تفاصيل الخبر

في مأوى جمعية كارما.
في مأوى جمعية كارما.
07/04/2021

ملاجئ للكلاب المشردة وتسفير للتبني الى خارج لبنان...


بقلم عبير انطون


دفء ورعاية وفرشات للنوم بعد تفاقم "كورونا" وبيوت للكلاب بحسب شخصياتها وحالتها النفسية والصحية!


 لم تقتصر تداعيات "كورونا" على البشر إنما طاولت الحيوان ايضاً، حيث شهد لبنان ارتفاعاً كبيراً في عدد القطط والكلاب المهجورة، بعد أن تخلى عنها أصحابها، إزاء خوفهم من تفشي الجائحة خصوصاً بعد رصد إصابة حيوانات بالفيروس، الأمر الذي أثار التساؤلات والمخاوف وأدى الى تضاعف الأعداد. وهذه الظاهرة التي لفّت بعض بلدان العالم ولم ينج لبنان منها، تجلّت بشكل كبير في شوارع العاصمة كما في خارجها إلا أن المحظوظ من هذه الكلاب، وجد الرعاية والأمان، كما في مأوى جمعية "كارما" في طرابلس، او في ملجأ المزارع حسين حمزة في الجنوب او في "ملجأ جبل لبنان للكلاب"، وجميعها تعمل تحت راية إيواء الكلاب ورعايتها والاهتمام بها .

 هذه الخطوة اللافتة في اكثر من منطقة لبنانية لاقت الاستحسان وأثنى العديدون عليها .. فكيف ولدت فكرة كل من هذه الملاجئ الثلاثة المختلفة والتي لها زميلات طبعاً في أكثر من منطقة اخرى؟ وما نوع الرعاية التي تقدمها؟ 

 التفاصيل في جعبة "الأفكار"...

 تحت شعار" كارما...من التشرد الى الأمان"، انبثقت شرارة المأوى في طرابلس. وبحسب زينب رزوق مطلقة الفكرة ومؤسسة جمعية "كارما" التي وضعت بين أهدافها الرفق بالحيوانات المشردة، انه قبل وخلال تفشي فيروس "كورونا"، عملت الجمعية على تأمين مأوى للحيوانات الضالة والأليفة وتوفير الغذاء المطلوب والعقاقير الطبية اللازمة. وبفضل مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً الفايسبوك، "سعينا لتأمين مأوى للكلاب الضالة من خلال منشورات نضعها على صفحاتنا لمن يرغب بإيوائها والاهتمام بها، إضافة إلى مساعدة أصحاب الكلاب الضائعة على إيجادها".

 وبحسب رزوق أيضاً، فإنه "منذ بدء الحجر الصحي ونشر بعض التقارير الإخبارية التي تنبئ بأن هناك إمكانية انتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان، تزايدت الاتصالات بنا عبر صفحتنا على الفايسبوك، وتهافت الناس لإبلاغنا والطلب منا بأن نأخذ كلابها، حتى لا يضطرّون للتخلي عنها في الشوارع. لقد تضاعف عدد الاتصالات وارتفعت الأرقام بطريقة مفزعة بشأن الحيوانات المتخلّى عنها، ما شكل كارثة حقيقة"، مضيفة : "إذا أراد الجميع التخلي عن حيواناتهم، فلن نتمكن من احتواء هذه الأزمة، لن نستطيع من الناحية المالية ومن ناحية الفضاء الذي نملكه، كل ذلك والدولة لا تساعدنا".


 أما المأوى التي عملت الجمعية على إقامته، فهذه تفاصيله: 

"لم يكن المكان موجوداً لايواء الكلاب المشردة الا ان صاحبة أرض تحب الحيوانات وتعتني بها، ساعدت جمعية "كارما" من خلال  قطعة ارض تملكها أجرتها لها بسعر مقبول، و"لو كان المبلغ مرتفعاً لكان من مستحيل ان نخطو هذه الخطوة" تؤكد زينب، مضيفة انهم استعانوا للتجهيز بمعدات من أخشاب وأسلاك وغير ذلك من المستلزمات المستعملة بأسعار زهيدة، وتولى المتطوعون بناء المأوى ومنازل الكلاب :"بدأنا مع الفريق الكبير من المتطوعين شباباً وصبايا بالمساعدة في جعل هذا المأوى للكلاب على افضل ما يكون، خاصة وان المتطوعين يشعرون بأنهم معنيون بهذه الارواح ويجعلون مصلحتها ربما اكثر من مصلحتهم الخاصة ...كنت احياناً احثهم على ترك المأوى والتوجه الى جامعاتهم واعمالهم"، تقول رزوق، مضيفة انهم سيجوا الارض بأيديهم، ولم يحتاجوا إلى الاستعانة بأي عامل من الخارج لتنظيم المكان وتشييد البيوت المختلفة.   

 الكلاب الـ 68 الموجودة حالياً، كانت جميعها مشردة في الشوارع وفي غالبيتها مريضة بغير الذين طلبوا للايواء في البيوت وجرى تبنّيهم في مختلف المناطق اللبنانية من البقاع الى الشمال والجنوب وعاليه، واللافت ان كل من تبنوا هذه الكلاب يُعلمون الجمعية دورياً عن احوالها ويطمئنونها عليها واحياناً ما يأتون بها لزيارة اخوتها من الكلاب وتمضية النهار مع البقية.


نفسيات...

بكثير من التقسيم المدروس تم فرز الكلاب، وتشرح مؤسسة الجمعية، انه تمّ تقسيم الارض الى ارجاء مختلفة، بحسب الكلاب وشخصياتها ونفسياتها، إذ لا يمكن جمع الكلاب الصغيرة مع  تلك الكبيرة، وإن دخل كلب جديد إلى المجموعة فلا يمكن دمجه للتو مع الكلاب الأخرى، قبل التعرف اليه واكتشاف شخصيته. فاذا كان عدائياً مثلاً، يكون له مكان معين فيما يتم جمع الكلاب القوية التي تسمى "ابو سنان" وغيرها من الكلاب الكبيرة الحجم والمتناسقة مع بعضها البعض، اما الكلاب ذات الشخصية الضعيفة فلها مكانها الخاص، ومعها يمكن وضع الكلاب الصغيرة والأليفة وهذه جميعها تحن على بعضها ولا يؤذي أحدها الآخر. إلى ذلك اضطرت الجمعية إلى ربط  بعض الكلاب خارج المأوى، علماً أنها تناهض أمراً مماثلاً، الا انها اضطرت لذلك مع كلاب عدائية جداً. كذلك،هناك منطقة خاصة بالكلاب المعدية وأخرى مخصصة  للكلاب المريضة، وهذا الفرز والتقسيم هو ما يجعل الامر اكثر استقراراً. 

المتطوعون في المأوى الطرابلسي هم حوالي الثلاثين، وهناك اشتراك شخصي كناية عن 10 آلاف ليرة لبنانية الا ان البعض يشترك بمبلغ اكبر ويدفعون من تلقاء انفسهم، بالإضافة إلى عدد من المساهمين بمبلغ شهري دائم يتراوح بين 100 ألف و150 ألف ليرة لبنانية، خاصة وان الجميع يعرف ان "الوضع المادي مش ولا بد"، الا ان الجمعية بحاجة للمساعدة خاصة لحالات طارئة او متقدمة كمثل ضربة سيارة لكلب ما، بحيث تكلف هذه حوالي  4 او 5 ملايين ليرة أحياناً للمستشفى وفي حال مماثلة يتم النشر وطلب المساعدة عبر الصفحة الخاصة على فايسبوك مع الكلفة والفاتورة فـ"نحصد أحياناً تجاوباً مقبولاً واحياناً مبالغ ضئيلة جداً خاصة وسط هذا الوضع الاقتصادي المزري وصعود الدولار، والناس لا يمكن لومها اصلاً".

 لاهتمام رزوق بالكلاب من خلال الرأفة والاعتناء بها أكثر من جانب. فهي تشعر بها معربة "انها ارواح مثلنا مثلها والكلاب تزعل وتدبرس وحتى تغار". فهي تخبر انها إذا ما دخلت ودللت احدهم اكثر من الاخر ترون الآخر حزيناً حتى انه يدمع، فكيف اذا ما كان في الشارع يضرب او يهان؟  كذلك، فإن الاهتمام بالحيوانات ينمي الشخصية ويحيي الانسانية فينا، داعية الجميع الى التطوع والى المساعدة في الجمعيات المختلفة إذ من الضروري تطويرمفهوم التطوع وهذا ما تسعى الي ترسيخه مع الشباب والصبايا، مع ايصال الرسالة بأنه علينا ان نشمر عن سواعدنا ونقوم بأنفسنا بالعمل من دون ان نلجأ لمن يقوم بالعمل عنا، "إذ علينا ان نساعد ونخدم من دون ان نمن بذلك على احد اذ انه من واجبنا ان نكون مفيدين لمجتمعنا".

 تطمح الجمعية الى التوسع والانتشار في كل المناطق اللبنانية ولا تكون فقط حكراً على مدينة طرابلس، فتحمي الكلاب وتؤمن رعايتها خوفاً من تعرضها للأذى، خاصة وان لبنان شهد حالات هزت الكثيرين كمثل التجربة ألأليمة في عام 2018 حين تعرضت الكلاب والتي يبلغ عددها 94 إلى عملية تسميم نتج عنها مقتل أكثر من 30 منها. كذلك تقوم كارما، كما غيرها العديد من الجمعيات التي تعنى بالرفق بالحيوان بحملات توعية لطلاب المدارس بهدف حثهم للاهتمام بالكلاب ومساعدتها.


وفي الجنوب...

وكما في طرابلس ، كذلك في جنوب لبنان. وتحت شعار "العطاء  دون مقابل مصدر سعادة"، انطلقت الرحلة مع المزارع الجنوبي حسين حمزة لما أنقذ منذ خمسة عشر عاماً كلباً ضالاً وكان له بمثابة الخطوة الأولى في طريق الرعاية والأيواء. فقد شعر بفرح كبير وأضحى هدفه المنشود جعل الحيوان رفيقه، مقرراً تكريس نفسه للحيوان، هو المعروف بوفائه لصاحبه أكثر من البشر حتى.

هذا الحب للحيوان، وضرورة الاهتمام به، اكتسبه حمزة من سفره الى المانيا، وعمله وسفره للخارج إذ يقول إنه يحب البيئة والطبيعة خاصة وانه يعمل في المجال الزراعي، وان سفره الى المانيا جعله يتعلم  الإنسانية والنظافة والدين الصحيح.. وبشكل خاص احترام الضعيف. 

الشعور بالرضا الذي غمر قلب حمزة، العازب الذي بلغ الخمسين من العمر، جعله يساعد الكلاب في جوار منزله وحتى انه يطلب ممن يمون عليهم من الأصدقاء تبنيها. ولما كبرت الحاجة الى ايواء عدد اكبر كان المأوى الذي اقامه في الجنوب، مع الاشارة الى ان  الملاجئ قليلة في جنوب لبنان لرعاية الكلاب الضالة، ويقدم الملجأ اليوم الرعاية لنحو 350 كلباً، والذي ينفق ابن الجنوب ما يدخل جيبه عليه، علماً انه يحتاج ما بين 7 كيلوغرامات الى 20 كيلوغراماً من الطعام الجاف يومياً لكلابه، يعينه في ذلك من يسميهم بـ"أهل الخير" الذين يتبرعون بالطعام الجاف. فأمر الطعام  فضلاً عن النفقات الكثيرة الاخرى،  بحاجة إلى ميزانية كبيرة حتى يستمر العمل، ويزداد الأمر صعوبة مع تفاقم الوضع الاقتصادي وزيادته سوءاً للاسف يوماً بعد يوم.


وجبل لبنان ...

 أما في جبل لبنان فقد أسست ميرا الهبر (29 سنة) "مأوى جبل لبنان للكلاب" رسمياً في العام 2018 وتم تسجيله في وزارة الزراعة. فقد تواصلت مع البلدية لتأمين قطعة أرض في مقابل اهتمامها بالمصاريف الخاصة بالكلاب وتم الانطلاق في المأوى الذي أسسته بـ 25 كلباً وكلبة، ووصل العدد الى 50 حالياً، يعاونها في تقديم الرعاية لهم عدد من المتطوعين، يراوح عددهم بين 6 أشخاص و15 شخصاً من شبان وشابات. كما يعاونهم 3 أطباء بيطريين في التلقيح وخدمات الطوارئ وإجراء العمليات. 

 ويتضمن المأوى غرفاً خاصة للكلاب مع فرشات للنوم، ويجري تأمين الطعام يومياً بقيمة تصل الى 300 ألف ليرة لبنانية، كما لا يغيب عن بال المأوى تأمين الطعام للكلاب الشاردة على الطرقات، والاهتمام بالكلاب المنتشرة بين عالية وبحمدون، اي بما يوازي 20 قرية، كما ان المتطوعين لا يترددون في تقديم المساعدة الى كلاب في مناطق بعيدة مثل عمشيت مثلاً، بالعمل على إنقاذها. 

 وميرا التي درست التسويق في جامعة القديس يوسف في بيروت كانت بدأت رحلتها في هذا المجال لما تبنت كلبة منذ 4 أعوام ونصف العام، شارحة انها تسلمتها في حالة مذرية وهي مصابة بطلق ناري بعد معاناتها مرضاً جلدياً، فعرضتها على طبيبة بيطرية، وأحضرتها إلى المنزل بعد تقديم العناية الطبية لها، على رغم معارضة أهلها الشديدة. ومن هنا بدأت رحلتها بالاهتمام بكلاب الشوارع التي تعرف أكثر بالكلاب الشاردة، وهي تؤكد أن هناك فئة قليلة من الكلاب تشكل خطراً على الناس وهي نادرة في لبنان وهي تلك المصابة بداء الكلب. 

وللمأوى الذي يهتم به شاب متفرغ يعمل نهاراً وحارساً ليلياً، حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، يتواصل عبرها مع جمعيات مماثلة في بريطانيا (لندن) وكندا (مونتريال وتورونتو) والولايات المتحدة (سياتل).  

وبدأت عمليات ترحيل كلاب للتبني من قبل مهتمين هناك. الا ان الجمعية تعاني من ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء، وتالياً ارتفاع كلفة تسفير الكلاب، لذا طلبت من الراغبين التبني تسديد مصاريف السفر، مع اشتراط تأمين مكان للكلب داخل المنزل، وتقديم نبذة عن وضعه في بيته الجديد. 

يذكر اخيراً انه في 16 آب (أغسطس) 2017 أقر مجلس النواب "قانون الرفق بالحيوانات" بعد نحو 9 سنوات من نضال قانوني خاضته جمعية "حيوانات لبنان" بالتعاون مع وزارة الزراعة.


العم محمود والعناية بالكلاب. العم محمود والعناية بالكلاب.
زينب والدلال للكلب المشرد زينب والدلال للكلب المشرد
في مزرعة حسين حمزة الجنوبية. في مزرعة حسين حمزة الجنوبية.