تفاصيل الخبر

الصورة التي اختارتها الـناسا.
الصورة التي اختارتها الـناسا.
24/03/2021

لبناني في الـ"ناسا" من بوابة صوره الفلكية المدهشة ...


بقلم عبير أنطون

المصور وسام أيوب لـ"الأفكار": ذاك المساء رأيت آلاف النجوم تتلألأ فأدركت حينها أنني بصدد التقاط صورة لا مثيل لها!

 

 مدهشة فعلاً هي تلك الصور التي يلتقطها المصور وسام أيوب عن السدم والكواكب والمجرات فتحملنا الى خارج الارض التي أنهكها أهلها. مستلاً معداته وناصباً عينيه صوب الأعلى اقتحم المصور اللبناني الفضاء بصوره، ووكالة الفضاء الأميركية تكرمه للمرة الثانية من خلال اختيار إحدى صوره في الثاني عشر من شهر آذار(مارس) الجاري من ضمن "صورة اليوم" على موقعها الالكتروني الرسمي وهي تظهر واحدة من ألمع المجرات في مشهد مذهل فعلاً، والمعروف ان الـ"ناسا" تتوج بشكل يومي، أفضل مصوري السدم والمجرات والكواكب، من خلال اختيار أفضل صورة وعرضها على موقعها الرسمي. كذلك، وفي 17  تشرين الاول (أكتوبر) الماضي، كان وسام نجح لأول مرة في حفر اسمه على اللائحة الدولية ايضاً في صورة استثنائية. 

فكيف وصل وسام أيوب الى ذاك المقام الرفيع تصويرياً حتى حصد الاعجاب الدولي، وكيف وأين يلتقط صوره؟ 

 الشغف الفضائي لم يكن مترسخاً لدى وسام أيوب ولا هو يدخل في مجال اختصاصه، فقد تعلمه بجهد شخصي عبر الانترنت بعد أن لعبت المصادفة دورها، إذ كان في معرض تصفحه لصور ترسلها المركبة "فوياجر 1" عبر موقع "ناسا"، فانجذب للصور الهائلة للتليسكوب هابل الذي "أوقعه في حب الفضاء"، وتلسكوب "هابل" مرصد فضائي أُطلق إلى الفضاء عام 1990، ويدور منذ ذلك الحين حول الأرض، ليمد الفلكيين بأوضح وأفضل صور للفضاء، وقد حظي المرصد بهذا الاسم نسبة للعالم الفلكي إدوين هابل.

 "لقد كان لـ "هابل" الفضل في ذلك"، يقول وسام. ومنذ ذلك الحين راح يفكر أن عليه أن يجرب بنفسه، فانطلقت الرحلة الى ذاك العالم الرائع الذي يتطلب الكثير من الصبر، لأنه "يتطلب وقتاً طويلاً من الترقب والانتظار للحصول على اللقطة المناسبة. حينها، يتملك المصور شعور لا يوصف"، يقول وسام ويشرح:

"عندما التقطت أول صورة فضائية شعرت أن الزمن توقف، لا يمكن أن تتخيل الشعور عندما ترى الفضاء بعينك أنت"!

 هذا الفضاء علّم أيوب الكثير حتى إن حياته تغيرت وبات لها معنى أعمق."لقد أصبحت هادئاً جداً وأدركت صغر حجم الكرة الأرضية وأن الناس تتصارع على لا شيء! الكرة الأرضية تمثل نقطة رمل في صحراء واسعة غير متناهية" متابعاً: "ساعدني التصوير الفضائي في الحصول على سلام نفسي والنظر للأمور بتواضع.. كما علمني في حياتي المهنية التعامل الدقيق مع عملي واتقانه على أحسن وجه". 


ليلة بلا قمر...


 ولما سألنا وسام عن ظروف التقاطه صورته المتوجة الأجمل في العالم ليوم الخامس من شهر آذار، وما كانت تحضيرات الرحلة وظروفها أجابنا:

 مساء يوم الجمعة ٥ اذار (مارس )٢٠٢١ لفتني سحر وجمال المجرة المعروفة باسم  " M81 Bode's" وقررت ان التقط صورة لها، وكالعادة، جهزت معدات التصوير الخاصة بالتصوير الفضائي والمكونة من التلسكوب والكاميرا الخاصة والفلاتر والعديد من الأجهزة الخاصة اللازمة لالتقاط الصور الفلكية، وانطلقت في رحلة مدتها حوالي الساعة ونصف الساعة الى صحراء أبوظبي هرباً من ضوء المدينة وبحثاً عن الظلام الدامس الضروري لالتقاط هكذا صور. اجتمعت ظروف الطبيعة المطلوبة للتصوير في تلك الليلة من غياب ضوء القمر الذي يؤثر سلباً على تصوير المجرات، وغابت موجات الهواء التي قد تؤثر بارتجاجات للتلسكوب قد تؤدي الى ان تفقد الصورة دقتها ووضوحها، وما كان هناك الا الهدوء والسكينة والظلام. نظرت الى السماء، ويا للعجب، أستطيع ان أرى آلاف النجوم تتلألأ! أدركت حينها انني بصدد التقاط صورة لا مثيل لها.

 بدأت بتركيب التلسكوب والمعدات الخاصة، وبتوليف الاستوائي الحامل للتلسكوب بدقة متناهية حتى يكون الدوران عكس دوران الكرة الأرضية وبالتالي تكون السماء والتلسكوب في تناغم قد تصل دقته الى ٩٩٪، مع الإشارة الى ان أي خلل بسيط في هذه العملية يؤدي الى عدم وضوح الصورة المراد التقاطها. وبعد حوالي الساعتين من التجهيز أصبحت جاهزاً وابتدأت في التقاط الصورة.

ويضيف وسام أيوب:

 صورتي للمجرة التي رأيناها تفوز بأفضل صورة فلكية في العالم من وكالة الفضاء الأميركية "NASA" بتاريخ ١٢ اذار (مارس) ٢٠٢١ ليست عبارة عن صورة واحدة للمجرة، وهي ليست كأي صورة قد نلتقطها بجهاز الخليوي، بل هي عبارة عن العشرات من الصور التي يتم تكديسها سوياً والعمل على تحسينها ومعالجتها على جهاز الكمبيوتر لساعات وساعات طويلة. 

 فعلى سبيل المثال، ولالتقاط هذه المجرة، تطلب الأمر أن التقط ما يقارب من الـ ١٠٠ صورة بنظام التعريض الطويل، وكل صورة من هذه المئة هي بتعريض ٣ دقائق. وهذا يعني ان الوقت الفعلي الذي احتجته لتصوير هذه الصورة قارب من الـ ٥ ساعات. 

  ويكمل وسام:

 لم يسعفني الحظ بالتقاط كل الصور الفردية المطلوبة بتلك الليلة، فعدت ادراجي الى المنزل، وبعدها بثلاثة أيام قررت استكمال التصوير، وهذا ما استدعى مني تجهيز المعدات لمرة أخرى والانطلاق لمرة ثانية الى الصحراء والتجهيز والتركيب والتوليف مرة أخرى!

 باختصار تطلب مني الأمر الذهاب لليلتين مختلفتين الى الصحراء والتصوير لفترات طويلة للحصول على الصور المرجوة لإنتاج صورة المجرة "M81 Bode's" اعقب ذلك عملية المعالجة على جهاز الكمبيوتر. والمعالجة ليست بالعملية السهلة أبداً، إذ تطلب الأمر ما يقارب الـ ١٥ ساعة حتى تخرج الصورة كما شاهدها العالم، واحدة من أجمل وأوضح الصور التي التقطها للمجرات والسدم والكواكب.

 ولقد نشرت صورة المجرة على مواقع التصوير المتخصصة بالتصوير الفلكي حيث لاقت وعلى الفور اعجاباً منقطع النظير، وبعد ذلك بيومين، غمرتني سعادة وشعور بالفخر عندما علمت ان هذه الصورة تم اخيارها كأفضل صورة فلكية في العالم من وكالة الفضاء الأمير كية "ناسا" بتاريخ 12 آذار 2021.

 ويضيف وسام:

 لم تكن هذه المرة الأولى التي اسعد بها في هذا الاختيار، ففي الـ ١٧ من  تشرين الاول (أكتوبر) لعام ٢٠٢٠، اختارت وكالة الفضاء الاميركية صورتي لسديم "Crescent Nebula" كأفضل صورة فلكية في العالم لذلك اليوم، وقد التقطتها في منطقة رزين في صحراء ابو ظبي، حيث تظهر في صورة "سديم الهلال" المذهلة سحب من الغاز والغبار المنتشرة في مجرة درب التبانة باتجاه كوكبة الدجاجة، وتوثق الصورة أيضاً ضمن مجال الرؤية التلسكوبي ما يعرف بـ"فقاعة الصابون" (أسفل اليسار) وسديم الهلال (أعلى اليمين) من الصورة. مع اختيارها كأفضل صورة لذاك اليوم ، احسست أن الجهد الكبير والتصوير لليال طويلة في برد الصحراء القارص ولمدة زادت عن العامين، لاقى التقدير والتكريم بالمرتبة الأولى في العالم. إنه حقاً شعور لا يوصف. كذلك حزت خلال العامين المنصرمين، العديد من الجوائز العالمية الأخرى منها جائزة أفضل صورة ولمرتين من الموقع العالمي الشهير للتصوير الفضائي "ASTROBIN" وجائزة أفضل صورة أسبوعية لمرتين من الشركة المصنعة لكاميرات التصوير الفضائي "ZWO Astronomy Cameras" فضلاً عن غيرها من المواقع المتخصصة العالمية.

ويواصل وسام بحماس من مقره في أبو ظبي:

 لقد شعرت بالسعادة والفخر ان يتم التواصل معي من قبل العديد من محطات التلفزيون والإذاعة والصحف لإجراء لقاءات مباشرة ومسجلة ومكتوبة، وكانت سعادتي مضاعفة في ان انقل المعرفة التي وصلت اليها ومشاركتها مع أكبر عدد من المهتمين لتعميم الفائدة بأكبر قدر ممكن.  

ونسأل وسام وقد اضحى ضليعاً بحركة الفلك ونجومه وكواكبه إذا ما كان يرى من علاقة فعلاً ما بين حركة الكواكب والنجوم والابراج التي تتلى علينا يومياً ويحرص الكثيرون على متابعتها لا بل السير وفق ما يتنبأ به مؤلفو كتب الابراج والعارفين فيها، فيرد باختصار شديد:

 حول علاقة الفلك بالأبراج، برأيي الشخصي لا علاقة بينهما على الأطلاق، لا بل انني لا أؤمن بالأبراج حتى. 

وعن هدفه المقبل وما الذي سيلتقطه ليتحفنا به بعد، يشير لنا وسام بأن الصورة التالية ستكون للمجرة الدوامة " M51 - The Whirlpool Galaxy-" مؤكداً: "لقد انتهيت من تصويرها وعرضها بالفعل"، 

https://flic.kr/p/2kKVWR9.

وقد التقطت صورها في ليلتين متتاليتين، وتطلبت الكثير من الوقت لتضحي كما خرجت بجمالها الخلاب ودقتها اللامتناهية.

اما في المعلومات عن المجرة الفائزة في شهر آذار (مارس) الجاري "M81 Bode's" فيقدم لنا وسام سجلها الفلكي شارحاً انها واحدة من ألمع المجرات في سماء الأرض تشبه في الحجم مجرتنا درب التبانة: ميسييه 81 الكبيرة والجميلة. وتُعرف أيضاً باسم "NGC 3031 " أو مجرة بود في عودة لمكتشفها في القرن الثامن عشر. وتكشف  الصورة عن نواة "M81" ذات اللون الأصفر اللامع والأذرع الحلزونية الزرقاء، ومناطق تكوين النجوم الوردية، وممرات الغبار الكوني، فيما تبلغ المسافة الى الأرض 11.8 مليون سنة ضوئية. 

الى هذه المعلومات، يشير وسام إلى أن معدات التصوير الفضائي متاحة لكل من يملك فضول الـ"استرو فوتوغرافي" ، وقد تكلف المبتدئين ما يقرب من 3 آلاف دولار تقريباً.

ورواد الفضاء ..مصورون

  نشير ختاماً الى ان هواية جمع الصور الملتقطة للفضاء او منه تشكل محور اهمية لدى الكثير من الاشخاص ومنهم من يقتنيها بالاف الدولارات. ففي شهر 11 من العام الماضي مثلاً عرضت 2400 من هذه الصور النادرة للبيع بالمزاد العلني من دار "كريستيز" للمزادات، بما في ذلك صورة رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ على سطح القمر بجانب العلم الاميركي، وأول صورة "سلفي" من الفضاء على الإطلاق التقطها رائد الفضاء بز ألدرن وخلفه كوكب الارض، الى صورة الكلبة "لايكا" وهي تجلس في كبسولة فضائية قبل وقت قصير من أن تصبح أول حيوان يدور حول مدار الأرض.

 وتمتد مجموعة الصور الأصلية إلى عدد من المهمات التاريخية، من برامج رحلات فضاء "مشروع ميركوري" و"مشروع جمناي" إلى مهمات "أبولو" على سطح القمر، وقد تحولت بعض هذه اللقطات إلى صور أيقونة، مثل صورة "الرخام الأزرق"، إحدى أشهر الصور التي التقطت للكرة الأرضية من الفضاء، من قبل طاقم مركبة الفضاء الأميركية "أبولو 17"، وهي أول صورة مضاءة بالكامل للأرض يلتقطها إنسان من الفضاء. وهناك بعض الصور الأخرى التي لم تكشف عنها "الناسا" من قبل، والتي رآها الجمهور العام للمرة الأولى. وكانت الصورة الوحيدة لرائد الفضاء أرمسترونغ على سطح القمر، التي التقطها ألدرين خلال مهمة "أبولو 11" في عام 1969، أغلى صورة معروضة للبيع بالمزاد، وتقدر قيمتها ما بين 30 ألف جنيه إسترليني إلى 50 ألف جنيه إسترليني.

وأوضح البيان الصحافي حينها أنه من خلال عدساتهم، تمكن رواد الفضاء من نقل جمال تجربتهم وعمقها إلى البشرية، وتغيير الطريقة التي نرى بها أنفسنا وموقعنا في هذا الكون إلى الأبد.

وعلى مدى عقود من الزمان، تم الاحتفاظ بهذه الصور، التي لم يكشف عنها من قبل، في أرشيف مركز المركبات الفضائية المأهولة في هيوستن، تكساس، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال باحثين معتمدين. وعُرضت الصور، التي تم تجميعها على مدار 15 عاماً من" فيكتور مارتن مالبوريت"، في متاحف حول العالم بما في ذلك قاعة "القصر الكبير" في باريس، ومتحف "كونستهاوس" في زيوريخ.

كما نقل البيان الصحفي عن "مالبوريت" أنه "غالباً ما يتم تصوّر رواد الفضاء على أنهم علماء وأبطال عظماء، ولكن نادراً ما يُعترف بهم على أنهم من أهم المصورين في كل العصور.


عين الفضاء. عين الفضاء.
الأستروفوتوغرافر وسام أيوب. الأستروفوتوغرافر وسام أيوب.
أفضل صورة فلكية في العالم في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 2020. أفضل صورة فلكية في العالم في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 2020.