تفاصيل الخبر

تجهيزات، أفلام ومنحوتات ترسم معالم الأزمة وأصولها في "مركز بيروت للفن"!

بقلم عبير انطون
23/06/2022
مركز بيروت للفن.

مركز بيروت للفن.

 

  من 22 حزيران (يونيو) الجاري وحتى الأول من تشرين الأول (اكتوبر) المقبل يقدم "مركز بيروت للفن" معرضين، واحد جماعي تحت عنوان "الغرامة المطبوعة" وآخر فردي تحت عنوان " تخيلات مصادرة" للفنان عمر المسمار. وفيما يتناول الأول النظام المصرفي اللبناني الحالي بطرق فنية مبتكرة، يتعلق الثاني بالفسيفساء في سوريا وما بقي منها.

فما هي هذه الطرق المبتكرة وكيف يمكن للفن أن يخلق مساحة مشتركة مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي  فينقله عبر وسائطه المتعددة، وما دخل قبرص في هذا الشأن؟

"الأفكار" استطلعت آفاق المعرض وعادت بكل التفاصيل.

    

 يأتي اختيار تيمة "الغرامة المطبوعة" للمعرض الفني كمجاز مرسل وفعّال للنظام الاقتصادي المزيف الذي عشناه، وانهياره، والآثار المترتبة عن محاولات إنعاشه. ويتوسط هذا المعرض مشروع "الإبريق المكسور" منطلقاً من سياقات الانهيار المالي الأخير في قبرص، ومكشّفاً عن خيوط عالمية متعددة. من هنا دعا "مركز بيروت للفن" مجموعة من الفنانين للاستجابة للواقع الاقتصادي اللبناني بالتحديد، بتركيز على الصراعات المشتركة بين هذين السياقين المتوسطيين، وما وراءهما.

و"الابريق المكسور" او The Broken Pitcher هو فيلم تعاون على انجازه كل من نتاشا صدر هاقيقيان، ومارينا كريستودوليدو وبيتر إراميان، وسوف يتوجهون به من بلد الى بلد واليوم الوجهة لهم هي لبنان، وهو عملّ يتحرى في قضية مصادرة أحد البنوك لمنزل يعود لعائلة قبرصية. وقد تم تصميم العمل وتنفيذه بشكل تعاوني مع فنانين وحرفيين مقيمين في قبرص، وقد عُرضت فيه أعمال فنية حديثة لكلّ من الفنانين، من خلال تعبير كل منهم كردة فعل لمشهد من الفيلم  يجري في غرفة اجتماعات في بنك في قبرص، في إعادة تمثيل للمفاوضات الحاسمة في البنك، والتي قضت بالحجز على منزل عائلة في قبرص، هي بالواقع عائلة احد الفنانين والذي اراد البنك ان يقفل حسابها. من هنا تم ارتجال المشاهد بالاعتماد على ما تتذكره العائلة، ويجيب عدد من الأشخاص في الفيلم، عن سؤال طرحه أحد الممثلين متوجهاً للكاميرا: "برأيكم، ما الذي يجب أن يفعله موظف البنك؟  

 في لبنان يستعيد المعرض هذا المشهد (كما يعرض الفيلم الاصلي كاملاً لمن يريد ان يشاهده) والذي ليس سوى مرآة لما يحصل في المصارف اللبنانية اليوم، وكيف ان الازمة الاقتصادية ادت الى تدهور في مختلف المؤسسات ومنها المؤسسات المصرفية، وسط حلول مقترحة  للازمة تدور في فلك ما يمكن وما لا يمكن فعله من دون الوصول الى معالجة واضحة. ولهذا الغرض تمت دعوة مجموعة كبيرة من الفنانين اللبنانيين للاجابة كل على طريقته الفنية عن هذا السؤال. اما عن الشبه بين الجانبين القبرصي واللبناني،  فيقول مسؤول التواصل في المعرض جوزيف كسرواني لـ"الأفكار" لا يمكن ان نكون كمركز فني الا موصولين بالواقع الذي نعيشه، وهو شبيه لما جرى في قبرص وكان وراداً ان نسميه "الابريق المكسور-  نسخة لبنان".  

يتوسع معرض "الغرامة المطبوعة" على هذه التيمات والمواضيع، عبر ١١ مساهمة فنيّة، منها ٧ مساهمات كُلّفت حديثاً، وبحسب بيان المركز "تحاور بشكل أكثر خصوصية الأزمة المالية في لبنان، ووقائعها المختلفة، وآثارها وتداعياتها وعاميّاتها. منذ أن فُرضت علينا الغرامة المطبوعة لحالتنا الاقتصادية قسراً، ومنذ أن مُنعنا التدقيق فيها في ٢٠١٩، حلّت الصفائح المعدنية محل الواجهات الزجاجية للمؤسسات المالية والمصارف اللبنانية. لكن الواجهات المعدنية سقطت، وتحطمت العتبات وكاميرات المراقبة وأجهزة الصراف الآلي".

من هنا تستعيد الأعمال في المعرض النظر إلى الماضي، الى اسباب الازمة وأبعادها وتستكشف الانتماءات الشخصية، وتكشف عن التغيرات المادية التي تكسو المؤسسات المالية والسيولة النقدية وتُعتمها. ويسبر المعرض أغوار علاقات القيمة المبنية على علاقات التبادل، وتشريح الطبعة الكبرى من "بلد في حالة انهيار" لفهم أعمق للجهات المستفيدة من هذا التشخيص والجهات التي تدفع ثمنه.

 لقد تم صنع غرفة البنك وأجزائها المختلفة في المعرض بالتعاون مع الفنانين رايسا أنجيلي، وستيليوس كالينيكو، وأوريستيس لازوراس، وفيصل مروة، ونايا سافا، وماريا تومازو، وإيميديو فاسكيز، وقد أشرف كلّ واحد منهم على جزء من الغرفة. وقد  أُنتجت نسخة بيروت من العمل محلياً "ليعكس المشروع بوضوح شديد كيف تعمل إجراءات التقشف واتفاقيات الإنقاذ والديون والتاريخ الاستعماري على بناء وترميز الهشاشة اليومية والعنف الخبيث والقلق الجذري".     

   فقد تمت اعادة بناء هذا المشهد بما يتلاءم والواقع اللبناني وكيف ان المصارف يمكن ان تفشل او تفرط بأي لحظة تماماً كمثل "الابريق المكسور" الذي مهما زودته بالماء فإنه سيبقى ينضح من دون علاج لمشكلة تسرب الماء منه. وقد تناول الفنانون الازمة الاقتصادية والمالية هذه كل من خلال رؤيته لها ومن خلال مواد ووسائل هو اختارها من الزجاج الى الباطون والنحت او الاداء التفاعلي او العرض الى غيرها من الوسائط الفنية.


كيف عبّر الفنانون؟

 من منطلق رسم المرحلة الحالية وتداعياتها، كانت عودة الى الماضي والتاريخ  وصولاً الى حاضر الازمة، بحيث تضع الفنانة  بترا سرحال بناء الاقتصاد السياسي اللبناني والسياسة النقدية في سياقاتها التاريخية لمرحلة ما بعد الاستقلال، فيما تكشف هيلين كازان عن الإرث الاستعماري في السيطرة على الموارد والأراضي في تجهيزها السينمائي، الذي يُرسي مفاهيم مجردة للأموال واحتساب المخاطر. أما كريستيل خضر، فتستحضر السياقات المرعبة للماضي في سردها للظروف المحيطة بسقوط بنك انترا عام ١٩٩٦، وتقدم في هذا الاطار تجهيزاً تفاعلياً تحت عنوان "من قتل يوسف بيدس؟"  يُسائل حركة توسّع النيوليبيراليّة عبر دورات الخيبات العاطفية، باحثًاً بواقع الانهيار الاقتصادي الحاصل في لبنان اليوم من خلال الظروف التي أحاطت بإفلاس "بنك إنترا" عام 1966.

 من جانبه، يعيد محمود الصفدي النظر في البعد البيئي للموروثات الاستخراجية في منحوتته الحيّة، حيث يكشف عن العلاقات المهيكلة بين الغذاء والأرض ورأس المال، في تماسها مع الأجساد المتناثرة والأساطير المنسية. اما كتابات كاري يونغ فتردد أصداء اللباقة اللغوية المؤسساتية وعنفها، في دورات الاقتصاد النيوليبرالي ومصطلحاته، مع ربطها بالعلاقات الرومانسية في أعمال كريستيل خضر. اما في أعمال فراس الحلاق وكريستيان زهر، فتلتقي كتلة الجسد بمادية الواجهات الرقمية والمعمارية التي تنظم العلاقات بين المؤسسات المصرفية والفرد. وأخيراً،  وفي سيرته الذاتية، يتعاون ليفي أورتا مع نوريا غويل لإعادة قراءة عملية بيع منزله العائلي الملعون واكتشاف كنز عديم القيمة في ظلّ التضخم والاحتمالات الثورية.


 تخيلات مصادرة...

اما المعرض الفردي تخيلات مصادرة في "كاليري 2" فهو الاول لعمر مسمار يقدم مجموعة أعمال حديثة للفنان، تشتمل على فيلم، وجهاز عرض، وسلسلة من الفسيفساء، وتتتبع طبقات التهجير عبر الأجساد، وسجلات الممتلكات والتراث الثقافي وأعمال الحفظ والترميم التي تحاول مقاومة الأضرار المنهجية الناتجة عن الحرب السورية. يتألف العمل المعنون نموذج أولي مشكوك فيه (A Dubious Prototype) (٢٠٢٠)، من ما يشبه مجموعة ملتفة تحمل المستندات الشفافة الزرقاء التي يمكن قراءتها فقط عندما يقوم الجهاز بتحريكها أمام المصباح الكهربائي. وتتخيل المخططات المرسومة باليد على هذه الأوراق، في مخيم للاجئين في سهل البقاع منازل في سوريا.

اما في دراسات في الفسيفساء (Studies in Mosaics Series) (٢٠١٩-٢٠٢٠)، فيوسع مسمار تفكيره في تمثيل الصراع وارتباطه بآليات الحفظ. هنا، تصبح الأوشام المنقولة في الحجر علامات مؤشرة وشعارات للمستقبل المتخيل. وتدخل رسالة  whatsapp في فسيفساءٍ متلاشية، بينما تُرصّع فسيفساء أخرى بالأشخاص الذين يحمونها ويحفظونها، ويُعدّل وميض الصور في فيلم حرب أبو فريد (٢٠٢١) ويرجع إليها لمحادثتها والبناء عليها عبر المحادثات.

 بالمحصلة يقترح المعرض، أن تكون الأشكال المنقولة للمنازل والتراث التي تحملها أيدي حفظتها شاهدةً على نجاتها، في وجه الدمار الذي لا رجعة منه.


السطح... ورشة

 الى ذلك يمكن لزائر "مركز بيروت للفن" ان يشاهد على سطح المركز مجموعة دائمة من المفروشات الخشبية التي نتجت عن ورشة نجارة للمبتدئين تمت بقيادة ساندي ليان، في ورشة عمل استمرت لمدة ٤ ايام وجمعت ٢٠ مشاركاً ومشاركة تحت إشراف ساندي وغابرييل عقيقي. أعاد فيها المشاركون والمشاركات استخدام ألواح خشبية من معارض سابقة أقيمت في المركز، لصنع مقاعد وأحواض نباتات وطاولات، وذلك بهدف تجهيز السطح للاستخدام العام وتحسينه ليصبح مكاناً أكثر رحابةً.  

  ويشار الى ان الرسوم التقنية لإنتاج هذه المفروشات متاحة للراغبين بصنعها بأنفسهم، وما عليهم سوى تحميل الملف الشارح عنها عبر موقع المركز الالكتروني.


ورشة النجارة على سطح المركز.

ورشة النجارة على سطح المركز.

"فاين برينت".

"فاين برينت".

تخيلات مصادرة.

تخيلات مصادرة.

بنك انترا.

بنك انترا.

من قتل يوسف بيدس؟

من قتل يوسف بيدس؟

تيمة الغرامة المطبوعة.

تيمة الغرامة المطبوعة.