تفاصيل الخبر

جوزيان بولس في مسرحيتها الجديدة "رسائل حب": أنزلونا الى جورة وأرادوا أن يدوسوا علينا فقلنا لهم "5 بعيونكم..الثقافة ستبقى" !

بقلم عبير أنطون
15/09/2021
إندي وميليسا... مشاعر نقلتها الرسائل.

إندي وميليسا... مشاعر نقلتها الرسائل.

 

 الى عالم بعيد، مفعم بالأحاسيس الإنسانية، بالمشاعر بين رجل وامرأة حملتنا جوزيان بولس في مسرحيتها الجديدة "رسائل حب" وأخذتنا مع شريك البطولة في العمل الجديد نديم شماس الى دنيا بعيدة عن يوميات لبنانيين ضاقت بهم الحياة وأضحت اهتماماتهم تأمين الرغيف والبنزين وحليب الأطفال ودواء المسنين شغلهم الشاغل، وكأن قصص القلب ونبضاته وما يختلج فيه مؤجلة الى حين عودة الروح، وهذا ما كان يخيف جوزيان تحديداً، وأخبرت "الأفكار" بأنها خشيت ألا يتقبل الجمهور مواضيع مماثلة وهو في صلب أزمات بعيدة كلياً عما تقدمه المسرحية. فما كانت النتيجة؟ وهل تقبل الجمهور؟ وهل إصرار جوزيان ومن مثلها غارق في دنيا الأدب والفكر ومصر على "المقاومة الثقافية" في محله وسط هذه الظروف؟

مع جوزيان كان لقاء "الأفكار" بعد العرض الأول ودخول في موضوع المسرحية، شخصياتها وكواليسها. 

 بدءاً من اختيارالنص كان المدخل لحديثنا وعنه توضح بولس: "كنا في فترة الحجر، أول حجر، وبعد انتهائنا من تقديم مسرحية "صبحيّة" رحت أفتش عن مسرحيات أقرأها، فأرسل لي ابني من فرنسا عدداً منها، وكانت "رسائل حب" أول ما وقعت عليه عيناي ولا أعرف لماذا اخترتها اولاً. ("لاف ليتيرز" للكاتب الأميركي المسرحي آي. آر. غورني وتقوم على  تبادل الرسائل بين حبيبين أميركيّين هما ميليسا غاردنر وآندرو لاد جونيور، في خمسينات القرن الماضي وجرى تقديمها في "برودواي" في نيويورك و"أون ذا سكوير" في سان فرانسيسكو، و "هيرشي" في بنسلفانيا). لما قرأت النص شعرت بأنني من كتبه للصراحة. فأنا مذ كنت صغيرة وحتى اليوم، ما زلت أراسل شخصاً عزيزاً جداً على قلبي من أصدقاء الطفولة هاجر في العام  78 بعد وفاة والده.

 وهنا نقاطعها مشيرين الى الرجل في المسرحية التي تراسله البطلة: وهل أصبح سيناتوراً في الولايات المتحدة مثل "ويندي"؟ من قلبها تضحك وتجيب: لا لم يصبح سيناتوراً، ولا أنا مثل البطلة انتقلت الى الحياة الأبدية، وكلانا ما زلنا حيّين نرزق.   

وتعود جوزيان الى حديثها عن النص: لم أفكر أن أكتب نصاً مماثلاً مع هذه الصداقة التي عشتها وما زلت    حتى اليوم. تحمّست وقررت العمل على هذا النص تحديداً الذي عنى لي الكثير، واتصلت بالمخرجة لينا  أبيض وتواصلنا مع نديم شماس وباشرنا المهمة والتزمنا النص كما جاء في ترجمته الفرنسية وبهذه اللغة قدمناه. 

 وهنا نسألها: تقديمه باللغة الفرنسية ألا يحصره بالجمهور الفرنكوفوني، فتجيب جوزيان: ليس بالضرورة. يوم العرض الأول كان بين الحضور ما لا يعرفون من "لغة موليير" كلمة إلا أنهم تأثروا بالجو العام، فهموا وشعروا ووصلتهم المشاعر. ومن يحب المسرح ليس ضرورياً أن يفهم اللغة التي يقدم فيها العمل. شخصياً  عندما أسافر أحضر مسرحيات في لغة لا افهمها ابداً إلا أنني اترك الأحاسيس تأخذني وأفهم المسرحية من تعابير الممثل، من الإخراج وغيره، وهنا على مشاهد العمل أن يكون شغوفاً بالمسرح.

وهل كان التحضير لشخصية "ميليسا" التي قدمتها صعباً من قبلك، خاصة وأنك عشت قصة تبادل الرسائل تلك وما تختزنه من مشاعر؟

 "عذبتني جداً" تعلق جوزيان على السؤال، ذلك أنها لا تشبهني. هي تشبه كل امرأة بناحية من النواحي، لكن الدور صعب. فقد بدأت شخصيتها على المسرح وهي بعمر الثماني سنوات لتنتهي بعمر الستين. هذا التنقل بين عفوية الولد والمراهقة والنضج ليس بسيطاً. ليس سهلاً أن يكبر الممثل على المسرح. لقد عملت جداً على هذا الأمر مع لينا المخرجة وكانت تساعدني يوماً بيوم ما أضيفه الى التمثيل وهذا أفرحني رغم الجهد وأخرجني من هذا الوضع الذي نمر به، ومن الكآبة التي نعاني منها جميعنا، إذ تطلب الأمر تركيزاً وتأملاً يساعدنا على أن نستمر في العيش.

 وحول العمل مع نديم شماس شريكها الوحيد تمثيلاً في العمل على الخشبة، وبأننا لا نراه في الكثير من الأعمال تخبرنا جوزيان أنه سبق وقدم مسرحية مع نادين مقدسي، وكذلك معها في مسرحية "مسيو بشارة" لالكسندر نجار، إلا "أنها المرة الأولى التي يحمل مسرحية كاملة، هو وأنا، مع نص طويل ويتحرك فيه". 


حب أم صداقة؟


وعن الخيط الرفيع بين الحب والصداقة الذي تقدمه المسرحية واختلاط المشاعر بينهما إذ لا يعرف البطل أنه يحب من يراسلها إلا بعد أن تموت، تعتبر جوزيان أن الصداقة بين رجل وامراة صعبة إلا إذا غاب عنصر الانجذاب الجسدي بينهما. وفي الكثير من الأحيان كما "إندي" في المسرحية، لا يعرف الواحد منا  مدى تعلقه بالآخر وحقيقة مشاعره نحوه إلا عندما يكون على وشك خسارته إذ يعتقده "تحصيل حاصل"، لا نمده بالأهمية والاهتمام الذي هو بحاجة إليه، ولما يختفي نشعر بالفراغ الذي تركه. 

وفي مجال آخر نسأل جوزيان إن كانت عاشت في حياتها العملية ما عرفته بطلة المسرحية بعد اقامتها لمعرض فني لاعمالها في نيويورك وجاء فاشلاً برأي الجمهور والنقاد وحتى برأيها هي شخصياً. فهل من تجربة مهنية فاشلة عبرت بها؟

 لا الحمد لله، حتى الآن، تقول بولس. ربما لأن حظي حلو في الحياة. ولا مرة كان لي عمل فاشل بما للكلمة من معنى. هناك أحياناً فشل في العمل من الناحية المادية، وأحياناً الناس أحبت العمل من دون أن يدلف الجمهورالى المسرح بكثافة، لكن أن يكون الفشل عنواناً لكل شيء، فلم أمرّ أبداً بهذه التجربة.

وعن بطلي المسرحية اللذين عرفا محطات عديدة من النجاح لكن حياتهما بالنهاية بانت وكأنها منذورة للفشل، فهي لفظت الروح في مصح وهو خسر حب حياته الذي لم يتأكد منه سوى بعد رحيلها وعما إذا كان قدر كل انسان هو الفشل في النهاية كما يعتبر عدد من الفلاسفة والأدباء، ترفض جوزيان تبني هذا الرأي بالقول:

لا أعتقد بهذا المبدأ أو القول. هذا يعود الى كيفية  تصنيف الإنسان لحياته وما ينتظره منها. أعطيكم أهلي على سبيل المثال. والداي لم يفشلا في حياتهما لأنهما أحبا بعضهما البعض حتى اللحظة الأخيرة، نجحا في كل ما  فعلاه أكان في الحياة العائلية وفي تربيتنا أو في الحياة المهنية. أمي رحمها الله قالت في كلمتها الأخيرة قبل أن تسلم الروح: بالنهاية لقد عشنا حياة رائعة ! لما تسمعين أمك تقول ذلك تشعرين برضا كبير وأنك جزء من هذه الحياة الرائعة. حياة الإنسان ليست مقدرة للفشل، وعندما يتقبل حياته وقدره ينجح. 

هذا يجعلنا نفكر بالإنسان في لبنان ونسأل جوزيان: في بلدنا ألا تتغير المعادلة برأيك؟ فقدر الإنسان فيه محكوم بأشياء صغيرة تافهة تسلب منه أحياناً أكبر الأحلام والطموحات.

  لا أعتقد، تردف جوزيان. الأمر هنا  شخصي جداً في النهاية. نحن مثلاً قمنا بمسرحية رغم كل الصعوبات التي واجهتنا والتي كانت حقاً كثيرة، إلا أننا بالنهاية أنجزنا العمل وقدمناه الى الجمهور على الرغم من الأمور التافهة التي تربك حياتنا لبنانياً، فلم نكن نجد مكاناً فيه كهرباء حتى نتمرن، ولا نجد البنزين حتى نلتقي، ما اجبرنا على التدرب على المسرحية عبر تقنية الـ"زوم"، مع صعوبات تسعير البطاقة ووسط غياب الرعاة للعمل إلا من البعض مشكورين. فرغم الجورة التي حفروها لنا في هذا البلد ويريدون أن يدعسوا فوقنا فيها، قدمنا عملاً ثقافياً لنقول لهم: "خمسة بعيونكم لن نموت، ولن يموت الفن والثقافة"...


الرسائل...


 الثقافة هذه شكل جزء منها أدب المراسلة. فهل للرسائل اليوم المكان والوقع ذاته الذي كان في الماضي مع عصر الهواتف الذكية ورسائل المختصرة والإجابة بصورة "إيموجي" عن أي شعور؟  

 تبتسم جوزيان وتجيب: لما بدأت المسرحية أخدت ورقة وقلماً وكتبت لشخصين يعزان على قلبي جداً وأعرف أنهما سيقدران أنني أكتب. "المكتوب" الأول وصل الى فرنسا والثاني لم يصل حتى اللحظة الى أميركا وكنت كتبتهما في 29 حزيران ووضعتهما في ليبان بوست. الشخص الذي وصل إليه في فرنسا أجابني برسالة لكن عبر الـ"واتساب" (تضحك طويلاً). حاولت أن أكتب رسائل من جديد حتى أعود وأعيش المرحلة التي عشتها سابقاً. فأنا احتفظ بكل "المكاتيب" التي أرسلتها أو تلقيتها مذ كنت في الثانية عشرة من عمري. الرسالة هي قطعاً غير الواتساب. لما تأخذين الورقة والقلم تكتبين بشكل مختلف، بكلمات مختلفة بـ"حنذية " مختلفة. "يا ريت منرجع نتراسل. وعدت رفيقي في فرنسا أن نعود ونتراسل"..

أليست الرسائل أقل تلقائية؟ فيها "تظبيط " للمشاعر ودوزنة لها؟

 لا بل على العكس، تقول جوزيان. أنا أجدها أكثر تلقائية وصدقاً. ربما لأنني شخصياً أحب الكتابة. تعرفون، هذه الرسائل التي كتبتها او تلقيتها من الاصدقاء أثناء الحرب في لبنان "ما كنت مضاينة لهلق". تلك الرسائل جعلتني أعيش. في الثالثة عشرة من عمري، وفي عز الحرب لجأنا من القصف الى الشاليه في طبرجا وكنت لما أنزل المسبح أتخايل الصديق الذي كتبت إليه وهو في لندن وكأنه سيلاقيني من الجهة الأخرى للمسبح. لما كنت أحضّر لهذه المسرحية عدت وقرأت كل هذه الرسائل واستغرقت معي ثلاثة أيام عاد فيها شريط حياتي أمامي وما فيه من ذكريات"..."رجعت شفت حياتي كلها بهالمكاتيب وبأن هناك ناساً أحببتها وأحبتني واستقطعت من وقتها لتكتب لي وهذا مهم جداً بالنسبة لي".

 وعما اذا كنا سنرى رسائل جوزيان الشخصية هذه في عمل على المسرح تنفي بولس الأمر مؤكدة بأن العمل الحالي "قام بالمهمة" في هذا الاطار.   


جوزيان... بدور ميليسا.

جوزيان... بدور ميليسا.

نديم شماس... بدور إندي.

نديم شماس... بدور إندي.


على غيمة...


"القيام بالمهمة" كان فعلا على أكمل وجه، وهذا ما لاحظناه في الصالة مع الجمهور الذي كان مأخوذاً بالعرض، مستمتعاً فيه. ونسأل جوزيان: بعد العرض الأول ما هي الأصداء، ما الذي وصلك من ردات فعل؟

صدقاً أقول إنني منذ انتهاء العرض وعلى الرغم من أنه أنهكني أشعر وكأنني أعيش على غيمة عالية. لقد كان الجمهور أكثر من مرحب، والمخرجة لينا أبيض فخورة بما قدمناه. التعليقات والرسائل الصوتية التي وصلتنا أفرحت قلوبنا، وأذكر واحدة قال لنا فيها صاحبها: "لقد أعدتمونا الى الحضارة"...شو مهمة هالكلمة  وسط ما نعيشه! بمعنى أن الجو كان راقياً، سلساً فيه جمهور مثقف بعيد عن السخافات الصغيرة وهذا فعلاً يثلج صدورنا. كنت أضع يدي على قلبي بأن لا يتفاعل الجمهور مع العمل خاصة أن ليس وقته وسط ما يتكبّده إذ إن همومه في مكان آخر، كما أنه لم يكن عرضاً كوميدياً بحتاً، فعاش مع البطلين الأحاسيس وتناقضاتها وكان الناس مأخوذين بالعمل لأنهم متشوقون للمسرح وما يقدمه. كذلك فقد كان للموسيقى الحية التي يلعبها عازف الساكسوفون كاريغ غارابيتيان، ويمثّل من خلالها دور الوقت وقعها الكبير، وكانت تؤدّى  على المسرح للتتوافق مع كل الحقبات الزمنية التي تقدمها المسرحية. فاخترنا من كل حقبة الأغنية الـ"هيت" الأبرز فيها لتواكب عمر "مليسا وإندي" وهما يتقدمان في العمر.  

 

دعم الشباب ...


ونختم مع جوزيان بالسؤال عن تجربة الأونلاين التي سبق وخاضتها في مسرحية "همسات" وعما إذا كانت ستعود لها، خاصة وأن تجربة "رسائل حب" أظهرت شوق الناس الى العرض المباشر فتشرح أنها كانت تجربة حلوة بذاتها لأنها ترافقت مع الحجر واستمررنا في تقديم الثقافة وكان أمراً جيداً وضرورياً، وكانت أيضاً لهدف مادي بهدف مساعدة المسارح التي تهدمت جراء انفجار المرفأ الرهيب في الرابع من آب ومساندتها مع أغاتا عز الدين ولينا أبيض للنهوض من جديد ولدعم ورعاية الشباب والصبايا المبتدئين لانجاز أعمال مسرحية لهم. 

أما الحضور المباشر والتفاعل المسرحي الحي فتبقى له الأولوية بحسب جوزيان، وهنا يكمن مبدأ المسرح الأساس. فالناس ملت من البقاء خلف شاشاتها الصغيرة والأحاسيس التي تمر بين الجمهور في العرض الحي لا يمكن لأية شاشة أن تؤمنها.

 هذا التفاعل الجميل الذي ولّده العرض يستمر حتى الثالث من تشرين الأول في مسرح مونو، أما عن جولات خارجية تسافر به ، فالأمر غير مؤكد حتى الآن على الرغم من  كلام لجوزيان مع صديقة في ساحل العاج حوله. فهل ينتقل اليها؟


السيناتور إندي.

السيناتور إندي.

اجتمعا وافترقا..

اجتمعا وافترقا..