تفاصيل الخبر

نوال كامل ورالف معتوق في"أوضة سعاد":هل الحيّ في لبنان أبقى من الميت؟

بقلم عبير أنطون
16/06/2022
رالف بدور "جاد"

رالف بدور "جاد"


 مسرحية اجتماعية جديدة حتى 15 الجاري يقدمها "مسرح بيريت" التابع لجامعة القديس يوسف في بيروت، بعنوان "أوضة سعاد" من تمثيل نوال كامل ورالف معتوق الذي كتب وأنتج المسرحية ومن إخراج مازن سعد الدين "متحدّين الظّروف الحالية التي يمرّ بها لبنان ومشددين على أنّ الثقافة هي العلاج الوحيد للحفاظ على هوية لبنان الفنية والثقافية". في الواقع إنها اكبر بكثير من "أوضة" مليئة بالأسرار ولا يجرؤ أحدٌ على دخولها: انها عالم بحد ذاته، لبناني بكل تأكيد، انما يلاقي أسرار الغرف في كل مكان، في كل بيت  او في كل مستشفى او"مشرحة" في هذا العالم. 

فماذا في المسرحية الجديدة والرسالة منها؟ كيف تم الاعداد لها؟ لماذا حصدت كل هذا التصفيق، وما علاقة النجمة الراحلة سلوى القطريب بها؟ 

مع "الأفكار" مختلف الأجوبة...

 "سعاد" (نوال كامل) سيدة في الخمسينات، هي احياناً في العشرين من عمرها وأحياناً هرمة تجاوزت المئة. تؤرجح المشاهد معها ما بين سنوات ومراحل وعوالم عديدة، الدفء فيها قليل، وكذلك الحب الذي قصفته الظروف، فجعلها تنساه لا بل من الافضل القول، تضعه خلفها. تعمل سعاد مسؤولة عن "مشرحة" او غرفة غسيل الموتى في أحد مستشفيات بيروت وهي من تهيئ الجثث لتجعلها في أفضل حال لملاقاة ربها.عملها اعتادت عليه، ما عاد يزعجها ولا يخيفها، التصقت به، لا بل صارت الغرفة عالمها الذي يحمل اسمها "أوضة سعاد".

المشرحة هذه هي غرفة أمان ايضاً. فيها تطمئن سعاد الى ولدها الوحيد "جاد" المصاب بالتوحد. بين الجدران الاربعة تخفيه عن الأعين والألسن والأذية والتنمر. هنا يلعب، يرسم، لتُقدم رسوماته في معرض تقيمه احدى سيدات المجتمع، وهنا يصنع الاساور والعقود. وحده العقد الذي تلبسه والدته من صنع يديه بكل فخر، يلوّن حياتها. البريق في عينيها، في نبرة صوتها، في حنوها على ابنها وخوفها عليه، يقول لك ان  نوال كامل هي ام هذا الشاب بجسم ولد. الى هذا الحد كانت صادقة في أدائها للدور.

عن الدور تقول نوال مع قبولها له: "دائماً ما أحب ان أتحدى نفسي فهذا ينشّطني، كما ان العمل مع الشباب يمد بالحيوية وبأسلوب جديد، هذا بغير المواضيع المهمة التي يطرحها العمل ويدور حول "سعاد" التي هي في الواقع  نموذج لسيدات كثيرات إذ انها تعمل لتعيش وتعيل ابنها، وهي تمر بظروف متقلبة خاصة وانها تعيش في لبنان. وتصف نوال "سعاد" بالسيدة المميزة المنطلقة، التي تحب الحياة لكنها مخنوقة بفعل واقعها...انطلاقتها هذه تشبه نوال نفسها في حياتها، فهي ايضاً تحب الحياة لكنها على خلاف سعاد لا تستسلم ولا تقبل بالواقع المفروض فرضاً.  

رالف ...المتوحّد 

رالف معتوق، اجاد لعب دور "جاد" في النص الذي كتبه بنفسه. حركات يديه، اصابعه المعقوفة الى الداخل  لمّا يتوتر، عيناه، تخبّطه، اقفاله لأذنيه عند سماع الصراخ، كريزة البكاء التي تنتابه عندما يزعل، جميعها يرصدها المشاهد عند طفل "التوحد". يساعد "جاد" والدته في ادخال سرير الميت وثم اخراجه ليأتي بغيره، وللأمر دلالته... لاجله وحده تعيش امه، فهو من مسؤوليتها. زوجها الكسول والذي تلقّبه بالـ"كونت" خارج مدار هذا العالم الصعب على كل عائلة فيها حالة توحّد. الرسالة هنا مباشرة لمن يهمه الامر، وبالطبع في لبنان الرسمي ليس من يهمه الامر كثيراً لمثل هذه الحالات. يعيدنا وضع "جاد" الى كل الاطفال المتوحدين في لبنان وصعوبات ايجاد المدارس او المراكز المتخصصة لهم. هم مسؤولية الاهل وحدهم، الا في حالات نادرة، وهذه ليست مسؤولية معنوية وحسب، انما تتطلب الكثير ايضاً من الرصيد المادي، ما يفاقم الازمة على الاهل والعائلة. وفي هذا السياق، فإن من يستمع الى معاناة اهالي الاطفال المصابين بالتوحد في لبنان، وبشكل خاص مع اقفال مراكزهم في فترة الحجر الصحي المرتبطة بكورونا، واليوم مع الازمة الاقتصادية وندرة المساعدات، يعرف أهمية لا بل اولوية استحضار هذه المسألة الشائكة بكل الوسائل والوسائط ومنها   المسرح كما فعل "جاد" تحديداً.

من جهته يعتبر رالف معتوق مؤلف النص ومنتجه "ان الإقدام على عمل مسرحي اليوم يدفع الى التروي، لكننا قررنا ان نخلق نحن فرصتنا، خاصة بغياب المنتجين المتخصصين في هذا المجال، وقد وقف الى جانبنا عديدون وساعدونا. ويضيف: العمل من فكرتي وتأليفي، وبما انه كذلك اردت ان اتحرى عن تفاصيله فتعرفت بالمصادفة الى "سعاد" الحقيقية وقضيت معها نهاراً في "أوضتها" حتى اكون بأمان عما اكتب حوله، وعشت تفاصيل يومها وكتبت العمل بشكل شخصي وخاص. اما العمل مع نوال كامل فاعتبره اضافة كبيرة لخبرتها وحبها للمسرح وقد اضافت على العمل في كل مراحل التحضير مباشرة او بشكل غير مباشر". 

مدلل وكسول...

 والممثلة نوال كامل ، تألقها ليس وليد الساعة. من زمان اثبتت هذه الممثلة الجريئة والنادرة القماشة تمثيلياً وانسانياً تميزها من دون ان تصل الى المرتبة التي تستحق. كسل منها ام ظروف ام "أزمة قشع" عند المنتجين ...لا نعرف بالتحديد. في بوحها العميق، كلامها الى الاموات ومعهم ، إفراجها عن مكنونات هذه النفس المكبوتة بفعل اعراف المجتمع وحالة الابن والمسؤولية الجسيمة نجدها صادقة معبرة. عيناها على المسرح تغرغران بالدموع لما تتحدث عن مآسيها المختلفة. مع بيت حميها ليست الامور على طبيعتها ، فعلاقتها بابنة الحمى تحديداً لم تكن على افضل ما يرام. الاخيرة لم تتزوج. ارادت ان تعيش التجربة من خلال الاسئلة المحرجة والحميمة التي كانت تطرحها على سعاد وما يفعلانه معا زوجها وهي. ومع زوجها حتى، ليست الأمور لا جنسياً ولا عائلياً على ما يرام، فهو كسول دلوع ارهقته العائلة بدلالها له "كأنو ما حدا جاب صبيان غيركم" تقول سعاد.. حتى من هم أبعد، فإنه بسببهم  تعيش سعاد في قلب الماساة. ولذاك النائب الزعيم الذي يأتي على السرير لتغسله قبل ان يلاقي ربه، تعيره وتصارحه بأنه لم ينتبه الى الناس ولا الذين انتخبوه، اثقلهم بالهموم، باهتمامه بالالقاب من دون ان يلبي ادنى طموحات شعبه ولا أدنى مقومات الحياة الاساسية. 

كوميديا سوداء...

مأساة سعاد في "اوضتها" وهي تغسل موتاها ذكوراً وإناثاً، فيها ما يحمل على البسمة ايضاً، بسمة سوداء، ساخرة من التقاليد والاعراف. حتى في حضرة الموت نحن منقسمون وكأن الله سبحانه تعالى يهتم بهذه الامور او "فارقة معو" كما تقول سعاد نفسها. هي لا تستطيع ان تغسل رجلاً مسلماً، تسأل شاباً اتاها ميتاً عن اسمه، وحينما لا تلقى الجواب تسميه "علي" لتكتشف بعد حين انها اخطأت فهو "الحج نقولا" ابن الطائفة الاورثوذكسية. اما تلك الصبية التي أتتها على سرير الموت ايضاً، فإن سعاد تُفجع بها، "ضيعان شبابها". تذكرها بنفسها وترى فيها ايام الشباب والتبرج والخدين المتوردين. تلتقط ادوات الزينة والماكياج لتزين الميتة "الشاحبة" فنرى سعاداً تضعه على وجهها وكأنها والصبية التي استشهدت اصبحتا واحداً. 

لماذا نقول استشهدت؟ لأنها الكلمة التي يدعى بها الضحايا بعد كل انفجار. انفجار نعرف عنه مع انطلاق المسرحية عبر اصوات سيارات الاسعاف وما تذيعه صبية حلوة عبر احدى وسائل الاعلام المرئية بأن انفجاراً وقع في بيروت، من دون ان يتم تحديد الزمان . فهو قد يكون في العام 1975 او 2005 او 2010 او 2023 حتى ...لا يهم...أيام اللبنانيين مع الانفجارات صديقة. ما نعرفه فقط ان انفجاراً وقع، حصد عشرين قتيلاً، نقل منهم الى هذه المستشفى "المسيحية" (نجد شخص السيدة العذراء والقديسين في احدى زوايا "اوضة سعاد") التي توظف مسلمات محجبات نتعرف اليهن من لباس احدى الممرضات.  

سيل من الجثث والقتلى اذا يتوافد الى المستشفى. لا تتركهم سعاد وشأنهم. لمّا يأتيها ابنها جاد بأحدهم على السرير تكشف عن وجهه، وبحسب جنس الميت وهيأته وعمره وموقعه وما يوحيه لها تحدث الميت او الميتة. تناقشهم احياناً ـ تجادلهم ، تعاتب الزعيم، تحدث الشابة عن الحب والعمر الذي راح ، تحكي مع الشاب الميت متوهمة انه يغازلها وانها ما زالت مرغوبة، ومن خلاله تتحدث عن الاصدقاء الذين كانت تتمنى ان تستقبلهم ليكونوا مع جاد فلا يخافون منه كما فعل اصحابه... تتحدث عن كل الابناء والى اي مدى هم امل اهلهم ووجعهم في الوقت عينه. في قرارة نفسها قد تتمنى سعاد الموت لكنها لا تستطيع ان تموت "ما بقدر موت" تقول بالفم الملآن، وستبقى قوية لان لها جاد ومسؤوليته، فإن هي رحلت عن هذه الدنيا فلن يجد من يتطلع به. انه دورها وعلة وجودها في هذه الحياة، والذي لا يهدأ عندما تنتابه ازمة البكاء الا على صوتها وهي تدندن له في كل مرة اغنية النجمة الراحلة سلوى القطريب "خدني معك على درب بعيدة"... صدق سلوى ينعجن بصدق سعاد في اغنية وحدها لها مفعول السحر على جاد المتوحد الذي تدخل اعماق قلبه فيرتاح بالذهاب الى "درب بعيدة... تدفئ ربيعه بشمس جديدة". 

يمكن القول نهاية إن الإخراج السلس والمعبّر وسط ديكور مختصر مفيد، والنص المحبوك جيداً للمسرحية التي تخبئ لسعاد وابنها جاد مفاجأة لم يكونا بانتظارها ونترك امر كشفها لمن سيحضر العرض، كانا كافيين لأن يجعل وقت العرض يمر سريعاً مكثّفاً من دون اي تطويل او حشو، ولو ان اصوات سيارات الاسعاف والاسرّة وشراشفها البيضاء التي تغطي الاموات، واطلاق الانين والصراخ والوجع للاحياء كما للاموات في لبنان بات طابقاً على انفسنا ونتمنى ان يبعدنا عنه المسرح الى عوالم اخرى فيها غير تلك المآسي، ولعل نوال ورالف يكونان بطلاها هذه المرة ايضاً!


نوال كامل بين رالف معتوق ومازن سعد الدين.

نوال كامل بين رالف معتوق ومازن سعد الدين.

نوال بدور "سعاد".

نوال بدور "سعاد".

مشهد مؤثر من المسرحية.

مشهد مؤثر من المسرحية.