تفاصيل الخبر

ليليان شهوان الشرطية: أوفق بين هاتين المهنتين.
ليليان شهوان الشرطية: أوفق بين هاتين المهنتين.
17/03/2021

الممرضة والشرطية ليليان شهوان تروي قصتها بعد معاناة مريرة مع زوج مارس العنف ضدها


                                                             بقلم وردية بطرس


الممرضة والشرطية ليليان شهوان: عشت تجربة مريرة ولكنني تغلّبت على كل شيء لأنني اخترت أن أواجه الحياة وسأظل أكافح من أجل ابنتي


 كافحت وثابرت وتحدّت كل شيء من أجل ابنتها الوحيدة، وتشكر الرب كل حين لأنها استطاعت أن تؤسس حياة جديدة بعد تجربة مريرة مع زوج مارس العنف ضدها، ولكن على الرغم من ذلك استطاعت أن تتحرر من العذاب والعنف فتطلقت منه وكرّست حياتها لابنتها. ليليان شهوان هي مثال للمرأة المناضلة والشجاعة، فهي ممرضة وشرطية في آن واحد حيث لا تعرف الكلل ولا الاستسلام، بل تعمل ليلاً ونهاراً لتربّي ابنتها البالغة من العمر ثماني سنوات ووالدتها المريضة وشقيقتها الأرملة في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية الخانقة في البلد من جهة ووباء الكورونا من جهة أخرى حيث إنها معرّضة للاصابة بالفيروس خلال عملها التمريضي وأيضاً كشرطية... لا شك أن هناك الكثيرات من السيدات اللواتي يتعرّضن للتعذيب والعنف الأسري، ولكن قصة ليليان شهوان تبعث الأمل والشجاعة لدى كل امرأة ربما تشعر باليأس والاستسلام للقدر والواقع المرير بينما بإمكانها أن تغيّر حياتها نحو الأفضل اذا تسلّحت بالإرادة والشجاعة لتواجه الحياة مهما كانت قاسية وظالمة... ليليان امرأة لا تتعب ولا تيأس لأنها اختارت أن تكون قوية ومثابرة لتقدم لابنتها كل الحب والرعاية التي لم يقدمهما لها والدها. ليليان في الصباح هي شرطية في بلدية فرن الشباك حيث تقوم بعملها كما يجب وتتعامل مع الناس بصرامة ولكن بأسلوب محبب لكي يلتزم الجميع بتعليمات السير وما شابه، وهي تحظى بتقدير واحترام الجميع. وفي المساء هي ممرضة في قسم الولادات مفعمة بالحب والدفء والعطاء حيث تشعر أنها انسانة مختلفة ما أن ترتدي الرداء الأبيض حيث تدفعها انسانيتها لمزاولة هذا العمل بكل تفان.


ليليان شهوان تروي قصتها 


 ليليان شهوان تروي قصتها لـ (الأفكار) منذ كانت على مقاعد الدراسة وتجربتها المؤلمة مع طليقها وكفاحها من أجل ابنتها. ليليان حلمت كأي فتاة أن تدرس وتعمل وتنجح في عملها وحياتها ولكن الحياة عاكستها فعاشت تجربة صعبة. وبغصة كبيرة قالت:

- أردت أن أكمل دراستي وأعمل ولكن لم يتحقق لي ذلك. عندما كنت تلميذة في المدرسة عملت في محل للألبسة، وبعدها عملت في صالون تزيين الشعر. وبعدما رسبت في الامتحانات الرسمية لشهادة (البريفيه) تعلمت مهنة كوافيرة. ولكن عندما توفي والدي في العام 2000 تغيّرت حياتي تماماً فقد كان علي أن أعمل أكثر لأساهم في مصاريف البيت خصوصاً بعدما تزوجت اختي - نحن ثلاث شقيقات ولدينا أخ- وذات يوم كنت في يوم اجازة أزور اختي في منطقة البوار اتصل بي صاحب الصالون وأعلمني أنه عليّ أن أتوجه الى الصالون، وعندما قلت له لن أستطيع الوصول بسبب المسافة وليس لدي سيارة، عندها قال لي اذا لم تأتِ اعتبري نفسك مطرودة وهكذا حصل. ولكنني بدأت أعمل في البيت حيث كانت السيدات من مختلف المناطق يتصلن بي لكي أهتم بهن من حيث تصفيف الشعر او "واكس". وبعدما تزوجت اختي بفترة تزوجت أيضاً في العام 2011 حيث بدأت رحلة العذاب اذ علمت بخيانة زوجي خلال فترة حملي حيث كان يقضي وقته في الحفلات والسهرات، ولكنني قررت أن أحتفظ بالطفلة وتحملّت عذاب لمدة سنة ونصف السنة، إذ إنه لم يكن يعمل ولا يتحمّل مصاريف البيت، فكان لا بد أن أعمل، وبالفعل وجدت عملاً في المستشفى اذ كنت أعمل من الساعة 8 صباحاً لغاية الرابعة بعد الظهر. كانت أيام صعبة جداً وعندما أخبرته أنه يتوجب عليّ كممرضة البقاء في المستشفى ليومين لم يتقبّل الأمر لأنه لا يريد أن يعتني بابنته أثناء غيابي عن البيت وهدّدني بأن يجعلني أترك العمل، وطبعاً هذا أمر غير مقبول فقلت له العمل في المستشفى ضمانة لابنتنا فاذا لا سمح الله مرضت لا نقدر أن نعالجها ولكنه أصرّ على ذلك وتشاجرنا كثيراً.

وعن المشاكل الزوجية والطلاق تقول بحرقة:

- تركت المنزل والتجأت الى عائلتي، ولكن أمي قالت لي عليك أن تعودي الى بيتك من أجل ابنتك. فعدت الى المنزل وبعد يومين تشاجر طليقي معي وقام بضربي ولكنني لم أعد اتحمّل خيانته لي واذلاله، وعندما طلبت الطلاق ضربني وحاول أن يقتلني امام طفلتي التي كانت تبلغ من العمر سنة ونصف السنة فقط، والحمد لله اصابت الرصاصة سقف المنزل وعندها تدخّل راعي الكنيسة في منطقتنا وأيضاً الدرك والجيران، فقال لي الخوري أذهبي الى منزل عائلتك ولا تعودي الى هنا، وبالفعل أبعدت ابنتي عن البيت من ثم قصدت المخفر وهناك تصرّف طليقي بطريقة هيستيرية مدعيّاً أنه بحالة عصبية، ولكن الأمور كانت واضحة أمام الجميع بأنه يضربني ويعذّبني ولا يتصرف كزوج وأب صالح. ولكن صهري قال لي لا تشتكي على زوجك من أجل ابنتك ولكن لا تعودي الى منزله واطلبي الطلاق، وبالفعل توجهت الى المحكمة الروحية ولكنني لم أكن أملك المال لتغطية مصاريف أوراق الطلاق وما شابه. وفي تلك الأثناء كان يفتعل المشاكل بين الحين والآخر أمام منزل عائلتي، فكنت اتصل بالدرك وأحياناً كان يهدد بخطف ابنتي وأحياناً بأنه سينتحر وأنه يريد أن أرجع الى المنزل لأنه لا يقدر أن يعيش بدوني وبدون ابنته، فعشت ظروفاً صعبة. وكان مخفر فرن الشباك قد أصدر قراراً بعدم التعرّض لي وأيضاً مخفر انطلياس إذ كان يسبب لي التوتر، وذات مرة قصد مكان عملي في المستشفى وافتعل مشكلة هناك لكي يتم طردي من قبل الراهبات، ولكن الله خلّصني منه. ففي ذات يوم لجأت الى أحدهم  في بلدية فرن الشباك وأعلمته عن وضعي وبأنني ابنة المنطقة واحتاج لدعمهم، وبالفعل ساعدني وذلك بأمر من رئيس البلدية الأستاذ ريمون سمعان اذ قدّم مبلغاً لتغطية تكاليف أوراق الطلاق مع العلم أنني كنت أنتخب في منطقة الزلقا ولكن الآن أنتخب في فرن الشباك. وطبعاً شكرتهم كثيراً وقلت إنني سأعمل وأرد المبلغ فقال لي يا ابنتي لا تكترثي للأمر بل اهتمي بتربية ابنتك فقط، وبالفعل تمّ الطلاق إذ إنه لم ينكر خيانته لي أثناء فترة الزواج، وبالنسبة للضرب فكان هناك شهود على ذلك في كثير من الأحيان، فتخيلي ذات مرة قام راعي الكنيسة بجلسة مصالحة لكي نعود عائلة من جديد، ولكنني كنت مصرّة على الطلاق، وما أن دخل الخوري الى الكنيسة لاقامة القداس حتى أتى طليقي وأخذ مني طفلتي، فاتصلت بأخي لكي يعيد ابنتي لي فخرج الخوري من القداس وطلب الدرك لانقاذ ابنتي، كانت لحظات مرعبة جداً، فأنا لن أنسى كيف أوقف أخي سيارته أمام سيارة طليقي وأنا مددت يدي من نافذة السيارة وأخرجتها وضممتها الى حضني. في هذه اللحظة التي أروي لك ما حصل أرتجف لأنني عانيت الكثير معه ولم أكن لأتحمل لو أخذ ابنتي مني.


استمددت القوة من ابنتي 


 على الرغم من كل الألم الذي عاشته ليليان استطاعت ان تغلق صفحة مؤلمة من حياتها لتؤسس حياة جديدة مستمدة قوتها من ابنتها وفي ذلك تقول:

- استمددت القوة من ابنتي ريتا فلقد أتت الى هذه الدنيا وعليّ أن أربيّها واعتني بها مهما حصل، لقد استطعت أن أواجه كل شيء من أجل ابنتي وهي تستحق أن تعيش حياة هانئة وسعيدة. ابنتي لم تحظ باهتمام ورعاية والدها خلال فترة الزواج وحتى بعد الطلاق اذ تنازل عن ابنته عند كاتب العدل، ومن جهتي تنازلت عن النفقة لأن ما يهمني أن نعيش أنا وابنتي بسلام وطمأنينة. على الرغم من ذلك لا أريد لابنتي أن تكّن اي كراهية او نقمة على والدها لأنه بالنهاية هو والدها ولا أريدها أن تعرف هذه الأمور السيئة عنه.


العمل التمريضي والتضحيات


لم تدرس ليليان التمريض بل تعلّمتها بالممارسة إذ دخلت الى المستشفى لتكون ممرضة تقوم بعمل تحبه كثيراً وقالت:

 - بدأت بالعمل كممرضة منذ ست سنوات فأعمل من السابعة صباحاً لغاية السابعة مساءً، لم أدرس التمريض ولكنني تعلمت المهنة في المستشفى لأنني كنت بأمس الحاجة للعمل لأربّي ابنتي، فأهم ما في الأمر أن يكتسب الانسان لقمة عيشه بعرق جبينه ولا يمّد يده بل عليه أن يكافح ويثابر. واليوم مهنة التمريض تتطلب الكثير من التضحيات خصوصاً في ظل جائحة كورونا. أنا اعمل بقسم الولادة حيث ممكن أن تصل امرأة حامل بحالة طارئة ونستقبلها بدون فحص (بي سي آر) ولكن هذا واجبنا وطبعاً نتقيد بكل الاجراءات الوقائية حفاظاً على سلامة المرضى وسلامتنا، لقد أخذت اللقاح حفاظاً على سلامة الناس من حولي سواء في المستشفى او البيت. أشعر بأنني أقوم بواجبي الانساني تجاه اي طفل او امرأة حامل وهكذا كنت أعمل لساعات طويلة، ولكنني فكرت بابنتي أيضاً إذ إنها محرومة من والدها واذا كنت سأعمل من الصباح حتى المساء حتماً ستشعر بنقص الأمومة، وهذا يؤلمني كثيراً لأنني بذلت قصارى جهدي لأوفر لها الرعاية والحب، وعندها فكرت بالعمل بدوام مسائي لكي اقضي النهار مع ابنتي. الحمد لله استطعت أن أقدم لها الرعاية، كما أن والدتي ساعدتني بتربية ابنتي اذ كانت تهتم بها أثناء دوام عملي، ولكن اليوم لم تعد قادرة على الاهتمام بها لأنها مريضة وبالكاد تتمكن من النهوض من سريرها لتتوجه الى الحمام إذ إن لديها مشاكل في الرئة وتحتاج لأجهزة تنفس، كما أن اختي وهي أرملة تقيم معنا في منزل العائلة ولكنها لا تقدر أن تساعد والدتي كثيراً لأنها تعاني من أمراض في القلب.


أحب عملي كشرطية 


وعن عملها كشرطية في بلدية فرن شباك تقول:

 - كنت بحاجة لزيادة مدخولي لأن المصاريف كبيرة. فقد نصحني أحد الجيران بأن أتقدم بطلب للعمل في بلدية فرن الشباك، وبالفعل تقدمّت بالطلب وحصلت على الموافقة، ولم أفكر بالتعب بل كان همي زيادة المدخول وبدأت العمل كشرطية ورافقنا المفوض الى الطريق مباشرة وعلمّنا كيف ننظّم السير وكل ما يتعلق بالسير ودرّبنا على ذلك وكان يساعدنا لكي نقوم بهذا العمل على أكمل وجه. وبالفعل سارت الأمور بشكل جيد. والحمد لله أوفق بين عملي كممرضة وشرطية فأعمل شرطية في بلدية فرن الشباك من الساعة السابعة صباحاً لغاية الساعة الواحدة ظهراً، وفي المستشفى أعمل من الساعة السابعة مساءً لغاية السابعة صباحاً. لا أعرف كيف أجمع ما بين المهنتين، فعندما ارتدي الرداء الأبيض أشعر بأنني انسانة مختلفة، والأمر نفسه عندما أرتدي بدلة الشرطية وكأنني شخص آخر فأتعامل مع الناس بروية وبدون استفزاز لأنه بالنهاية نحن نعمل لخدمة المواطنين. بالنسبة إليّ فأحب المهنتين فكل منها تتطلب مسؤولية وتضحيات خصوصاً في ظل جائحة كورونا وحتى خلال فترة الاغلاق لا نتوقف عن العمل في المهنتين.

وتتابع:

 - وأثناء قيامي بعملي كشرطية يبدي الناس تقديرهم لي كوني أعمل في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها البلد خصوصاً أبناء المنطقة اذ يقولون لي تعملين ليلاً ونهاراً وهم يشعرون بفخر كوني امرأة مناضلة تعمل كممرضة وشرطية في آن واحد دون كلل. وهنا أود أن أشكر رئيس البلدية الذي يدعم فكرة انخراط النساء في العمل كشرطيات، إذ حالياً تعمل 12 امرأة كشرطية في بلدية فرن الشباك.


وعن دروس الاونلاين تقول ليليان:

- لكي تقدر ابنتي أن تأخذ دروسها (أونلاين) كان لا بد من شراء (لابتوب)، فاضررت أن أبيع ذهبي لكي أشتري لها واحداً، فكما تعلميم اليوم حتى المستعمل يكلف 400 دولار، ولكن أهم ما في الأمر أن تتعلم ابنتي. وأشكر رئيس البلدية إذ عندما طلبت منه أن أعمل بأقرب نقطة لمنزلي لكي أتمكن من الاطمئنان على ابنتي ووالدتي عندما تسنح لي الفرصة وافق على طلبي. كانت تتولى تدريس ابنتي معلمة اللغة الفرنسية كوني لا أجيدها ولكنها لم تعد قادرة بسبب تغيير دوام عملها فاضطر أن أتعلم القليل من القاموس والغوغل لكي أتمكن من تدريسها الفرنسية لأن همي الأول والأخير هو ابنتي وأريدها أن تدرس مهما كنت منشغلة بالعمل والمسؤوليات. كما أن رئيس البلدية قسّمنا الى مجموعتين لكي لا نعمل يومياً بسبب الكورونا وهذا يناسبني لكي أكون مع ابنتي خلال دروس (الاونلاين). 

وختمت قائلة:

- أتعلمين أن ابنتي تجمع 250 ليرة و 500 ليرة لبنانية لكي تشتري لي هدية في عيد الأم. بالنسبة إليّ ابنتي بجانبي ووالدتي واخوتي فكأنني أملك الكون كله إذ تربيّنا على الحب والعطاء والحنان.


تقوم بعملها كشرطية. تقوم بعملها كشرطية.