تفاصيل الخبر

مدينة جبيل اللبنانية.
مدينة جبيل اللبنانية.
31/03/2021

المصور وائل لادقي في سلسلة صور لـ"وجوه مصرية": رأيته في "الأقصر" بالعباءة والعمامة فردني الى طفولتي و"ليالي الحلمية"!


بقلم عبير أنطون


 مسيرة طويلة بدأها وائل لادقي في فن التصوير الذي شغف به منذ أهداه جاره المصور الصحفي كاميرا كانت له صديقة الطفولة وأضحت فيما بعد رفيقة العمر. خاض مجالات عدة في تصوير الأحداث والاغتيالات والانفجارات والحروب في لبنان وخارجه. وعلى جبهة نجوم الفن والتمثيل، تعامل مع الأبرز.

 وائل اليوم في قاطع آخر، قريب من الطبيعة وجمالاتها، والسياحة وأوجهها، يقيم في دبي بعيداً عن شارع الحمرا حيث نشأ، وعن البلد الذي له في كل زاوية فيه لقطة وذكرى. متاعب المهنة، لم تقتصر على ما يعرفه المصورون عامة، وقد وصلت به الأمور الى استدعائه من المحكمة الدولية التي انشئت للتحقيق في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، من زاوية "شاهد الزور" هسام هسام، كذلك فقد استدعي في تحقيقات اخرى. فهل هذا الجو هو الذي دفعه لمغادرة البلد، والعمل في مجال التصوير السياحي؟ ولماذا عرفت الصور التي التقطها في مصر كل هذا الثناء على عمل متميز، وما الذي يرميه من خلالها؟

في لقاء "الأفكار" مع وائل لادقي حديث صريح وشفاف بدأناه بالسؤال:  

 -لقد تميزت مسيرتك بأنها متنوعة وشملت أكثر من مجال. كيف يمكن اختصار أبرز هذه المحطات؟

 لقد بدأت بالتصوير الصحفي بشكل محترف في العام 1997 في جريدة الشرق انتقلت من بعدها الى جريدة السفير، كما عملت في عدة وكالات أجنبية منها رويترز، بلومبرغ، ووكالة الصحافة الفرنسية، كما عملت في تلفزيونات عدة في مجال الإعلانات والبرامج والتواصل الاجتماعي، واشتغلت ايضاً مع الاعلاميين والنجوم والفنانين في مختلف انحاء الوطن العربي من خلال  برامجهم وأغلفة إصداراتهم وجلسات تصويرهم. وبحكم عملي، فقد زرت أكثر من بلد وكانت لي تغطيات ميدانية للحروب والأحداث والاحتجاجات والتظاهرات، وبينها طبعاً حرب تموز 2006 في جنوب لبنان حيث بقيت لـ 33 يوماً في الجنوب، الى أن غادرت لبنان في العام 2011 بحكم العمل أيضاً وانتقلت للعمل في مجال التصوير السياحي في العام 2016. وقد أخذت فرصة استراحة من الصحافة والسياسة والتغطيات.

- هل هو تصوير سياحي لجهة معينة، بلد معين؟ 

   هي لشركة سياحية عالمية تعتبر من ثاني أكبر الشركات السياحية في العالم وتملك طاقماً من الطائرات والأوتيلات ومكاتب في كل دول العالم تقريباً، وأنا مصور معتمد لهذه الشركة في مجال الدعاية السياحية. تعرفون أن الصورة باتت خاصة في عصرنا الحاضر، أبلغ من أي كلام. 

- بغير حرب تموز، أين غطيت خارج لبنان ؟

 أفغانستان، العراق، سوريا وغيرها العديد، ولطالما كنت حيثما نادتني المهنة أو طلبته مني المؤسسة. 

- نفقد الكثير من الصَحفيين والمصورين الصحفيين من حول العالم . هل سبق وتعرضت لخطر الموت؟ 

  نحن عادة في الواجهة حتى في أبسط المواضيع، وفي التظاهرات والاحتجاجات وما يسمونه بـ"أحداث الشغب"، نكون بين المتظاهرين والقوى الأمنية و"مناكل نص القتلة". عندما نقرر أن نحمل كاميرا هناك ضريبة ندفعها تماماً كما العسكري الذي يحمل سلاحه ليدافع عن وطنه. شعرت بخطر قريب جداً أثناء حرب تموز لأننا كنا نخرج لأكثر من مرة في اليوم والقصف كان غزيراً، والموت على مسافة ثوان منا. في ظروف مماثلة نحاول أن نحمي أنفسنا، ونأخذ الاحتياطات اللازمة، لأن الروح عزيزة. نحن المصورين عندنا رسالة وهي أن ننقل الصورة ولا نتمنى أن نكون الصورة، أو أن يستشهد أو يصاب أحدنا. كذلك فإن الأصعب هي التغطيات التي تكون خارج بلدنا فلا نعرف الطرقات والمخابئ وكيف نحمي أنفسنا كما لو كنا في بلدنا.  

- لقد عملت في وكالات عالمية. هل لمست نوعاً من التوجيه للصورة، بمعنى هل يُطلب منكم التركيز على أمر معين وغض النظر عن آخر؟

 لا إعلام محايداً أو موضوعياً مئة في المئة في العالم كله، وما من إعلام لا يتقاضى من دولة أو جهة سياسية أو طرف ما. طبعاً لا يكون ذلك بشكل مباشر وصريح وواضح إنما من ضمن السياسة الموضوعة والتوجه العام للمؤسسة الاعلامية. حتى الوكالات العالمية فإن بعض المواضيع لا "تحملها"، وصارت معي. هل تذكرون هسام هسام الشاهد في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ كنت أنا من كشف صورته. فقد كنت أرتب أرشيفي ووقعت على صورته وكنت التقطتها يوم اغتيال جورج حاوي (الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني اغتيل بتفجير عبوة ناسفة بسيارته في منطقة وطى المصيطبة في بيروت بتاريخ 21 يونيو 2005). وأنا أراجع الصور عرفت أنه هو، وكان وقتها انتقل الى سوريا وأعلن من هناك في مؤتمر صحافي أنه أجبر بالتهديد على الإدلاء بإفادته أمام محققي الأمم المتحدة. اتجهت بالصورة لإحدى كبريات الوكالات غير اللبنانية، فأعرضت عن نشرها، ولم تقم بذلك إلا بعد أن توجهت بها الى موقع إيلاف الذي نشرها حينها، وعرفت الصورة ضجة كبيرة، وإثر ذلك تم استدعائي الى المحكمة الدولية. أحياناً تكون هناك حسابات سياسية تبقى الوكالة، حتى الدولية، بغنى عنها. 

 - وفي المحكمة، ما الذي جرى؟

 ذهبت إليها كشاهد، وسألوني عن الصور وكيف صودف أنني التقطت صورة هسام يوم اغتيال حاوي. كذلك، وبمحض المصادفة، كنت ايضاً أول المصورين الواصلين الى مكان انفجار المدينة الصناعية في الدكوانة وكنا حينها نصور برنامج "مايسترو" مع نيشان في مكان قريب، وهنا أيضاً تم التحقيق معي وكيف أنني وصلت قبل القوى الأمنية حتى، وكيف عرفت بالانفجار الى ما هنالك ...  في ميدان عملنا نتعرض لأمور كثيرة.. 

- انتقالك الى التصوير السياحي، هل كان عن تصور وتصميم وتعب من المهنة أم من خلال فرصة وعرض جيد؟

 انتقالي من لبنان الى الإمارات كان هو الأصعب، وليس الانتقال من مجال الى آخر. فأنا ابن بيروت، وابن لبنان الذي أحبه والذي لكثرة ما جلت  فيه بحكم عملي صار لي بكل معنى الكلمة في كل ضيعة بيت. كان صعباً عليّ أن أنشطر عن "الحمرا" وكل زاوية في المدينة أعرفها، فنحن أولاد ذكرياتنا وثقافتنا ويومياتنا...كذلك فإن الصحافة تغيرت،علماً أن الصحافيين اللبنانيين هم رواد ومؤسسون، وكذلك الحرية الصحافية لم تعد في أفضل أحوالها، او ربما نحن كبرنا وما عدنا نحتمل.. لا أدري. بدأت أشعر بالملل، وأردت تحدياً جديداً في حياتي وكان العرض في التصوير السياحي، مع ما يتطلبه من خبرة في المجال، فعملت على نفسي وطورت قدراتي وتقنياتي، ووضعت قبلة عيني التنوع الثقافي الذي سأدخله بحكم السفر والتعرف على ناس جدد وأماكن جديدة حتى وصلت الى بلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية والى مختلف أصقاع العالم. ولا أخفي هنا، بأن الروبورتاج الذي أحبه والذي عملت عليه في بعض البرامج، ساهم في أن أتميز بالنسبة للشركة لأن مشاهد الطبيعة الجميلة مهما كانت جاذبة، فإنها تضحي مملة من دون "تاتش" معين . هذا النفس الـ"روبورتاجي" الآتي مما تعلمته في الصحافة متزاوجاً مع التقنية الجديدة في السياحة شكل نكهة حلوة لي في العمل السياحي. 

أوعا..كوبا! 

- أي بلد زرته وفاجأك بناحية أو بأخرى؟ 

 كوبا. ما فاجأني فيها، وهذا ما كتبته في أحد التعليقات أن من يجب غيفارا وكاسترو ويريد أن يبقى على حبه لهما، أنصحه بألا يزور كوبا. فيها سيصدم. فمن المفروض أن غيفارا مات حتى لا يرى فقيراً في العالم، تجدون له ساحة يتوسطها تمثال بملايين الدولارات ومن حوله الناس تعيش في بيوت من التنك. ولا اعتقد أن غيفارا لو كان حياً لكان قبل بذلك، إلا أن الشعب الكوبي من أجمل الشعوب، مسالم، متواضع، يحب الحياة وجاهز للمساعدة رغم فقره. 

- بعد كوبا نسألك عن مصر، والوجوه المصرية التي تميزتَ بها. أين التقطت تلك الصور وفي أية مناطق؟

 كما كثيرون منا، لقد كبرنا في لبنان على الأفلام والمسلسلات المصرية والتي تنطبع وجوهها في الذاكرة من دون ان ننتبه لذلك. لقد سبق وزرت مصر أكثر من مرة من أجل العمل لكن في رحلات خاطفة. بحكم عملي الجديد "لفّيت" مصر من أقصاها الى أقصاها، بما في ذلك مرسى علم وأسوان والنوبة وشرم الشيخ والغردقة والإسكندرية والقاهرة، حتى إنني وصلت إلى القبائل التي تعيش على الحدود.

 وبين الصور التي حركت فيّ الذاكرة تلك التي التقطتها لرجل مصري، يعمل جزاراً (لحاماً) يلبس الجلابية، يحمل الشيشة في يده والى جانبه قطة وكتب خلفه بلغة عربية غير سليمة قول الإمام علي: "سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري

سأصبر حتى ينظر الرحمن في أمري

سأصبر حتى يعلم الصبر

أني صبرت على شيء أمرّ من الصبر". 

  لقد كنت جالساً في أحد المقاهي أشرب الشاي في منطقة الأقصر، ولما رأيته قفزت الى ذاكرتي صورة صلاح السعدني في مسلسل "ليالي الحلمية" وكأن الصورة هي نفسها . تعابير وجهه، عباءته، العمامة على رأسه، وكأنه مشهد من "ليالي الحلمية" ردني الى الطفولة بوضوح. كنا نعتقد أن أناس تلك الحقبة بلباسهم ووجوههم ما عادوا موجودين وأن المرحلة برموزها اندثرت وتبين لي أن هذا ليس صحيحاً ولا تزال في مصر الكثير من تلك الشخصيات والوجوه، والتي في تصويري لها أوثق "الوجه الحقيقي" لأهل البلد بعفويتهم وصدقهم. هي لحظات "قد تختفي في ظل الحداثة المتسارعة" وأعتبر هذه الصور تكريماً لشعب مصر الكريم والصادق واللطيف فطرياً.

- تلتقط هذه الوجوه بالأسود والأبيض. لماذا ؟

 المشاهد الطبيعية حلوة بالألوان، تعطيها رونقاً وجمالاً أكبر. إلا أنه في الوجوه فإن الأسود والأبيض يجعلك تركزين على التعابير،على العيون، في عملية تأليف الصورة. هذان اللونان يسمحان للعين بالتركيز على التفاصيل والتقاط لحظة عميقة. برأيي فإن التعابير والعفوية عند الناس تترجم أفضل بأشواط عندما تكون بالأسود والأبيض.

  - صورت الكثير من النجوم، مصريين عرباً ولبنانيين . كيف كان التعامل مع النجوم ؟ 

 يختلفون باختلاف شخصياتهم. هناك مثلاً أحد الفنانين المعروفين جداً والمفترض أنه فنان شعبي وقريب من الناس"توّبت" على التعامل معه. في حين أن آخرين تكوّن لك عنهم فكرة معينة كالمزاجية مثلاً، فتجدينهم بمنتهى الطيبة والعفوية والاحترام، بينهم مثلاً جورج وسوف "سلطان الطرب". 

- ماذا عن السياسيين، هل تترجم صورك موقفك منهم، كمثل ما تختار لهم الصحف والمواقع والشاشات من صور تبعاً لمواقفها منهم ؟

 كوني حيادياً الى أبعد الحدود، وألحق بـ"القفشة" المميزة، كمثل الصورة التي التقطتها في هذا الإطار  لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وزوجته ستريدا تمسح العرق عن جبينه. هذا ما يطمح إليه المصور المحترف، وهنا أتذكر مثلاً اللقطة المميزة  للزميل حسين بيضون للرئيس سعد الحريري يقضم أظافره. هذه قفشات، قد تشكل بصمة في الصحافة الأجنبية ويتم الثناء عليها، بينما لا يتقبلها الكثيرون عندنا. هل تذكرون صورة "أوباما" حين كان رئيساً في البيت الابيض رافعاً رجليه على الطاولة؟ في البلاد العربية لا يتقبلون ذلك، وهذا ما حدا بالكثير من السياسيين للاسف الى أن يختاروا مصورين خاصين بهم ويمنعون المصورين الباقين من ذلك، بعكس الوكالات الغربية. نحن ما زلنا في إطار الصورة التقليدية، قف إقفل أزرار سترتك، صافح... وصوّر يا مصور!

السوق في مراكش المغربية . السوق في مراكش المغربية .
سانتاكلارا الكوبية . سانتاكلارا الكوبية .
شاطىء بيروت. شاطىء بيروت.
كوبا. كوبا.
من آثار العدوان الاسرائيلي على لبنان. من آثار العدوان الاسرائيلي على لبنان.
من حرب العراق . من حرب العراق .
من حرب تموز 2006. من حرب تموز 2006.
من مالي الافريقية . من مالي الافريقية .
وائل لادقي أنا حيادي الى أبعد الحدود وألحق بالقفشة المميزة. وائل لادقي أنا حيادي الى أبعد الحدود وألحق بالقفشة المميزة.