدن، والذي يأتي ضمن خطّة اللامركزية الإدارية السياحية للوزارة،  ودشن درباً للمشاة يصل بلدة إهدن بوادي قنّوبين، ومحطّة تشريج للسيارات الكهربائية الى غيرها العديد من النشاطات، كما زار محمية حرش إهدن الطبيعية التي تعتبر من أهم المحميات الطبيعية في الشرق والتي تقع على المنحدرات الغربية الشمالية لجبل لبنان.

 فما الذي تتميز به هذه المحمية واين تكمن اهميتها؟

   تمتد محمية حرش إهدن من علو 1200 متر حتى 2000 متر عن سطح البحر. وهي ثاني أكبر محمية في لبنان، وقد أضحت معلماً سياحياً يقصده المئات، بل الآلاف من السياح كل عام. مساحتها 1000 هكتار توسعت قليلاً، ويتوضح التنوع البيولوجي الاستثنائي لمحمية حرش اهدن من خلال 3 من الـ 9 مناطق الجغرافية الحيوية المعترف بها في لبنان، الممثلة في محمية حرش اهدن، مما يساهم في اهميتها المحلية في التنوع البيولوجي. 

تضم المحمية ما يفوق على 1058 فصيلة من النباتات تشكل نحو أربعين في المائة من أنواع النباتات في لبنان، ومنها 39 نوعاً من الأشجار، وفيها تجمع فريد من نوعه للصنوبريات، والاشجار النفضية دائمة الخضرة والعريضة، والأرز والعرعر والتنوب وأشجار التفاح البري المهدد بالانقراض، إضافة إلى الأشجار النادرة الوجود في الشرق الأوسط. كذلك فإن فيها 27 نوعاً من الثدييات تمثل ثلث الثدييات في لبنان ومنها ما هو نادر الوجود أو مهدد كالأرنب البري، فأر الحقول، الغرير الأوراسي، القنفذ، الشهيم فضلاً عن 300 نوع من الفطريات يأخذ بعضها شكل فطر ملون، و23 فصيلة من البرمائيات وفيها الطيور المتنوعة الأصناف والأشكال، والتي يصل عددها إلى 168 صنفاً وهي تمثل نحو 40 في المائة من أصناف طيور لبنان. ومن ضمن أصناف الطيور المقيمة أو العابرة ما هو مهدد على الصعيدين العالمي والمحلي؛ فهناك النسر الإمبراطوري، كما يوجد فيها "القرقف" بلونيه الأصفر والأزرق الذي يزورها صيفاً للتوالد.

هذه المحمية التي ذكرت في التوراة وتغنت بها نصوص ملحمة "غلغامش" البابلية الشهيرة أضحت محط أنظار علماء النبات، حتى إن الأبحاث الأخيرة أدت إلى اكتشاف أنواع من الأزهار برية غير موجودة في أي مكان آخر في العالم، وقد أطلقت عليها أسماء عصرية مثل: "مخلب عقاب إهدن، قرنفلة يوسف بك كرم، زعفران الرئيس سليمان فرنجية". وثمة احتمال كبير لاكتشاف نباتات جديدة.


نشاطات...

ومن يقصد المحمية لا يحصر اهتمامه بـ"التخييم" ورياضة المشي، حيث يكون أمامه فرصة زيارة محمية أرز بشري أو غابة الأرز القريبة من المحمية، التي تعد أوسع غابات الأرز اللبنانية شهرة. وهي تضم ما تبقى من تلك الشجرة المعمرة التي اتخذها لبنان رمزاً على علمه، والتي ورد ذكرها في الكتب المقدسة والنصوص القديمة، ولعبت دوراً بارزاً في ثقافة الشرق الأدنى القديم، حيث بدأ استثمار أخشابها بشكل مكثف منذ الألف الثالث قبل الميلاد.

الى ذلك، يجذب الحرش بسبب طبيعته المميزة روّاد التسلّق من كل المناطق اللبنانية ومن خارج لبنان أحياناً كثيرة، وهم غالباً ما يتخذون من محطّاته الصخريّة المتنوعة موئلاً لاستراحاتهم، ومن مناظره الممتدة حتى البحر المتوسط مسارح لأنظارهم. 

ويذكر في السياق ان الدكتور الراحل هاني عبد النور وضع العديد من الدراسات عن الحشرات في المحمية كما تم تصوير فيلم وثائقي عنها من إخراج بهيج حجيج، ونال جوائز عالمية.

 

 نيحاتا...

أما بقاعاً، فقد أطلق "المركز الفرنسي في لبنان" بالتعاون مع السفارة الفرنسية في بيروت مشروعاً ثقافياً للعام 2022، تحت عنوانArt et territoire  يهدف إلى "دعم المشاريع الفنيّة المكرّسة لتطوير التراث اللبناني، بهدف التأكيد على الإبداع المعاصر وأهمية ترسيخه في القلب بالتعاون مع المنظمات والبلديات المحلية". وتحمل السفارة الفرنسية و"المركز الفرنسي في لبنان" هذا المشروع إلى مناطق لبنانية عدّة منها طرابلس، جونيه، دير القمر، صيدا، صور، النبطية، زحلة وبعلبك بحيث اختارت لجنة التحكيم المؤلفة من ممثلي "المركز الفرنسي في لبنان" والمديرية العامة للآثار والمركز الفرنسي للشرق الأدنى، والجهات الفاعلة الثقافية 11 مشروعاً يعكس تماماً التنوع الفني اللبناني في جميع أنحاء الأراضي، كان بينها معبد نيحا في البقاع الذي دعت الزوار اليه الاسبوع الماضي تحت عنوان NIHATHA و"نيحاتا" هو تركيب صوتي ومرئي تفاعلي، في موقع معبد نيحا لكارولين حاتم، تم التعاون لاجل انجازه مع كل من كندة حسن، مصممة صوت، وليد عبد النور (مصور فيديو)، ربيع جبيل (مؤلف موسيقي، فنان صوت)، ليلى حاوي (رسم خرائط ثلاثية الأبعاد)، السيد ستوك (تصميم نظام صوتي) وهادي شويري (كاتب مسرحي، عالم آثار).

أستوحى الفنانون لتركيب هذا العمل من صورة (المؤنّث الإلهي) المتمثلة بعلاقة الإلهتين "أترعتا "وقد   (Atargatis) إلهة المياه والقدّر والخصوبة التي خُصص المعبد لها و"تيكه" ((Tyche إلهة الحظّ وضربات القدر العمياء والتعسّفيّة التّي عُثِر على تمثال لها في الموقع نفسه، مع المعبد، ليعيد الفنانون خلق الفضاء بصيغة تفاعلية ميكانيكية. وهم ركبوا نظاماً "تنجيميا" يفتح الأبواب أمام الجمهور للتّفاعل معه، أشبه بعرّافة ميكانيكية، ليسألوها عن ما يودون معرفته. يرمي السائل بحجر داخل المجسّم، فيأتيه الرد من خلال التّركيب والطّبيعة المحيطة به، يحمله صدى فضاء المعبد. لا يأتي الجواب صريحاً، بل من خلال أشكال صوتيّة مختلفة وإشارات تترك للسائل هامش التفسير والخيال، ليصبح كلّ متفاعل عنصراً شاعريّاً يُحيي المكان وبقاياه.

وفي القبو، نجد فيديو ينقب في ذاكرة المعبد الذي شيِّد في هذا المكان لوجود نبع مياه، يأخذنا إلى احتمال آخر يفتح لنا آفاقاً أُخرى لعلاقة الماء مع المكان، بينما يغمرنا صوتها المختلط بصدى الماضي الذي يحيط بنا أثره. كما يتأثر الفيديو بعلاقة الماء بالنجوم حيث إن انعكاس الواحد على الآخر استخدم عند بعض سكان منطقتنا كطريقة لقراءة النجوم.  

وبالنسبة لحاتم والفريق المنفذ للتجهيز، لطالما كان لبنان، ولا سيما البقاع أرض الإيمان حيث، على مر السنين جاء الكهنة والخطباء والممتلكون والأنبياء والرهبان والخطباء جنباً إلى جنب لعبادة وخدمة مختلف الآلهة. ويشرح الفنانون ان الحرم الروماني في نيحا، الذي يطفو على أحد التلال على المنحدر الشرقي لصنين، هو مثال رائع على هذه البوتقة الدينية والثقافية التي تمزج بين التقاليد الغربية والشرقية.

 يذكر انه، و في بلدة نيحا تقع في قضاء زحلة، على بعد 60 كم من بيروت، لا تزال معالم معبدي نيحا ظاهرة بوضوح، وهما يتبعان الطراز المعتمد في معظم المعابد الرومانية، من حيث تصميم القاعدة والأدراج والصحن وقدس الاقداس.

ويقوم المعبدان على قاعدة ضخمة تتخللها أدراج تؤدي الى داخلهما، وتزين واجهة المعبد الصغير أربعة اعمدة ذات تيجان أيونية الطراز، بينما تتقدم مدخل المعبد الكبير أربعة أعمدة من الطراز الكورنثي.

ويعود تاريخ المعبد الصغير الى القرن الميلادي الأول، أما المعبد الكبير فهو أحدث منه ويعود إلى القرنين الثاني والثالث للميلاد.

يبدو من خلال تصميم المعبدين وقربهما من مجرى المياه، ووجود ساقية ماء صغيرة محفورة في دكتهما، ان طقوس العبادة التي كانت تجري في الموقع، كانت تتمحوربشكل خاص حول عنصر المياه لما لها من رموز مقدّسة ترمز الى الحياة. وكان يجب على كل مؤمن المشاركة بهذه الطقوس للتبرّك بالمياه المقدّسة.

ويتميز معبدا نيحا بالنقوش المذهلة التي لا تزال واضحة حتى اليوم، ولقد ساعدت هذه النقوش العلماء بتحديد خصائص المعبدين والطقوس المتبعة فيهما. أبرز هذه المنقوش، النص المنحوت في المعبد الصغير، حيث ورد اسم Hochmaea "حكمة"، وهي نبية عذراء كانت كاهنة إلهة المعبد، التي كانت قد نذرت نفسها لخدمتهما، فبناء لأمرهما امتنعت عن تناول الخبز لمدة عشرين سنة.

ويظهر على واجهة منصة المعبد الكبير نقش نافر يمثل كاهناً يرتدي غنبازاً طويلاً يلفه زنار معقود، ويحمل على صدره قلادة تزينها ايقونتان تمثلان آلهاً وآلهة. ويعتمر الكاهن لبّادة يعلوها هلال صغير، ويحمل بيده اليسرى مرشة نبانية، وفي يده اليمنى طاسة يسكب منها الماء المقدسة فوق معبد صغير.

ومن نقوش معبد نيحا الملفتة ايضاً، نقش يمثل عقاباً مبسوط الجناحين، يشبه النقش الموجود في معبد باخوس في بعلبك، غير ان عقاب نيحا يمسك بإحدى يديه بإكليل نباتي فيما يمسك بيده الاخرى بسعفة نخيل. تتجلى أهمية هذه النقوش، بأنها تظهر العبادات والطقوس التي كانت معتمدة في الموقع والتي ارتبطت بمسألة الولادة والنمو والموت والحياة الأخرى.

 وتجدر الاشارة إلى أنه وفي أعالي بلدة نيحا، وفي الموقع المعروف بـ "حصن نيحا"، ينتصب معبدان آخران من العصر الروماني، وهما لا يزالان يحافظان على خصائصهما.


محمية إهدن بالأبيض الناصع.

محمية إهدن بالأبيض الناصع.

في الطبيعة.

في الطبيعة.

قبلة سياحية بامتياز.

قبلة سياحية بامتياز.

معبد نيحا بقاعاً.

معبد نيحا بقاعاً.

جزء من المعبد.

جزء من المعبد.

مشروع "نيحاتا".

مشروع "نيحاتا".

هانئاً في الحرش.

هانئاً في الحرش.