25 October,2020

 هل ينزلق لبنان إلى مرحلة "التضخم المفرط" ويصل سعر الدولار الى 46 الف ليرة حسب التوقعات؟

 

بقلم طوني بشارة

 

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور سامر سلامة: أنصح كل من لديه مبالغ بالدولار في المصارف وتم حجزها بالاحتفاظ بها وعدم سحبها بالليرة اللبنانية إلا في الحالات الضرورية 

الدكتور سامر سلامة: خفض الدولار سعر يتوقف على مصرف لبنان الذي يجب أن يُبادر إلى وضع منصة الكترونية شفّافة يتم من خلالها تحديد سعر الصرف

 يتم حالياً في السوق اللبناني اعتماد ثلاثة أسعار للدولار، سعر رسمي قيمته 1507 ليرة لبنانية ، وسعر وفقاً للمنصة الالكترونية واعتمدته المصارف وتتراوح قيمته ما بين 3000 و4000  ليرة لبنانية   وسعر في سوق السوداء يتراوح بين 6000 و10000 ليرة لبنانية. ووفقاً لتقرير صادر عن  “بنك أوف أميركا” من المتوقع  أن يصل سعر صرف الدولار في السوق السوداء  مقابل الليرة إلى نحو 46000 ليرة نهاية العام الحالي. فما صحة هذا التقرير وما المرتكزات التي تم الاستناد عليها؟ وما حقيقة ما توقعه الاقتصادي ستيف إتش هانكي” الذي رأى أنّ لبنان سينزلق إلى مرحلة “التضخم المفرط” خلال أسابيع قليلة ؟ وذلك بعد ان شدد على كون لبنان يتخبط  في دوّامة الموت.  وما موقف الجهات الرسمية المعنية بسعر الصرف وبالوضع الاقتصادي في لبنان؟ ولماذا تبادل التهم  بين المسؤولين والتهرب اللا شرعي من تحمل المسؤولية؟ وهل فعلاً هناك مؤامرة عالمية على اهل السلطة والعهد لمنعهم من تحقيق ما تم الوعد به؟ وما مصير الشعب الذي بات يعيش دوامة ملؤها الخوف من الحاضر والقلق على المستقبل في ظل ارتفاع جنوني لأسعار السلع المرتبطة  بدورها بسعرالصرف لدى السوق السوداء؟ .وهل من حل جذري للموضوع  قد يلوح في الأفق القريب –البعيد؟ وماذا عن  جملة العوامل السياسية الاستراتيجية والنفسية  وعوامل الثقة المحلية والعالمية والتي  تلعب دورها في تحديد مصير سعر الصرف؟ وهل من مرتكزات معتمدة  لتحديّد قيمة الدولار  في المستقبل؟.

 الدكتور سامر سلامة وأسعار الدولار والمؤشرات المتوقعة

 “الأفكار” التقت الخبير الاقتصادي الدكتور سامر سلامة الذي أفادنا بأن الليرة اللبنانية للأسف تمر حالياً بأزمة كبيرة عائدة لثلاثة أسباب رئيسية تتمحور حول الآتي: الوضع الاقتصادي المتدهور. آلية العرض والطلب. وانعدام تام للثقة المحلية والعالمية بالعملة اللبنانية. ومع بداية ثورة 17 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي كان السعر الرسمي للدولار الأميركي 1500 ليرة لبنانية، ولكن سعره الحقيقي المعتمد  للمعاملات التجارية  كان يناهز الـ 2700 ليرة لبنانية، وذلك عائد لانخفاض عائدات الاقتصاد اللبناني المتأثرة بدورها بزيادة القيمة الفعلية للواردات من جهة وانخفاض القيمة ذاتها المتعلقة بالصادرات من جهة ثانية، الامر الذي دفع الجهات المعنية الى زيادة الطلب على الدولار بقيمة ناهزت الـ 16 مليار دولار أميركي وذلك  لتغطية قيمة الواردات مما أدى فعلياً الى تدهور قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار. مما دفع  المصرف المركزي الى التدخل عملياً، وعمد الى تثبيت السعر الرسمي للدولار على الـ 1500 ليرة لبنانية مستعيناً بودائع اللبنانيين البالغة قيمتها آنذاك 35 مليار دولار .

*- نلاحظ على أرض الواقع وجود ثلاثة أسعار للدولار، فما سبب ذلك ؟ وهل من الممكن شرح سياسة مصرف لبنان الحالية؟

– السعر الرسمي للدولار مثبت رسمياً على الـ 1500 من قبل مصرف لبنان، بينما السعر المتداول وفق ما يمكن تسميته بالمنصة الرسمية فيتراوح ما بين الـ 3000 والـ 4000 ليرة لبنانية، وفيما يتعلق بالسعر المعتمد لدى السوق السوداء فتجاوز الـ 9000 ليرة لبنانية في اغلب الأحيان، وسيصل الى اكثر من 15000 ليرة اذا استمر مصرف لبنان باعتماد السياسة المالية الحالية.

وتابع سلامة قائلاً: للأسف مصرف لبنان يضخ شهرياً المليارات من العملة الوطنية من اجل دفع لا بل تغطية الاستحقاقات العائدة للوزارات ، يضاف الى ذلك تداعيات التعميم رقم  13217 المتعلق بالاموال القادمة من الخارج والتي تعطى لاصحابها بالليرة اللبنانية مما يجعل السوق المحلي يخسر كميات كبيرة من الدولار الأميركي ناهيك عن التعميم رقم 13221 المتعلق بتحويل ودائع الزبائن من الدولار الى الليرة بقيمة 3850 ليرة لكل دولار .  

*- هل من  مؤشرات تؤدي الى خفض قيمة الدولار في الوقت الحالي؟ وهل من تفسير رقمي للمؤشرات الحقيقية التي ذكرتها والتي تؤدي بطبيعة الحال الى انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار؟.

– حالياً ليس هناك وجود لأي ​مؤشرات اقتصادية​ ومالية حقيقية تدعو الى انخفاض الدولار في هذه المرحلة. إن ما يحصل اليوم من إنخفاض وإرتفاع بين الحين والآخر، ليس سوى تلاعب في السوق، فانهيار الليرة لا يزال مستمراً في ظلّ الخطوات التي يقوم بها مصرف لبنان والمتمثلة، أولاً بضخ الليرة في الأسواق دون مقابل بالدولار الأميركي، وهذا الأمر يؤدي بطبيعة الحال إلى التضخّم .ثانياً، الإستمرار بتطبيق قرار المركزي القاضي بتسديد قيمة جميع ​التحويلات​ الالكترونية الواردة من الخارج عبر شركات الأموال بالليرة اللبنانيّة، ما شكّل ضغطاً إضافياً على الليرة، فضلاً عن السماح للعملاء بسحب ودائعهم الدولارية الموجودة في المصارف بالليرة اللبنانية حصراً وبسعر مغاير لسعر السوق، كلّ هذه الأمور ساهمت بانهيار الليرة، وظهر التلاعب جلياً في ​السوق السوداء.

وأضاف سلامة: لا أحد يستطيع أن يعرف السعر الحقيقي للدولار اليوم، فوجود ​التطبيقات​ الالكترونية ساهمت بشكل أو بآخر في زيادة هذا التلاعب وفي التحكم بسعر سوق السوداء من قبل بعض الأشخاص المجهولين، وهذا ما حصل نهاية الأسبوع الماضي حيث لامس الدولار عتبة الـ 6000 ليرة ليعود ويرتفع إلى نحو الـ 8000 ليرة ليلامس بعدها عتبة الـ 9000، وهذا التلاعب الموجود يهدف بطبيعة الحال إلى تحقيق مكاسب مالية بالدرجة الأولى على حساب المواطنين الذين يهرعون إلى بيع الدولار عند هبوطه خوفاً من خسائر محتملة، فضلاً عن أهداف سياسية للأطراف التي تساهم في هذا التلاعب أيضاً.

*- توقعت منذ أربعة اشهر بأن يصل الدولار في العام 2021 إلى 20 ألف ليرة إذا استمر النهج على ما هو عليه اليوم، فهل ما زلت على التوقع نفسه؟

 – قد يتخطى الدولار هذا الرقم بكثير وفي وقت قصير جداً إذا استمر سحب الدولار من الأسواق وضخ الليرة بالطريقة العشوائية المتّبعة، مع العلم أن سعر الليرة الحقيقي اليوم يجب أن يكون ما بين الـ 4000 إلى 5000 ليرة كحد أقصى.

مصرف لبنان والمسؤولية!

*- في كل دول العالم وخلال النكبات لا بد من وجود جهة تتحمل النسؤولية، فمن يتحمل اليوم مسؤولية إنهيار الليرة في لبنان؟

مصرف لبنان هو المشكلة والحل في آن واحد

– مصرف لبنان هو من يتحمّل هذه المسؤولية، لأنه إذا عدنا إلى قانون النقد والتسليف نلاحظ أن الهدف الأول للبنك المركزي هو حماية الليرة، وهذا للأسف ما لم يحصل، بل حصل العكس عبر التعاميم التي أصدرها المركزي تباعاً والتي ذكرناها في البداية على رأسها التعميم رقم 13217 القاضي بسحب العملة الخضراء الآتية عبر شركات التحاويل وإعطائها بالليرة اللبنانية بسعر يحدده مصرف لبنان، علماً أن هذه الشركات تُدخل إلى لبنان نحو 5 ملايين دولار في اليوم الواحد، وكذلك الأمر بالنسبة للقرار 13221 الذي يستولي فيه المصرف بموجبه على ​دولارات​ العميل ويعطيه ليرة لبنانية بدلاً من العملة الأساسية التي أودعها، كل هذه الخطوات ساهمت بشكل مباشر بانهيار الليرة، وهذا الأمر تم بالتعاون مع الصيارفة الذين مُنحوا صلاحيات من قبل المصرف المركزي سمحت لهم بالتحكم بالأسواق، مع العلم أن هذه الصلاحيات هي أصلاً للمصارف.

*-هل من إمكانية لخفض الدولار في حال صحت المعلومات عن إحتمال لجوء إحدى الدول العربية إلى وضع وديعة في مصرف لبنان؟

 – في الحقيقة أستبعد حصولنا بالأساس على أي مساعدة سواء عبر وديعة أو قرض أو ما شابه ذلك، خصوصاً وأن الحكومة الحالية لم تقم بالأساس بأي إصلاح، ونحن نرى اليوم ما يحصل بين وفد ​صندوق النقد الدولي​ و​الحكومة اللبنانية. بإختصار، إن لم تبدأ الحكومة بإصلاحات حقيقية وشفافة، فإن لبنان لن يتلقى أي دعم لا عربياً ولا حتى أوروبياً.

*-  وكأنك تجزم بأن لا إمكانية لاعادة خفض الدولار؟

 – بالعودة إلى كيفية خفض الدولار اليوم فهذا الأمر يتوقف على مصرف لبنان الذي يجب أن يُبادر إلى وضع منصة الكترونية شفّافة يتم من خلالها تحديد سعر الصرف، وليس المصرف المركزي هو من يحدد السعر كما هو حاصل اليوم، مع ضرورة الإبقاء على سعرين للصرف، الأول هو السعر الرسمي الموجود 1507.5 من أجل دعم القروض الدولارية للمواطنين في المرحلة المقبلة، إضافة الى دعم المواد الأساسية (كالمحروقات و​الأدوية​ والطحين)، أما السعر الثاني فيكون عبر هذه المنصة، هذا فضلاً عن ضرورة إلغاء التعاميم الصادرة عن المصرف المركزي (13217،13215،13221)، والإبتعاد عن ضخ الدولار في الأسواق، وكل هذه الإجراءات يمكن أن تحصل في يوم واحد، وهذه الخطوات من شأنها خفض سعر صرف الليرة إلى نحو الـ 4000. ويجب ان يترافق ذلك مع وجود سلطة مسؤولة تشجع الاقتصاد الوطني وتصل الى حل مع صندوق النقد مما يعيد حكماً الدولار الى قيمة الـ 4000 ليرة ومع استمرار الإصلاحات اذا وجدت سيعود الدولار الى عتبة 1507,5 ليرة لبنانية.

*- هل من نصيحة توجهها الى المواطن اللبناني الذي يمتلك كمية قليلة من الدولار بين يديه في الوقت الحالي؟ا

– أنصح كل من يمتلك حالياً أي كمية من الدولار بالإحتفاظ بها قدر المستطاع، وبالتالي من لديه دولار في المصارف وتم حجزهم، فأنصحهم أيضاً بالاحتفاظ به وعدم سحبه بالليرة اللبنانبة إلا في الحالات الضرورية، أما من لديه ليرة لبنانية فأقول له “الله يعينك”.