تفاصيل الخبر

الرسام البريطاني "توم يونغ" يجسّد أزمات لبنان على عملة "لولار" التي أطلقتها "الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد" بطريقة إبداعية

بقلم وردية بطرس
عملة 1 "لولار" تجسد ازمة سكة الحديد.

عملة 1 "لولار" تجسد ازمة سكة الحديد.


عندما يمتزج الفن والاقتصاد تكون النتيجة عملات ورقية تجسّد أزمات لبنان بطريقة فنية وإبداعية... هذه المرة استخدم الرسام البريطاني "توم يونغ" فنه وحبه للبنان فصاغت ريشته المشهد ضمن مجموعة لوحات تنوعت ما بين أزمة النفايات، وانقطاع الكهرباء وأزمة البنزين، وانفجار مرفأ بيروت وغيرها خلال حملة "عملة العمايل- مش فرق عملة" التي أطلقتها الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد (الفرع الوطني لمنظمة الشفافية الدولية). لقد صوّر "توم يونغ" معاناة اللبنانيين في ست لوحات حيث يرى أنه يمكن تحويل الأزمات الى لوحة جميلة نتشاركها مع الآخرين لكن الأهم في الفن هو نقله الحقيقة والواقع مهما كان صعباً وقاسياً.

وتضم لوحات الرسام "توم يونغ" مجموعة أظهرت الى جانب كرتيلات البنزين وبنك اللولار قطاراً على سكة، لكنه كما هو الحال في لبنان متوقف عن العمل منذ العام 1989، ومجموعة أخرى من اللوحات تجسّد معاناة اللبنانيين بدءاً من مشهد انفجار مرفأ بيروت الذي لا يزال راسخاً في ذهن الناس الذين عاشوا كارثة 4 آب (أغسطس) 2020، انتقالاً الى أزمة الكهرباء والاضطرار الى العودة الى زمن اضاءة الشمعة وصولاً الى ألسنة اللهب التي التهبت قسماً كبيراً من أحراج لبنان حيث وقفت الدولة عاجزة ولم تسارع الى اخماد النيران مع العلم أنها كانت قد دفعت 14 مليون دولار ثمن طوّافات للحالات الطارئة، كما جسّد في لوحة جبل النفايات التي أصبحت من يوميات اللبناني وكأنه يشتم رائحتها كلما مرّ بالقرب منها. وهكذا حاول "توم" أن يعكس معاناة اللبنانيين في مشروع فني مميز، حيث يعتبر أن  لوحاته تظهر الأوضاع السيئة والتعبير عن حالة رفضها مثل حرق الدواليب على الطرقات، لكنه بذلك يصل الى قلوب الناس المتألمة والنازفة ايماناً منه بأن الثقافة والفن هما ما يبقيان وينقلان الى الأجيال اللاحقة ما جرى في كل بلد وحضارة. 

تجدر الاشارة الى أن الجمعية لتعزيز الشفافية توجهت الى الناس لكي يطبعوا "عملة العمايل" – اللولار الآن وأن يدفعوا كل معاملاتهم وفواتيرهم فيها يوم الجمعة الواقع 13 أيار "مايو" قائلة: "خلونا كلنا نوقف بوج الفساد ونقلّن انو نحن #مش_فرق_عملة بهيدا النهار وكل الأيام".


الرسام "توم يونغ" وحبه للبنان 



"الأفكار" أجرت مقابلة مع الرسام البريطاني "توم يونغ" الذي يقيم في لبنان منذ سنوات ولا يفوت فرصة لاظهار حبه لهذا البلد من خلال أعماله الفنية فيستهل حديثه قائلاً:

كما ترين لوحاتي كلها تدور حول جمال لبنان والحفاظ على الذكريات الجميلة، والمباني التراثية الجميلة. مثلاً المعرض الذي نظمته في صوفر استقطب اللبنانيين من مختلف المناطق لزيارة فندق "صوفر" الذي بقي منسياً ومتروكاً منذ الحرب اللبنانية. وقبلها البيت الزهري في منطقة المنارة الذي عملت على اعادة الحياة اليه، وصولاً الى حمّام صيدا الجديد في صيدا القديمة حيث زيّنت غرف وجدران الحمّام وغيرها من المشاريع التي أحببت العمل بها نظراً لحبي لهذا البلد. أشعر بنوع من السلام والروحانية وأنا أرسم جبال لبنان، وأشجار الصنوبر، والسماء، والبحر، والبيوت التراثية...


مشروع جديد من نوعه


* لماذا أردت المشاركة في مشروع أطلقته الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد؟

- أعتقد أن هذا المشروع اتجاه جديد بالنسبة الي. لقد أردت المشاركة في هذا المشروع لأنني أحب لبنان كثيراً. طبعاً أشعر بالقلق عندما أرى هذا البلد يمر بظروف صعبة ويعاني أهله كثيراً، وبالتالي لا أستطيع أن أتجاهل معاناة اللبنانيين لهذا أجسّد ذلك في لوحاتي. لذلك عندما دُعيت من قبل 

"LTA" الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد الذي شارك فيه فريق تصميم رائع، ومنحت الحرية في ابتكار الأفكار للوحات التي رسمتها على العملات الورقية، حيث كل عملة ورقية تدور حول أزمة كبيرة في لبنان. ولا شك أن أزمة الدولار في لبنان أرهقت اللبنانيين كثيراً، حيث أخذت أموالهم منهم ولم يعد بامكانهم الحصول على الدولارات بعدما انهارت المصارف اللبنانية. ولقد تم اطلاق حملة "عملة العمايل" منذ أيام حيث كُتب على العملة الورقية: عملة الفساد، فكل عملة ورقية في العالم تظهر ما هو جيد في بلدها ودولتها ولكن للأسف ما يحصل في لبنان من فساد تم تجسيده على العملات الورقية التي رسمتها بريشتي، لهذا كان الهدف من هذا المشروع نشر الوعي والقاء الضوء على ما يحدث في لبنان بطريقة فنية ابداعية. فهذا العمل الفني يعرض كل أزمة من أزمات لبنان سواء في التاريخ المعاصر والسنوات المقبلة حيث سيكون مشروع قيّم للغاية لأن هذا ما تبقى لنا. لأن ما نتذكره من حضارات مرت عبر التاريخ هو من خلال الثقافة والفنون فلولا الفنون لما عرفنا الكثير من الأحداث التي مرت عبر الزمن.

وأضاف:

- كل العملات الورقية في العالم تبرز أشياء جميلة من بلدانها ولكن للأسف العملة التي تم اطلاقها خلال حملة "عملة العمايل" هي أول عملة تظهر ما هو سيء في البلد لأنها عملة الفساد. فما يفعله النظام وأهل السلطة بلبنان جلب الخراب لهذا البلد. من هنا أردنا تسليط الضوء على ما يحدث بطريقة فنية ابداعية. وبالنسبة الينا فهو مشروع ذو قيمة، واذا كان هناك عدد كاف من العملات المطبوعة فربما من يدري تصبح "اللولارات" عملة جديدة وربما يكون ذلك استثنائياً وفريداً من نوعه اقتصادياً وفنياً، حيث يلتقي الفن بالتجربة الاقتصادية. الفكرة من ذلك أيضاً التعاطف مع اللبنانيين الذين يعانون من أزمة الدولار لأن هذا العمل الفني ليس مجرد ملاذ جميل. فالفن ليس فقط لنقل الجمال بل ليلعب دوراً بنقل الحقيقة، وفي الواقع هو يعكس الحقيقة حول ما يحدث في المجتمع وعدم تجاهله.


أزمات لبنان على عملة "لولار": أزمة الكهرباء، وحرائق الغابات، وانفجار مرفأ بيروت... 


* هلا شرحت لنا كيف اخترت المواضيع والأزمات لترسمها على عملة "لولار" التي أطلقت منذ أيام؟

- كما ذكرت أنه لكل فئة من عملة "لولار" رسمت عن أزمة يعاني منها لبنان. ونبدأ بالعملة الورقية من فئة 1 "لولار" حيث جسّدت الفشل التام لنظام النقل العام في لبنان عبر رسم سكة حديدية لا تعمل منذ الحرب اللبنانية، لتبيان ما حصل لهذا القطاع في لبنان نظراً للدمار الذي ألحق بالقطارات في هذا البلد من دمار واهمال وهدر ما أدى الى أزمة سير خانقة نظراً لاستخدام الناس سياراتهم للتنقل بعدما توقفت سكك الحديد عن العمل. وعلى عملة من فئة 5 "لولار" رسمت أزمة الوقود في لبنان، فجميعنا رأينا ما حدث في الصيف الماضي حيث عانى الناس من ازدحام مروري، فناموا داخل سياراتهم وكانوا يتعاركون مع بعضهم البعض في محطات الوقود بسبب مافيا الوقود المرتبطة بالطبقة السياسية حيث عانى اللبنانيون من القهر والاذلال نتيجة هذه الأزمة الكبيرة.

وتابع:

- وعلى عملة من فئة 10 "لولار" رسمت عن أزمة النفايات في لبنان والتي هي مرتبطة أيضاً بالفساد والطبقة السياسية التي كانت قد تفاقمت في العام 2015، ولكنها للأسف استمرت حتى اليوم ولم تُحل أزمة النفايات. وعلى عملة من فئة 20 "لولار" رسمت حرائق الغابات التي وقعت في العام 2019، حيث كان مشهداً مؤلماً جداً أن نرى كيف ألحق الضرر بالطبيعة حيث لم يتم استثمار المعدات التي كانت قد اشترتها الدولة لمكافحة الحرائق مما أدى الى خسائر كبيرة في أحراج لبنان، مع العلم أنه ألحق الضرر بالجبال في لبنان ولكنني اخترت الغابات لأنه خسرنا مساحات خضراء... وعملة من فئة 50 "لولار" عن أزمة الكهرباء وتمضية الناس أوقاتهم على ضوء الشموع، لذلك رسمت منظر من نافذة تظهر منطقة الذوق ومدينة بيروت في الخلفية مظلمة بلا أضواء ورسمت في مقدمة اللوحة شمعة التي اعتبرها نوع من التعاطف مع الناس من خلال الصلاة، بالنسبة الي فاضاءة الشموع تدل عندما نشعر بالحزن أننا بحاجة لنصلي ونطلب أن تتحسن الأمور.

وأضاف:

- نأتي الى العملة الورقية من فئة 100 "لولار" حيث رسمت انفجار مرفأ بيروت الذي كان من أكثر اللحظات التي ظهر فيها فشل السلطة والفعل الاجرامي وفساد النظام في البلد. طبعاً على الصعيد الشخصي لم أرغب أن أرسم لحظات مرعبة وصعبة عاشها اللبنانيون الا من أجل المشروع الذي وافقت عليه لأنه ليس رائعاً بالنسبة الي كفنان بل لأنني أحب لبنان. ويوم الجمعة بتاريخ 13 أيار "مايو" ستُطرح عملة "لولار" في "ATM" حيث نسميه يوم "لولار" الوطني، وسيلقى الأمر اهتمام المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وسيتجولون في بيروت محاولين استخدامها في "اي تي ام" واستخدامها في المتاجر وأماكن مختلفة، وهذا كله يأتي كردة فعل مرة أخرى للضغط على الذين يتحكمون بأموال الناس ونشر الوعي لكي يفكروا ملياً قبل الادلاء بأصواتهم ويعرفوا لمن يقترعون بعد كل هذه الأزمات في لبنان.


أعيش معاناة اللبنانيين


* الى أي مدى تشعر أن لبنان ليس مجرد مكان تقيم فيه بل تقدم له حبك من خلال لوحاتك والآن مع العملات الورقية التي جسّدت في كل منها أزمة طالت الناس والبلد؟

- أحب لبنان الذي أعيش فيه منذ سنوات وأتعايش مع مشاكله وأزماته، وهذه اللوحات هي نتيجة تجربة مباشرة. فكل المشاريع والأعمال الفنية التي أقوم بها نابعة من شعور حقيقي والتعاطف مع الناس، لأنني أعيش هنا على الرغم من أنني خسرت أموالي بسبب انهيار البنوك والمعاناة التي يمر بها اللبنانيون وأعيش مشاكلهم وهمومهم من انقطاع الكهرباء وأزمة البنزين وغيرها من المشاكل التي ترهق المواطنين اينما كانوا، وأفضل القول اننا نعيش هذه الظروف فلا مكان لكلمة أنا وانت بل نحن.


* هل تود العيش هنا دائماً أم تخطط للمغادرة لا سيما في ظل الأزمات التي يمر بها البلد؟

- أرغب في البقاء في لبنان اذا كان بامكاني ذلك، أعني اذا لم يكن هناك مشكلة بما يتعلق بالحصول على اقامة لذلك آمل أن أبقى لأنني أحب لبنان.


عودة النشاط الثقافي والفني في لبنان دليل على صمود هذا البلد 


* وكيف ترى عودة النشاط الثقافي الى الحياة مرة أخرى على الرغم من الأزمات في البلد؟ وهل تعتقد أن لبنان سيتغلب على مشاكله ليستعيد دوره ومكانته في مجال الثقافة والفنون؟

- بالفعل نلمس عودة النشاط الثقافي الى الحياة في لبنان، فهناك حركة ثقافية من حيث اقامة المعارض والنشاطات الثقافية. وأعتقد أن ذلك مرتبط جزئياً من خلال المعاناة التي تؤدي الى ردة فعل، فحتى في ظل الأزمات نرى ابداعاً في المجال الفني والثقافي وهذا أمر مذهل. أرى أن مشروع "لولار" هو مثال على ذلك ما يجعل لبنان بلداً فريداً اذ لا يحصل ذلك في أي مكان في العالم الا هنا بسبب المزج بين المعاناة والحرية والابداع، فهناك أشخاص أذكياء وشجعان يقترحون أفكاراً مبدعة مثل الدكتور مصباح مجذوب وفريق العمل حيث يتحلون بالذكاء والشجاعة للقيام بهذا المشروع المميز.

 


الرسام البريطاني "توم يونغ" خلال معرض "لولار".

الرسام البريطاني "توم يونغ" خلال معرض "لولار".

عملة 10 "لولار" تجسد ازمة النفايات.

عملة 10 "لولار" تجسد ازمة النفايات.

حرائق الغابات تجسدها عملة 20 "لولار".

حرائق الغابات تجسدها عملة 20 "لولار".

20 "لولار" خلال المعرض.

20 "لولار" خلال المعرض.

العتمة تجسدها 50 "لولار".

العتمة تجسدها 50 "لولار".

100 "لولار" تجسد انفجار المرفأ.

100 "لولار" تجسد انفجار المرفأ.

لوحة ازمة البنزين.

لوحة ازمة البنزين.

لوحة ازمة النفايات.

لوحة ازمة النفايات.

لوحة القطار المهمل.

لوحة القطار المهمل.