تفاصيل الخبر

دخل موسوعة "غينيس" العالمية للأرقام القياسية مرتين متحدياً كل الصعاب

بقلم وردية بطرس
12/10/2021
أمام مجسم برج ايفل.

أمام مجسم برج ايفل.


توفيق ضاهر: مجسّم سفينة "تايتانيك" أدخلني موسوعة "غينيس" للمرة الأولى وبرج "إيفل" الشهير أدخلني الموسوعة للمرة الثانية وأطمح للدخول الى "غينيس" للمرة الثالثة 


 توفيق ضاهر ابن بلدة الفريكة دخل موسوعة "غينيس" العالمية للأرقام القياسية مرتين من خلال مجسّمين عملاقين مصنوعين من عيدان الكبريت: مجسّم لسفينة "التايتانيك" وآخر لبرج "ايفل" الفرنسي. استطاع توفيق ضاهر أن يتغلّب على الصعاب بفضل إرادته وموهبته، فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً تعرّض لحادث اطلاق نار سبّب له اعاقة دائمة حيث فقد القدرة على المشي، ولكن هذا لم يمنعه من أن يحوّل الألم الى نجاح وإبداع، إبداع أوصله الى العالمية... لقد بدأ توفيق ضاهر أولاً بصنع غلاف ولاعة من الكبريت، ثم ما لبثت أن تبلورت أفكاره في مجسّمات أخرى تمثّلت في علبة سجائر وإطار صورة، وتطورت لتصبح طاولة نرد وبعدها مجسّم قلعة بعلبك، وتمثالاً لسيدة حريصا... هكذا نمت فيما بعد الهواية وتحقّق الحلم يوم صنع مجسّم سفينة "التايتانيك" المصنوعة من عيدان الكبريت التي استغرق صنعها ثمانية عشر شهراً، بلغ طولها ثلاثة أمتار وارتفاعها 180 سنتمتراً، وتألفت من ستة طوابق، كما استهلكت 460 صندوقاً من عيدان الكبريت، فكانت النتيجة نجاحاً باهراً أدخله الى موسوعة "غينيس" العالمية للأرقام القياسية في العام 2002 لعمله المميز والمبدع. واستمر بعمله المبدع فدخل موسوعة "غنيس" للمرة الثانية في العام 2009 بعدما أنجز مجسّم برج "ايفل" الفرنسي.



توفيق ضاهر والإصرار على مواجهة الحياة رغم الإعاقة الجسدية


قصة حياة توفيق ضاهر فيها الكثير من الألم والخسارة والخذلان ولكن أيضاً تحفّز كل انسان مهما كانت ظروف حياته قاسية ومظلمة أن يتحدى كل شيء لينجح ويبدع شرط أن يتحلى بالارادة والايمان.

"الأفكار" أجرت مقابلة مع توفيق ضاهر الذي خسر كل شيء منذ سنوات طويلة ولكن بفضل موهبته وابداعه لمع اسمه ليس في لبنان فقط بل في العالم، اذ بثت محطات عالمية تقارير عن أعماله لا سيما سفينة "التايتانيك". ولكن قبل هذا النجاح عانى الكثير على الصعيد الشخصي والانساني وقال:

- عانيت كثيراً قبل أن أصل الى هنا، لقد دخلت الى السجن بعد حادث اطلاق نار حيث أصبت بإعاقة جسدية حيث فقدت القدرة على المشي، وداخل الجدران المغلقة أردت في البداية أن أقوم بعمل ما لتمضية الوقت، ولكن فيما بعد تحوّل الأمر الى عمل حيث صنعت المجسّمات من عيدان الكبريت. بالنسبة الي لطالما أحببت الرسم مع العلم أنني كنت أعمل بمجال ميكانيك السيارات الا أنه أحياناً تحصل أمور تقلب حياة الانسان رأساً على عقب تماماً كما حصل معي.. فخلال الفترة التي قضيتها داخل السجن وجدت نفسي مندفعاً لصنع مجسّمات مستخدماً عيدان الكبريت فقط، وكنت أرسلها الى منزلي مع والدتي اثناء زياراتها لي ولكن للأسف عندما خرجت من السجن بعدما حظيت بالعفو من الرئيس الراحل الياس الهراوي دخلت الى منزلي ولم أر أي مجسّم من التي صنعتها، فسألت والدتي عنها فقالت لي ان أخوتي وأقاربي أخذوها من منزلي فتخيلي ان أقرب الناس اليك يفعلون بك هذا، ولكنني قمت باسترجاع قسم منها قدر المستطاع.

وتابع:

- تخيلي عندما خرجت من السجن كان أبناء بلدتي الفريكة وحتى أقاربي لا يلقون علي التحية، لا بل كانوا يديرون ظهرهم عندما يلتقون بي في البلدة، ولم يكن لدي حتى ثمن عود الكبريت ولكنني بفضل عود الكبريت استطعت أن أنجح واحصد الجوائز وبعدها تغيّر كل شيء حيث بدأوا يلقون علّي التحية لا بل كانوا يقولون إنني من أقاربهم... فكم جميل أن يصنع الانسان النجاح بنفسه بعدما خسر كل شيء. لقد شاركت في المعارض فحظيت أعمالي باعجاب وتقدير الناس مما دفعني لأقوم بالمزيد من المجسّمات، مع العلم أن ما كنت أجنيه كنت أبتاع فيه عيدان الكبريت لأقدر أن أصنع الكثير من المجسّمات خصوصاً التي تتطلب الكثير من عيدان الكبريت. 


سفينة "التايتانيك" وموسوعة "غينيس"


 * أثار مجسّم سفينة "التايتانيك" اعجاب الناس كثيراً على المستوى المحلي والعالمي حيث دخلت موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية للمرة الأولى، فماذا تذكر عن تلك المرحلة التي كانت مفصلية في حياتك؟

- قمت بصنع الكثير من المجسّمات ومنها طاولة الزهر التي نالت اعجاب وزير التربية أنذاك ميشال اده فابتاعها مني، وأيضاً اعجبت السيدة ليلى الصلح بطاولة الزهر فابتاعت واحدة أيضاً وزارتني في منزلي وكرّمتني فكانت لفتة مميزة... ثم صنعت مجسّم قلعة بعلبك التي استخدمت فيها 20 ألف عود كبريت حيث تطلب العمل ثلاثة أشهر، وبدأت بصنع تمثال حريصا الذي تطلّب 5 أشهر حيث استخدمت تقريباً 200 ألف عود كبريت. وأذكر هنا ما حصل معي قبل الاعلان عن صنع مجسّم سفينة "التايتانيك" حيث كان يُقام معرض  فاتصلت بالقيمين على المعرض بأنني أود المشاركة ولكنهم لم يجيبوا، وصادف أنه كنت سأظهر بمقابلة تلفزيونية على شاشة "آل بي سي"، فما ان انتهت المقابلة انهالت علي الاتصالات لابداء الاعجاب بأعمالي، فاتصلت بي مسؤولة المعرض وأعلمتني أنهم سيخصصون لي مساحة 45 متراً داخل المعرض مع العلم انه سبق أن طلبت مساحة 10 أمتار فقط داخله ولم أحصل على جواب، الا أنه بعد المقابلة التلفزيونية تغيّر الوضع. ولا أزال أذكر كيف تهافت الناس الى المعرض بانتظار مشاهدة المجسّمات التي صنعتها حيث قدموا من مختلف المناطق اللبنانية للتعرّف على المجسّمات التي صنعتها، فلم أصدق ما حصل في ذلك اليوم حيث لم يتبق اي قطعة منها لأن زوار المعرض اشتروا كل المجسّمات وطبعاً أسعدني ذلك بعدما كان الناس ينظرون الي بأنني انسان عاجز ولا أقدر أن أفعل شيئاً فاذا بهم يعبّرون عن مدى اعجابهم بما صنعت.

وتابع:

- أود أن أقول إنه على الانسان أن يتحدى ويثابر للوصول الى هدفه مهما كانت الظروف صعبة وقاسية. تخيلي أثناء المقابلة التلفزيونية عندما أعلنت عن فكرة صنع مجسّم سفينة "التايتانيك" سخرت مني الاعلامية مي متى خلال برنامج "نهاركم سعيد"، فشعرت بألم ولكنني أجبتها حتى لو كنت انساناً مقعداً وعاجزاً عن المشي لكن هذا لا يعني أنني لا أقدر أن أصنع هذا المجسّم، وبالفعل صنعت ذلك المجسّم بنجاح لا بل دخلت موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية أيضاً. لقد بذلت جهداً كبيراً لانجاز ذلك المجسّم الذي هو عبارة عن 6 طوابق، اذ استخدمت تقريباً مليون و400 ألف عود كبريت و2100 لمبة. وأذكر هنا مساعدة السيدة مارغو كبي التي أخذت على عاتقها مساعدتي مادياً للاستمرار في عملي حيث استطعت تحقيق مرادي فكانت ولادة سفينة "التايتانيك" التي ذاع صيتها في كل مكان... كما تعلمين أنه في تلك الأثناء كان قد عُرض فيلم "التايتانيك" في صالات السينما وبالتالي كان حديث الناس في لبنان والعالم، لهذا تهافت الزوار الى المعرض وأيضاً الى بيتي لرؤية المجسّم الذي بات مشهوراً على المستوى المحلي والعالمي. كما قامت المحطات التلفزيونية العالمية ببث التقارير عن هذا المجسّم. لا شك أنني شعرت بفرح كبير لدرجة أنني تخيّلت أنني أنهض من كرسي المتحرك نظراً للحماس الذي انتابني، لقد كان شعوراً مميزاً ومؤثراً لأنني استطعت أن أتغلّب على الصعاب بعدما أُغلقت الأبواب بوجهي بسبب اعاقتي الجسدية من جهة ومن جهة أخرى لم أكن أملك المال بعد خروجي من السجن. 


مجسّم برج "إيفل" الفرنسي و"غينيس" للمرة الثانية


* ما أهمية أن تدخل موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية للمرة الثانية بعدما أنجزت مجسّم برج "ايفل" الذي لاقى صدى عالمياً أيضاً؟

- طبعاً كان الأمر مهم لأنني استطعت أن أحقق هذا النجاح للمرة الثانية. وبعد انجاز البرج أذكر هنا السيد بيلي كرم الذي استطاع أن يؤسس معرضه الذي يضم أكبر مجموعة من السيارات المصغرة ليدخل الى موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية والذي كنت قد تعرّفت اليه منذ سنة 1997 وهم ثلاثة أشقاء يعملون وكأنهم شخص واحد، وعندما علم بادخالي الى موسوعة غينيس قال لهم: "أوقعّ على بياض لتوفيق ضاهر" حيث تكفّل بمصاريف المندوبين الذين قدموا الى لبنان لمدة ثلاثة أيام. وطلب أن يزورني ليشاهد المجسّمات، وطبعاً أسعدني الأمر لأن شخصية مثل بيلي كرم تود أن تزورني هو أمر مميز، بالفعل قام بزيارتي وتأثر كثيراً عندما رأى مجسّم سفينة "التايتانيك" حيث أبدى اعجابه وتقديره لعملي.

 

وضع البلد صعب ولكن نأمل أن تتحسن الظروف 


* طبعاً يمر لبنان بظروف صعبة حتى قبل جائحة الـ"كورونا"، فهل تمكنت من صنع مجسّمات لا سيما خلال الحجر الصحي حيث تسنى للناس ابراز مواهب لم يكونوا يعلمون أنهم يملكونها؟

- لن تصدقي أنه خلال السنتين الماضيتين لم أصنع أي مجسّم لأنه كما ذكرت ظروف البلد صعبة جداً ولا ننسى أن جائحة الـ"كورونا "غيّرت حياتنا ونخشى كثيراً من الاصابة بالمرض لا سيما مع انقطاع الأدوية وغيرها من المشاكل في القطاع الصحي، ولكن أفكر بأن أسعى الى صنع مجسّمات لاحقاً اذ أطمح أن أدخل موسوعة "غينيس" بالنسخة العربية أيضاً. فنحن في بلد ننام ونصحو على مشاكل عديدة ومختلفة وبالتالي لا أعلم ما اذا سأقدر أن أحقق ما أحلم به. فنحن اليوم نعاني الكثير حتى عندما نزل الناس الى الشوارع مع بداية الثورة كانوا يحلمون بالتغيير ولكن يوماً بعد يوم يزداد الوضع سوءاً فيشعرون باليأس. طبعاً علينا أن نؤمن بأن الأمل موجود ولكن الأمر ليس سهلاً. نأمل أن تتحسّن الظروف على أيامنا، ولا ننسى أن الجائحة جعلت حياتنا أصعب من جميع النواحي.

توفيق ضاهر: حولّت الألم الى فن وأمل وصنعت الكثير من المجسّمات مستخدماً عيدان الكبريت.

توفيق ضاهر: حولّت الألم الى فن وأمل وصنعت الكثير من المجسّمات مستخدماً عيدان الكبريت.

مجسم سفينة تايتانيك.

مجسم سفينة تايتانيك.

تمثال سيدة حريصا.

تمثال سيدة حريصا.

توفيق ضاهر خلال العمل.

توفيق ضاهر خلال العمل.