تفاصيل الخبر

تمثال "عروس بيروت" المصنوع من ركام انفجار المرفأ شاهد على الخراب الذي ألحق بمدينة بيروت

14/07/2021
عروس بيروت.

عروس بيروت.

                                                              بقلم وردية بطرس


النحات هاني تبشراني: أردت أن أظهر قوة وصمود المرأة اللبنانية بهذا التمثال


قبيل الذكرى السنوية لانفجار مرفأ بيروت ارتفع النصب التذكاري "عروس بيروت" المصنوع من الزجاج المحطم وركام الانفجار في شارع "باستور" في منطقة الجميزة القريبة من مرفأ بيروت. هذا التمثال سيصبح شاهداً على ما أصاب بيروت من خراب ودمار في ذلك اليوم المشؤوم الذي أودى بحياة 200 انسان ودمرّ آلاف البيوت وشرّد آلاف العائلات... الرابع من آب (أغسطس) 2020 هو تاريخ لن ينساه اللبنانيون لأنه ألبس مدينتنا الجميلة والزاهية اللون الأسود... المهندس والنحات هاني تبشراني (ابن المهندس والنحات سيمون تبشراني الذي صنع أكبر جرس في العالم) قصد مكان الانفجار لمساعدة الناس وهناك راودته فكرة أن يصنع من الركام تمثالاً يجسّد فيه الألم وفي الوقت نفسه يظهر المرأة اللبنانية قوية وصامدة رغم الألم والحزن الكبير، فجمع الردميات التي خلفها الانفجار والزجاج المحطم وبدأ بنحت التمثال الذي سماه "عروس بيروت" حيث وضع التاج الذي يكلل رأس العروس من الزجاج الذي تطاير من المكان.  

لقد أراد النحات هاني تبشراني من خلال صنع التمثال التأكيد على أنه رغم هول الانفجار وما خلّفه من خسائر في الأرواح والممتلكات، فإن بيروت عصية على الكسر وكما في كل مرة تثبت أنها أقوى من أن تُهزم، من هنا خرجت من تحت الرماد، ووصلت الى الكمال حيث لا خدوش على وجهها على الرغم كل الجروح التي أصابت جسدها. 

بالنسبة للنحات هاني تبشراني فهم ضحايا وليسوا شهداء، اذ قال إن التمثال عبارة عن جدران مرتفعة لتدوين أسماء الضحايا الذين لا أطلق عليهم شهداء كون الشهيد يقرر بارداته أن يقاتل حتى الاستشهاد لكن من قُتل في الانفجار لم تكن لديه نية الموت. كما تركت مسافة بين الجدران التي أطلقت عليها جدران الموت لكي يتمكن أهالي الضحايا من العبور والوصول الى التمثال لاضاءة الشموع ووضع الزهور، والى الآن لم ننته من تركيبه، اذ يبقى علينا انجاز الرصيف والأشجار التي تحيط به. 

وعن وجه العروس في التمثال شرح: هو يشبه وجه حبيبتي التي اتصلت بي لحظة وقوع الانفجار، مذهولة ومرعوبة والدموع تخنق صوتها، وعندما سمعت دوي الانفجار في بلدتي البعيدة عن بيروت خشيت عليها من الموت وبعدما قصدت العاصمة وساعدت في ازالة الركام. لقد أبهرني تكاتف فتيات لبنان وبيروت على وجه التحديد اللواتي حضرن الى المكان، وتكاتفن لازالة مشهد الدماء الذي خلّفه ثاني أكبر انفجار في العالم، شعرت كم أن رغبتهن في الحياة أقوى من كل محاولات تدمير وطنهم على يد الفاسدين.



النحات هاني تبشراني وفكرة صنع تمثال "عروس بيروت"

 

وكان لـ "الأفكار" مقابلة مع النحات هاني تبشراني لنتحدث أكثر عن هذا التمثال الذي سيكون شاهداً على الدمار والخراب اللذين ألحقا بمدينة بيروت ست الدنيا.

* كيف بدأت فكرة صنع تمثال من الزجاج المحطم والردميات التي خلّفها انفجار مرفأ بيروت؟ ولماذا سميت التمثال بـ"عروس بيروت"؟

- هذا التمثال يختلف عن التماثيل التي نحتها، اي لم أجلس بين أحضان الطبيعة لأستوحي منها وأنحت بل كان مثل (فشة خلق) بعدما وقعت هذه المصيبة التي أوجعتنا جميعنا. لقد نزلنا الى مكان الانفجار كما كل الطلاب والشباب لمساعدة الناس وتفاجئت بالبنت اللبنانية بشكل عام والبيروتية بشكل خاص بالقوة التي تتحلى بها بعد الانفجار الكبير الذي يعّد ثاني أكبر انفجار وقع في بلد ربما منذ مئة عام. فالبنت اللبنانية بدت قوية وتنظف وتزيل الحطام وتساعد الناس، من هنا بدأت الفكرة بأن أصنع تمثالاً للمرأة بعدما جمعت الزجاج المحطم في الأيام الأولى من وقوع الانفجار ووضعتها في سيارتي وتوجهت الى منزلنا في بتغرين لأبدأ بالنحت. وهكذا سارت الأمور اذ عندما قصدت المكان لم أكن أفكر بالأمر وهناك راودتني فكرة نحت تمثال للمرأة، اذ تطلب هذا العمل تقريباً أكثر من شهر لانجازه اذ كنت أعمل يومياً 12 ساعة.


* ولماذا لم يُعرض حالما انتهيت من النحت او أردت أن يتم وضعه في الجميزة مع مرور الذكرى السنوية الأولى لوقوع الانفجار؟

- لقد حصل تأخير بسبب ظروف البلد، ولكن أيضاً كان هناك رفض من جهات معينة بأن يُصنع شيء لذكرى ضحايا انفجار المرفأ، وهنا أشدد على كلمة ضحايا وليس شهداء لأنهم ليسوا شهداء.


تجسيد الألم بهذا التمثال


* عادة يخرج الفن من الألم والوجع فهل الفنان سواء الرسام او النحات او الموسيقي يبدع أكثر عندما يعيش ألماً وحزناً لاسيما ان انفجار المرفأ ترك أثراً كبيراً ومؤلماً في نفوس الناس حتى لو لم يتضرروا منه جسدياً؟

- ليس الأمر بأن الفنان يبدع أكثر في جو من الألم والحزن، لقد وجدت نفسي أنني أقدر أن أساعد بهذه الطريقة، وأسعى بأي وسيلة أن أساعد من خلال تجسيد هذا الألم من خلال منحوتة صنعتها، ولأن لدي موهبة النحت أردت بهذه الطريقة أن أساهم.


* ولماذا سميت التمثال بـ"عروس بيروت"؟ ولماذا ايضاً أظهرتها بأنها جميلة حتى وهي تتألم؟

- بالفعل منحتها صورة جميلة لايصال رسالة للجميع بأنه على الرغم من الألم تبقى المرأة اللبنانية جميلة وقوية وصامدة كما مدينة بيروت، وبأننا لن نغادر لبنان وسنبقى هنا لنظهر للجميع بأن جيل الشباب في لبنان قادر أن يحول الخراب الى جمال. فأنا أتفاءل بالخير مهما كان الوضع سيئاً، وأردت أن أقول إننا على الرغم من كل شيء سنظل نؤمن بنهوض لبنان، ومهما كان البلد يسير نحو الهاوية لا بد أن يخرج منها أيضاً.



* كم يبلغ طول التمثال؟ وماذا عن الوزن؟

- يبلغ طول التمثال تقريباً بين مترين وثمانين سنتمتراً وثلاثة أمتار، والقاعدة طولها أربعة أمتار، وجدران الموت تمتد تقريباً 40 متراً. أما الوزن فيزن تقريباً 5 اطنان.   ويتابع: انا متأكد بأننا سنعيد بناء بيروت وسنجعلها أجمل مما كانت. وسيبقى هذا التمثال ذكرى مؤلمة ولكن أيضاً سنظل أقوياء لمواجهة الألم والحزن والصعاب. 


استوحيت وجه العروس من وجه حبيبتي 


* على الرغم من أن التمثال يجسد الألم والحزن ولكن في الوقت نفسه تبدو صبية جميلة فهل قصدت أن تكون جميلة أيضاً؟

- هذا صحيح لقد قصدت أن أظهر الصبية جميلة اذ استوحيتها من وجه حبيبتي التي كانت موجودة هناك أثناء وقوع الانفجار، والحمد لله أنها لم تتأذ من الانفجار اذ كنت وقتها في بتغرين وأتكلم معها عبر الهاتف، ونظراً لصوت الانفجار المدوي ظننت أنه وقع عندنا في بتغرين فاتصلت بي وأبلغتني أن الانفجار قريب منها. فتخيلي مدى قوة هذا الانفجار الذي سمعته وكأنه قريب مني، فكيف الحال بالنسبة للناس القريبين من الانفجار لقد كان انفجاراً مدمراً ومرعباً؟.



* وُضع التمثال في الجميزة وذلك قبل أيام من الذكرى السنوية الأولى للانفجار فكيف كانت الاصداء ولماذا اخترت هذه المنطقة بالذات لوضع التمثال فيها؟

-  اخترت الجميزة لأنها قريبة من موقع الانفجار والبيوت المدمرة والبيوت التراثية، والوجع لا يزال كما هو يوم وقع الانفجار، ولقد صنعت جدران بأسفل التمثال لكي يُدون عليها أسماء الضحايا الذين سقطوا في ذلك اليوم الحزين، ومنهم فوج الاطفاء والعسكر أيضاً وأصررت على أن يُكتب اسمي واسم أخي حبيب تبشراني (التنفيذ والاشراف الهندسي).  لقد أصررت على أن تكون اسماؤنا على جدران الموت لكي نكون الى جانب الضحايا ولنقول إنه قد ماتت فينا جميعاً قطعة  في ذلك اليوم. لقد اخترت منطقة الجميزة ليُوضع فيها التمثال لأنني رأيت أنها أكثر منطقة تضررت جراء الانفجار. وبالنسبة لمحافظ بيروت فلقد دعمنا ويساعدنا بما يتعلق بالتواقيع وغيرها. وكان هناك رفض من جهة أخرى ولن أسميها ولا أعرف سبب الرفض وهو أمر مؤسف، لقد عُرض علينا مبلغ من المال، ولكننا أصررنا أن يكون العمل تقدمة بدون مقابل، وهذا الأمر لا يُعجب من يفكر بملء الجيوب.


جامعة "هارفارد" طلبت  نسخة طبق الأصل للتمثال 


* مع قدوم الذكرى السنوية الأولى للانفجار سيقصد الناس التمثال وسيلتقطون  صوراً لهم امام تمثال "عروس بيروت"،  فماذا يعني لك ذلك كنحات قمت بعمل يجسّد حدثاً مؤلما لن ينساه اللبنانيون؟

- هذا صحيح ومن الآن بدأ الناس يقصدون المكان لمشاهدة التمثال وطبعاً في الذكرى السنوية سيتوافدون اليه لالتقاط الصور كما ذكرت. فقد لاقى التمثال اعجاب الناس، والآن تلقيت طلباً من جامعة "هارفارد" لأصنع منحوتة مثلها وهذا أمر يسعدني أن ينال اهتمام واعجاب الناس، فيوم بدأت بنحت هذا التمثال شعرت وكأنه (فشة خلق) وفي الوقت نفسه أتأمل خيراً فيما بعد.    


* هذه المنحوتة هي شاهدة لحدث مؤلم فكم يؤثر بك أنه بعد مضي ثلاثين او اربعين سنة وأكثر ستنظر الأجيال القادمة والناس اليها ويعرفون كيف تدمرت مدينة بيروت جراء الانفجار الهائل الذي وقع فيها؟

- أتمنى بعد عشرين او ثلاثين سنة وأكثر أن يمر الناس في بلد يكون قد تعافى من الناحية الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية ولا يجدوا شيئاً محزناً أو مؤلماً سوى هذه المنحوتة التي كانت شاهدة على انفجار كبير أدى الى أضرار جسيمة على المستوى الانساني والوطني.


* ما هي أكثر المواضيع التي أردت تجسديها في أعمالك النحتية؟

- أولاً المنحوتة تعيش طويلاً أكثر من الانسان اذ يعيش التمثال لأكثر من 2000 او 3000 سنة وبالتالي التمثال هو الذي يخبر القصص او الأحداث التي وقعت في بلد او مكان ما وبالتالي أركزّ على مواضيع من هذا النوع. كما قمت بنحت تمثال للمسيح وغيره، وشاركت في العديد من المعارض في لبنان والخارج، وخلال جائحة الكورونا شاركت بمعرض أونلاين.


* هل استطاع العالم الافتراضي ايصال أعمال الفنانين للناس خصوصاً في ظل جائحة الكورونا حيث لم يتمكنوا من اقامة المعارض كما في السابق؟ وهل تصل أعمال الفنانين لجميع الناس ويتعرفون عليها بشكل أسرع؟

-  هذا الأمر صحيح ولكن أيضاً هناك جانب منه غير صحيح، لأن الهدف من اقامة المعرض هو ان يتعرف الناس على العمل الفني عن قرب ويشعروا به، وهذا غير متوافر في معارض (أونلاين). 


صنع أكبر جرس في العالم


* هل تتحضر لعمل نحتي جديد أم هي فترة استراحة؟

- لست بفترة استراحة الآن، اذ لا أزال أعمل بما يتعلق بتمثال "عروس بيروت"، لأنني أصنع نسخة طبق الأصل من التمثال تلبية لطلب جامعة "هارفارد" الأميركية أو ربما أصنع الوجه فقط لكي لا يكون التمثال نفسه. وأيضاً أقوم الآن ووالدي وهو مهندس ونحات بصنع أكبر جرس في العالم.


* ما أهمية أن تُعرض نسخة من تمثال "عروس بيروت" في جامعة عريقة مثل "هارفارد"؟

- يعني لي أمراً مهماً وهو أن لبنان بلد صغير على الخارطة العالمية ولكن كل دول العالم يراه بلداً جميلاً. وبالنسبة الي هو أجمل بلد ولا أفكر بمغادرته مهما حصل... وفي مجال الفن والنحت نود ايصال الفن اللبناني للعالم كله لأن لدينا مواهب مخبأة ويجب أن تُبرز.




العروس التي تمثل البنت اللبنانية.

العروس التي تمثل البنت اللبنانية.

النحات هاني تبشراني ما زلت أؤمن بنهوض لبنان الذي سنبنيه بأيدينا على رغم سواد المشهد.

النحات هاني تبشراني ما زلت أؤمن بنهوض لبنان الذي سنبنيه بأيدينا على رغم سواد المشهد.

تتحدى كل الصعاب.

تتحدى كل الصعاب.

تقف شامخة متمردة .

تقف شامخة متمردة .