تفاصيل الخبر

المهندس زياد أبي شاكر: حلمي أن يكون لبنان صفر نفايات وسنثابر من أجل البيئة وبلدنا

بقلم وردية بطرس
27/10/2021
أباريق زجاجية مصنوعة من الزجاج المحطم جراء انفجار المرفأ.

أباريق زجاجية مصنوعة من الزجاج المحطم جراء انفجار المرفأ.


 مسيرة طويلة سلكها المهندس البيئي زياد أبي شاكر الذي دخل عالم الهندسة البيئية من بابه الواسع ليصبح رائد أعمال ناجحاً. خلال دراسته الجامعية أسس شركة إيماناً منه بأهمية الحفاظ على البيئة واليوم شركته Cedar Environmental أصبحت نموذجاً يُحتذى بها لجعل المجتمع صفر نفايات. كثيرة هي الأنشطة والانجازات التي قام بها المهندس البيئي زياد أبي شاكر، فقد قام مؤخراً باستبدال أغطية المجارير (شبكة الصرف الصحي) المسروقة في أنحاء لبنان بأغطية من البلاستيك المقوى المُعاد تدويره، وذلك من أجل إغلاق الفتحات التي قد تتسبب بحوادث للسيارات والمركبات والمارة. لقد أخذ على عاتقه استبدال تلك الأغطية بأغطية أرخص ثمناً وعندئذ لن يفكر اللصوص في سرقتها، كما أن فيها فائدة للبيئة. وهذه الأغطية يضعونها الى جانب الطريق لكي تذهب مياه الأمطار في المجارير. فقد سُرقت هذه الأغطية لأن قيمتها المالية في سوق الخردة عالية، بينما البلاستيك ليست لديه قيمة مالية عالية لذا حاول أن يأخذ التصميم نفسه الذي كان موجوداً، واضطر طبعاً لتقويته والإضافة اليه لأنه مصنوع من بلاستيك حيث اعتمد المقاسات نفسها. وفي مصنع في جبل لبنان يستخدم أبي شاكر وفريق من العمال النفايات البلاستيكية الخاصة التي تُستخدم لمرة واحدة فقط ليتم طحنها وإعادة تشكيلها ووضعها في أغطية المجارير.

وهذه ليست المبادرة البيئية الأولى التي يدشنها أبي شاكر لحل مشكلات بيئية يعاني منها لبنان، فبعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس)، بدأ في نقل الزجاج المهشم في أنحاء بيروت وتحويله الى أباريق وقوارير وأوانٍ زجاجية أخرى.


المهندس البيئي زياد أبي شاكر والعقبات


"الأفكار" أجرت مقابلة مع المهندس البيئي زياد أبي شاكر أطلعنا فيها على كل المشاريع البيئية وسألناه بداية:

* كناشط بيئي تعمل منذ سنوات طويلة في مجال البيئة، ما هي الصعوبات أو العقبات التي واجهتك خلال هذه المسيرة؟ والى أي مدى استطعت أن تحقق ما خططت له في هذا المجال؟

- العقبة الأساسية في ملف النفايات هي العقبة ذاتها في كل الملفات الحيوية التي هي مسألة الفساد، ومسألة المحاصصة وخلق الاحتكار وذلك منذ أيام الرئيس رفيق الحريري حيث خلق احتكاراً لشركة "سوكلين" ولا تزال العملية مستمرة منذ ذلك الوقت، وهذه الطريقة بإدارة هذا الملف الذي حال أولاً دون أن تكون لدينا بنية صناعية لمعالجة النفايات لأنهم كانوا يأخذون كل شيء ويقومون بطمره اذ لم تكن هناك أي رؤية بما يتعلق بإعادة التدوير. ومن أجل أن تكون هناك إعادة تدوير يجب خلق بنية صناعية، وللأسف لا يعرفون كيف يقومون بذلك ولا يريدون القيام به أيضاً. الأمر الثاني أنهم حملوا، من خلال عملية الاحتكار التي قاموا بها، البلديات مادياً ما يفوق قدراتهم بكثير. هل تصدقين أنه لغاية اليوم لا تزال البلديات في جبل لبنان وبيروت مديونة لشركة "سوكلين"، فالدولة دفعت الأموال لـ"سوكلين" والآن الدولة تحصّل هذا الدين من صناديق البلديات، بينما العمل الذي نقوم به هو بالأساس لكي نبرهن أنهم اذا استثمروا بالبنية الصناعية التي نتحدث عنها يقدرون أن يقوموا بالكثير. لقد خلقنا سماداً عضوياً عالي الجودة من بقايا الطعام حيث إن 70 في المئة من نفايات البلد هي عضوية.

* مع العلم أنه عُرض على لبنان شراء النفايات منه..

- لا أحد يشتري النفايات هكذا كما يعتقد الناس، اذ يجب أن تكون النفايات قد خضعت لعملية الفرز وأن تكون مجهزة كما يجب للشحن. فعلى سبيل المثال اذا قمنا بفرز قوارير المياه وتُركت كما هي فلا أحد سيشتريها لأنه يجب أن تتم العملية بدءاً من فرزها في المنزل لحين وصولها الى المكان المخصص لها لشحنها وما شابه...


تجربة ناجحة في بيت مري


* لا شك أن أزمة النفايات التي واجهها لبنان في السنوات الأخيرة كبيرة جداً والتي وصلت صداها الى دول العالم، بالنسبة اليكمCedar Environmental ماذا استطعتم أن تفعلوا بهذا الخصوص؟

- كل الأفرقاء أجمعوا بأن تجربتنا كانت تجربة ناجحة. إذ أخذنا بلدة مثل بيت مري وحولّناها الى صفر نفايات، فكانت بلدية بيت مري هي البلدية الوحيدة التي لا تدفع للدولة من أجل نفاياتها. ثانياً بيت مري هي البلدة الوحيدة التي تعالج نفاياتها إذ لا ترسلها الى المطمر ولا تقوم بطمرها أيضاً. وقمنا بتطبيق هذا النموذج في بلدة واحدة، فلو قامت البلديات في البلدات المحيطة ببيت مري بالأمر نفسه لكانت استفادت أيضاً.


بحوزتنا أربع براءات اختراع 


* ما هي أبرز الانجازات التي قامت بها شركة Cedar Environmental؟

- لدينا أربع براءات اختراع: أول براءة اختراع: تقنية التخمير السريع التي تحوّل المادة العضوية الى سماد عضوي بطريقة سريعة. ثاني براءة اختراع: تحويل البلاستيك الأحادي الاستعمال الى ألواح. ثالث براءة اختراع: تقنية لمعالجة بقايا الذبائح في المسالخ الى أسمدة عالية الجودة. رابع براءة اختراع: لمعالجة الأدوية المنتهية الصلاحية بدون اللجوء الى حرقها أو طمرها. طبعاً هدفنا الأساسي هو أن نقوم بتوعية الناس حول أهمية النفايات، وتوعية البلديات بأنه يجب أن تستثمر أو تفسح المجال للاستثمار بالنفايات لكي لا تُرمى المادة الأولية أو تُحرق بل أن نكون مادة أولية صناعية لخلق حركة اقتصادية محلية. وهنا أركز على كلمة محلية لأنه كما ترين فالحركة الاقتصادية والصناعية خارج مدينة بيروت تقريباً معدومة، فعلى سبيل المثال هناك قرى في منطقة البقاع الزراعية تقوم برمي نفاياتها التي هي 70 في المئة مادة عضوية وتقدر أن تمنحهم أسمدة على مدار السنة، إلا أن تلك القرى تقوم برمي النفايات في المطمر وبالتالي المطمر يلوّث المياه الجوفية. وللأسف يقومون بشراء أسمدة مستوردة من الخارج. ولكن الآن لم يعد بمقدورهم أن يشتروا الأسمدة وبالتالي لن يستفيدوا بهذا الخصوص، وكانوا يقولون عني إن هذا الرجل يبالغ في الكلام عندما كنت أقول إن انتاج السماد المحلي من نفاياتنا هو بصلب استراتيجية الأمن الغذائي، فاليوم طن السماد العضوي الذي نستورده من الخارج أصبح يكلّفنا 100 دولار و500 دولار فأي مزارع يقدر أن يدفع هذا المبلغ، فالمزارع يحتاج من 10 الى 30 أو 40 طناً فهل يقدر أن يدفع عشرين ألف دولار سعر السماد، وكم سيبيع من البضاعة لكي يقدر فقط أن يوفر سعر السماد؟

* تقوم جامعة Harvard Business School هذه السنة بتدريس حالة Cedar Environmental حيث تحدثت عن أن هناك مجموعة شباب في شركة معالجة النفايات مشكلتهم أنهم يعملون في سوق لا يقدرون أن يعملوا بدون أن يدفعوا الرشى ولكنهم قرروا أنهم لن يدفعوا الرشى بل أن يقوموا بأمر آخر لكي يستمروا بعملهم، فما هي الحالة؟ وبماذا تنصحونهم؟ 

- صحيح أن هناك الكثير من المشاكل البيئية ولكن الوضع اليوم أفضل ربما، لأن من لا يرى أن المنظومة تنهار فهو أعمى، فالمنظومة لم تعد تقدم للناس الكهرباء ولا الاتصالات ولا تقدر أن تجد المخرج من المشكلة الاقتصادية، أي يقاتل السياسيون بآخر أيامهم لكي يحافظوا على مناصبهم حتى إنهم لا يجدون أنهم سيخسرون المعركة ولكنهم حتى الآن لا يستوعبون أن الخسارة كبيرة.


تحويل الزجاج المحطم الى آوان زجاجية وتشغيل معملين


* عندما وقع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب أردت أن تحول الخراب والدمار الى شيء جميل حيث جمعت الزجاج المحطم وحولته الى قطع وأشياء مميزة فكم هذه التجربة كانت مؤلمة وفي الوقت نفسه منحتك الاندفاع والأمل للمضي قدماً حتى لو كنا نعيش أصعب مرحلة من حياتنا؟

- أولاً كنت متفاجئاً ومتفائلأ الى أي مدى تحرك المجتمع المدني بسرعة وبتنظيم وبدون أن يسأل أي أحد من أين أتى وماذا يفعل ومن ينتخب، أي حصل تحرك عفوي وكل الناس تلاقوا مع بعضهم البعض نظراً لهول الفاجعة التي حلّت بمدينة بيروت والتي لم يسبق أن حصل أمر مدمر كالذي رأيناه في 4 آب (أغسطس) وهذا جعلني أفتخر أن أكون لبنانياً ومتفائلاً، وقلت اذا تسلم أناس مثلهم إدارة البلد فتخيلي كم سيتحسن البلد الى الأفضل. هذه هي العبرة التي استخلصتها مما حصل، ما قمنا به هناك كان تفاصيل، أي أننا لم نود أن يرمى الزجاج المحطم في المطمر، لذلك وفرنا على مطمر الجديدة 150 طناً من الزجاج، وفي الوقت نفسه وفرنا 125 طناً كمادة أولية مجاناً لمعملي زجاج كانا على شفير الاغلاق بسبب غلاء المواد الأولية. كما خلقنا حركة اقتصادية بفضل ذلك لأن الناس أحبوا ان يشتروا القطع التي صُنعت من الزجاج المحطم جراء انفجار مرفأ بيروت ليحتفظوا بها، وكل المدخول كان يعود الى تلك المعامل لكي تقدر أن تعمل أكثر وأكثر. كما أن هذا الأمر ساعد بتشغيل سائقي الشاحنات فقد قمنا بنقلها من بيروت الى طرابلس وكان معدل النقلة 4 أطنان، يعني تقريباً كانت هناك 30 أو 35 نقلة وهذه النقليات ساعدت السائقين لإعالة عائلاتهم من عرق جبينهم. 


استبدال أغطية المجارير المسروقة بأخرى مصنوعة من البلاستيك


* لم يسبق أن شهدنا سرقة أغطية المجارير بهذا الشكل في لبنان، فكيف استطعت أن تقوم بهذا العمل الذي وفّر على الناس التعرض لحوادث سير جراء هذه السرقة المقرفة؟ 

- للأسف من قام بسرقة هذه الأغطية ربما قام بذلك ليعتاش نظراً للوضع الصعب في البلد، طبعاً لا نبرر سرقتها، ولكن الوضع ميؤوس اقتصادياً لدرجة أنه يُدفع بالناس الى سرقة أغطية المجارير الآن، والله يستر لاحقاً ماذا سيفعلون. ما حصل أنه بما أننا شركة هندسة ومنذ فترة كنا نقوم بأبحاث على تقنية جديدة لإعادة تدوير البلاستيك Extrusion وهي عملية تشكيل للمعدن تُستخدم لانتاج أعمدة بمقاطع ثابتة الشكل حيث يتم ضغط المادة المعدنية او البلاستيكية من خلال فوهة، أي نسحب البلاستيك بموديلات معينة وقاسية جداً يعني لا يكون لوحاً. وعندما سُرقت أغطية المجارير والتي قدرت بـ 1000 في مختلف المناطق اللبنانية، اتصل بي أصدقاء وهم أعضاء في بلدية بمنطقة الجنوب وقالوا لي هل بإمكاننا تغطيتها بلوح، فأجبتهم لا يمكن ذلك لأن اللوح لا يتحمل وزناً ثقيلاً، فإذا مرّت عليه سيارة سيسقط، ولكنني أعلمتهم أن لدي تقنية جديدة أعمل عليها فطلبت منهم المقاسات لكي أحاول أن أقوم بشيء ما، وهكذا بدأنا بصنع أغطية المجارير على الأرصفة مكان المشاة ثم قمنا بصنع أغطية على جانب الطريق التي ممكن أن تمر عليها سيارة من وقت لآخر، والآن نعمل على أغطية المجارير في منتصف الطريق بطريقة تستطيع تحمل مرور الشاحنات أيضاً. نحن كمجموعة أخذنا على عاتقنا كورنيش النهر في بيروت، فقد سُرق 50 غطاءً من أغطية المجارير في كورنيش النهر والآن نقوم بصنع 50 غطاء للمجارير بديلاً عن التي سُرقت. والجيد في الأمر أن هذه الأغطية ليست ذات قيمة في السوق، وبالتالي لن يسرقوها لأنها لا تجني لهم المال. نقدر أن نصنع الكثير منها ولكن بالنهاية نحن قدمنا 50 غطاءً بلاستيكياً مجاناً ولكن ليس بمقدورنا أن نتبرع بـ 1000 قطعة... مشاريع من هذا النوع تحتاج للتمويل، ما قمنا به اليوم هو أننا برهنا بأن هناك موديلاً ونقدر أن نصنعه محلياً، وقد برهنت أن هذه الأغطية التي صنعناها تقدر أن تتحمل اذا لم تحصل أي مشكلة ولم تقع حوادث وما شابه.


المهندس زياد أبي شاكر صاحب فكرة استبدال أغطية المجارير المسروقة بأخرى مصنوعة من البلاستيك.

المهندس زياد أبي شاكر صاحب فكرة استبدال أغطية المجارير المسروقة بأخرى مصنوعة من البلاستيك.

زياد أبي شاكر وخلفه القناني الزجاجية لإعادة التدوير.

زياد أبي شاكر وخلفه القناني الزجاجية لإعادة التدوير.

زجاج مهشم من مخلفات انفجار المرفأ.

زجاج مهشم من مخلفات انفجار المرفأ.

أغطية المجارير البلاستيكية.

أغطية المجارير البلاستيكية.

سرقة أغطية المجارير.

سرقة أغطية المجارير.

أغطية بلاستيكية بديلة.

أغطية بلاستيكية بديلة.