تفاصيل الخبر

مبادرة "من عيلة لعيلة:" بمئة دولار أو أكثر مغتربون يتبنون عائلات لبنانية محتاجة لتبقى على قيد الحياة!

بقلم عبير أنطون
26/10/2021
شعار مبادرة "من عيلة لعيلة".

شعار مبادرة "من عيلة لعيلة".


 "لبنان بجناحيه المقيم والمغترب" لازمة تتردد عند كل منعطف، في السرّاء والضرّاء. ولبنان اليوم هو في "الضراء" في أسفل الدرك الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي حيث الناس متروكة لقدرها، لا يرعاها سوى باريها. وتزداد الحالة سوءاً ويأساً على الرغم من  "كب" أخبار منشطة تفيد بأن الوضع سيتحسن والليل سينجلي إلا أن أحداً ما عاد يصدّق، ما دفع الناس بالكفر بطبقة حاكمة أذلّت اللبنانيين ودفّعتهم ثمن بقائهم في وطن تأملوا يوماً أنه يستحق منهم التضحية والبقاء فيه، فإذ بعائلاته تقتل وتشرّد وتعيش على وقع التهديدات السياسية والأمنية، وإذ بأطفاله يجوعون ويعطشون. وما تقرير اليونيسيف في الرابع والعشرين من الجاري سوى دليل بليغ على ذلك. فقد اشار مكتب اليونيسف في بيروت، الى أنه "في لبنان، أدت الأزمات غير المسبوقة إلى فقر العائلات التي كانت سابقاً في وضع هش للغاية، وأظهر أحدث تقييم أجريناه أن 3 من كل 10 أطفال يخلدون إلى النوم جائعين أو يتخطون وجبات الطعام ويتأثر نحو 2.8 مليون شخص بالنقص الكبير في المياه هذا عدا عن الكهرباء وحليب الأطفال والدواء والمستلزمات الطبية".

من هنا فإن مساعدة المغتربين ضرورية وكثر يناشدونهم مدّ يد العون ليبقى من تبقى في لبنان على قيد الحياة. مبادرات عديدة قامت في هذا الشأن وإن لم يكن بعضها على نطاق واسع، إنما بعدد محدود لكنه يسند بضع عائلات تئنّ ومنها من لم يسبق أن مرّ بهذه التجربة المرة يوماً. من هنا انطلقت مبادرة "من عيلة لعيلة". فماذا عنها، ومن قام بها؟ اي حالات تسند ومن أعانت حتى اليوم؟

التفاصيل مع "الأفكار" بعد جولة على "الجناح المغترب" الذي يبدو أنه يفرد نفسه أكثر فأكثر، مع أرقام هجرة حالية توصف من قبل الاختصاصيين بـ"المفزعة والتي لا تعوّض".

 بحسب أرقام البنك الدولي يظهر أن لبنان - بجناحه المقيم - على شفير الهاوية والقلق الى تزايد مع تقديره بأن لبنان يحتاج، بأحسن الأحوال، إلى 12 عاماً ليعود إلى مستويات الناتج المحلي التي سجلت عام 2017، وبأسوأ الأحوال إلى 19 عاماً. هذا الأمر معطوف على مع ما أظهرته إحصاءات مكاتب الأمن العام اللبناني بأن عدد جوازات السفر المصدرة من مطلع عام 2021 ولغاية نهاية آب (أغسطس) بلغ نحو 260 ألف جواز سفر، مقارنة بنحو 142 ألف جواز سفر في الفترة نفسها من عام 2020، أي بزيادة نسبتها 82 في المئة، يرفع مؤشر الخطر. 

 وبـ"المُفزعة" جرى وصف الهجرة التي يتعرض لها اللبنانيون حالياً، والتي تأتي كواحدة من تداعيات الأزمة الاقتصادية الأسوأ في تاريخه، والأعقد عالمياً، وفق ما يؤكد البنك الدولي في تقاريره. وهي الهجرة الثالثة بعد أولى شهدها لبنان في أواخر القرن التاسع عشر امتداداً حتى فترة الحرب العالمية الأولى (1865 - 1916) حيث يُقدر أن 330 ألف شخص هاجروا من جبل لبنان آنذاك، في حين أن الموجة الكبيرة الثانية جاءت خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 -1990)، حيث يقدر الباحث، بول طبر، أعداد المهاجرين في تلك الفترة بحوالي 990 ألف شخص. 

وكان "مرصد الأزمة" التابع للجامعة الأميركية في بيروت، أعدّ تقريراً يرصد ما وصفه بـ "موجة الهجرة الثالثة"، لافتاً إلى أن البلاد دخلت هذه الموجة  (Exodus)بالفعل، حيث تشهد منذ أشهر ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الهجرة والساعين إليها، ومحذراً من عواقبها طويلة الأمد على مصير لبنان. فقد أشار المرصد الى أن 77 في المئة من الشبان يفكرون بالهجرة والسعي إليها، وهذه النسبة هي الأعلى بين كل البلدان العربية، بحسب تقرير "استطلاع رأي الشباب العربي" الصادر العام الماضي. هذا الأمر الذي سينعكس سلباً على لبنان على مدى طويل برأي المشرف على المرصد، أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت، ناصر ياسين، إذ إنه بحسب قوله "سيفقده العنصر الإبداعي والمهني القادر على إدارة القطاعات والنهوض فيها، كما سيحرم هذه القطاعات من ميزاتها وتقدمها الذي يمثل العنصر البشري أساساً فيه".

ويأتي ذلك وسط انهيار كبير لقيمة الرواتب بالعملة المحلية الليرة، حيث بات سعر صرف الدولار الواحد يساوي 20 ألف ليرة لبنانية، في حين أن الحد الأدنى للأجور بات يناهز 30 دولاراً في الشهر، مقابل ارتفاع كبير في أسعار السلع والمواد الغذائية تجاوز الـ600 في المئة، وارتفاع في نسب البطالة التي تجاوزت عتبة الـ40 في المئة، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فيما تجاوز معدل الفقر نصف السكان بحسب تقرير المرصد الذي صدر منتصف الصيف.

كذلك فقد استشهد المرصد بنموذج فنزويلا، التي صنفت حالياً بين أزمات النزوح العالمية من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وزيمبابوي واليونان، فيما تدل المؤشرات على أن لبنان سيشهد نموذجاً مماثلاً.


المغترب... يسند


الواقع المرير الذي تعكسه الأرقام إن لناحية الحالة المزرية للمقيمين أو تطلع الشباب والعائلات الى الهجرة  يكشف أيضاً حجم معاناة العائلات المقيمة التي لا سبيل لها الى ترك البلد والمحتاجة الى دعم ولو بسيط يسد رمقها.

 من هنا قامت الإعلامية كاتيا دبغي بمبادرة "من عيلة لعيلة" بهدف أول وأخير بحسب شرحها وهو "ضمان تدفق المساعدة بصورة شهرية للعائلات المحتاجة، لأن معظم المساعدات التي تصل من الجمعيات وغيرها من الجهات لا تكون دورية ومنتظمة مما يؤدي إلى معاناة متراكمة في ظل غياب المبادرات ذات الاستمرارية".

   تتألف مبادرة "من عيلة لعيلة" من مجموعة صغيرة من الشخصيات اللبنانية الناشطة في مختلف المجالات يجمعهم بحسب وصفهم "الحس الانساني والوطني، ونؤمن بضرورة الحفاظ على كرامة المواطن اللبناني في بلدنا". 

  لأجل ذلك، وبهدف مساعدة العائلات المحتاجة أنشئت صفحة خاصة على فايسبوك، تعمل على مدّ جسور التعاون بين لبنان المغترب والمقيم لكي تتمكن العائلات اللبنانية من اجتياز الأزمة الخانقة التي يعانون منها والتي أدت إلى زيادة نسبة الفقر بمعدل ٧٧ في المئة.

تقوم هذه المبادرة على الجمع ما بين العائلات الأكثر فقراً في لبنان والعائلات والاشخاص من ذوي الأيادي الخيّرة في دول الاغتراب من خلال تبني أسرة لبنانية في الوطن وتقديم هبة مالية شهرية توازي المئة دولار أميركي أو أكثر حسب الرغبة، وذلك لفترة زمنية غير محددة تخضع لرغبة الجهة المانحة. 

دورنا هو الوسيط فقط، بحسب دبغي، التي تتوجه الى المغتربين بالقول: "نحن لا نتقاضى أو نتلقى هبات من العائلات أو الأشخاص المانحين في الخارج بل نرشدكم الى العائلات التي ترغبون بكفالتها ونوفر لكم كل سبل التواصل المباشر معهم لكي تصل الهبات الى العائلات المحتاجة مباشرة". وتقوم الصفحة الفايسبوكية بعرض "داتا" العائلات المحتاجة، فيروي كل محتاج قصته بالصوت والصورة التي لا تظهر الوجه أو وجوه العائلات بوضوح مع الحفاظ على الخصوصية عند طلب ذلك، وبهذا الشكل يمكن للمغترب أن يسمع ويشاهد قصة المحتاج من فمه مباشرة على الرابط: https://www.facebook.com/Min3aylehla3ayleh/ فيشرح وضعه، ويعرف هذا اللبناني في الخارج الى من يتوجه بمساعدته الى أحد إخوته اللبنانيين في الداخل ومن يختار من هذه العائلات لمساندتها. 

 من هذا المنطلق تعرض المبادرة قصص ٤٠ عائلة لبنانية من كلّ الطوائف والمناطق التي تمرّ بظروف صعبة للغاية، داعية في المقابل ٤٠ عائلة لبنانية في بلاد الاغتراب لتبني العائلة المحتاجة. أما طريقة المساعدة فتتوجه بها المبادرة للمغتربين وفق الخطوات التالية:

اختاروا العائلة التي ترغبون بمساعدتها.

تواصلوا معنا لكي نوفر لكم كل المعلومات المتعلقة بوضع العائلة.

اختاروا وحددوا المبلغ الشهري الذي سترسلونه دورياً للعائلة في لبنان.

ترسل الهبات الشهرية عبر الويسترن يونيون.

عند استلام الحوالات الشهرية تتلقون إشعاراً باستلامها من الشخص المعني من أفراد العائلة في لبنان.

 وبهذا الشكل تعمل صفحة "من عيلة لعيلة" على مدّ جسور التَواصل بين العائلات المغتربة والمقيمة لتصل المساعدات مباشرةً إلى العائلات في لبنان عبر التحويل من خلال الشركات المختصة إلى العائلة المعنية في لبنان 

وقد لاقت المبادرة أصداء ايجابية من الخارج وبادرت عائلات عدة للمساعدة بعد الاطلاع على كل التفاصيل المتعلقة بوضع العائلة المادي والاجتماعي حيث تبنت المبادرة عائلات مغتربة وباشرت بتقديم المساعدة للعائلات في لبنان. وهذا ما حصل مع عدد من العائلات بينها عائلة أم شربل، وعائلة مايا وعائلة قسطنطين..فماذا عن قصة كل منهم؟   

   "أم شربل" سيدة مطلقة مع طفل مصاب بالتوحد هو وحيدها. ترك الأب العائلة منذ ثلاث سنوات، من دون أي سؤال عن زوجته وابنه. تكافح أم شربل لتأمين تدريب ابنها على النطق الأمر الذي يتطلّب    رعاية خاصة ومكلفة شأن كل المصابين بالتوحد. كل ما تأمله من الحياة هو أن تلقى المساندة حتى يكمل شربل مدرسته، ويتحسن وتبقى تسمع منه كلمة "ماما" .

 وقد لقي شربل من يساعده ويهتم به هو ووالدته إذ لامست قصته قلوب المحبين واستلمت أم شربل المبلغ الشهري الذي يعينها على تخطي بعض الصعاب، ووجهت رسالة شكر لأنها وجدت من يمد لها يد العون في هذا الزمن الصعب. 

 ومثل شربل قصة مايا، وفيها المرارة  التي تعكس واقع عدد كبير وما تحمله يومياتهم من معاناة لتوفير أبسط الأمور والاحتياجات الضرورية. 

 يعمل زوج مايا سائقاً، وهو يكسب مليون ليرة من عمله في حين أن إيجار بيتها 750 الف ليرة وبدل كهرباء المولد 700 الف ليرة، علماً أن لا غسالة أوتوماتيك لديها ولا من يحزنون. وبهذا الوضع لا تستطيع مايا تأمين الغذاء والدواء "ولا حتى حبّة بانادول" كما تقول لعائلتها وهي أم لبنتين صغيرتين. 

ومثل مايا، لاسطفان أيضاً بنتان وهو عسكري متقاعد بمعاش مليون وأربعماية ألف. هو مسؤول عن أمه المريضة بالسرطان، وعن علاج ابنته الصغيرة التي تعاني من " كهربا في الرأس" ولا تزال بحاجة للحليب والحفاضات. لا يستطيع اسطفان ترك عائلته من دون رعايته الدائمة، وهو حاول أن يعمل طوال ثمانية أشهر ليضيف الى مدخوله إلا أنه لما ارتفع الدولار بشكل جنوني "ما عدنا اشتغلنا".

 ومثل عائلات اسطفان كذلك روز وهند وسوزان ..وهي عيّنة عن عائلات كثيرة جار عليها الزمن ولا مسؤولية من يُفترض بهم أن يرعوا شؤون المواطنين وتوفير أدنى مقومات الحياة لهم، عائلات يلتهمها المرض والعوز لكن "الله كريم" وأصحاب الأيادي البيضاء مدعوون للاستجابة. 


الإعلامية كاتيا دبغي صاحبة مبادرة "من عيلة لعيلة".

الإعلامية كاتيا دبغي صاحبة مبادرة "من عيلة لعيلة".

شربل وأمه.

شربل وأمه.