15 July,2020

هل تنقذ الصين الدولار حتى تنقذ.. نفسها؟

بقلم خالد عوض

 

رئيس الإحتياطي الفديرالي الأميركي “جيروم باول”: من المستحيل بعد اليوم تسديد… الديون

الأزمة الإقتصادية التي خلفها وباء “كورونا” في مختلف أنحاء العالم أدت إلى تدخل غير مسبوق للمصارف المركزية لإنقاذ إقتصادات دولها. التدخل كان بنفس أسلوب إجراءات الأزمة المالية عام ٢٠٠٨، أي عبر شراء سندات سيادية عن طريق خلق كميات إضافية من العملة وهذا ما سمي وقتها بالتخفيف الكمي أو QE و (Quantitative Easing) . اليوم دخلنا في مرحلة يمكن أن توصف بالتخفيف الكمي اللامتناهي أي أن البنوك المركزية ستستمر بعملية شراء سندات خزينة دولها إلى ما لا نهاية، وهذا يعني أنها ستكمل في خلق العملة. هذا المسار الخطير الذي يسهل مسألة الإستدانة لكل حكومات العالم يمكن أن يؤدي الى إنهيار تام لكل العملات وأولها الدولار الأميركي.

وظيفة وحيدة متبقية للبنوك المركزية: طبع العملة!

 التخفيف الكمي أوصل مجموع ديون الدول في العالم اليوم إلى أكثر من مئة ألف مليار دولار وهذا أعلى من مجموع الناتج المحلي العالمي. ومهما نجحت الدول المستدينة من تحقيق نمو إقتصادي مضطرد فلن تتمكن في أي يوم من تسديد كامل ديونها ولا حتى نصفها إلا في حالة واحدة: تآكل قيمة عملتها مع الزمن. هذا يعني أن النمو الإقتصادي القوي مواكباً ببعض التضخم المالي هو العلاج الوحيد لأي دين حكومي تجاوز ١٠٠ بالمئة من الناتج المحلي. ولكن يجب أيضاً أن لا يزيد التضخم عن ٢ بالمئة سنوياً في أقصى حد وإلا ستزداد الأسعار بسرعة ويفقد الناس قوتهم الشرائية وتتفاقم المشاكل الإجتماعية. وحتى تتمكن الدول من لجم التضخم كانت بنوكها المركزية تلجأ عادة إلى رفع الفائدة على عملتها حتى تخفف من حماوة السوق. أما اليوم فأي رفع للفوائد سيفاقم الديون بسرعة ويستحيل بذلك تسديد الدين كما يستحيل تحقيق نمو مستدام لأن خدمة الدين ستأكل الموازنات. باختصار، كل عملات العالم وعلى رأسها الدولار مهددة في قيمتها في حال زاد التضخم لأن البنوك المركزية لم يعد باستطاعتها التدخل. الإشارات الأولية لكل ذلك بدأت تظهر في الإرتفاع المستمر لسعر الذهب الذي لامس منذ أيام أعلى مستوى له تاريخياً والحبل على ..الجرار. 

هل من قيمة لعملات اليوم بعد الآن؟

الرئيس الصيني “شي جين بينغ”: الدولار شر لا بد منه

 نظراً لحجم الديون غير المسبوق لا بد من دراسة سيناريو التضخم العالمي إذا حصل. هناك الكثير من الإقتصاديين والخبراء الماليين الذين يعتقدون أن معالجة أزمة الوباء لا تختلف عن إجراءات ٢٠٠٨ إلا من حيث الحجم. الفارق بالنسبة إليهم لا يتعدى عدة تريليونات (!) ضختها البنوك المركزية. وبالتالي فإن إحتمال إنفجار تضخمي هو مستبعد والتاريخ الحديث أفضل معلم. فكل ما حصل بعد أزمة ٢٠٠٨ يؤكد أن مستوى التنافسية المرتفع بين الدول الصناعية الكبيرة وأولها الصين بالإضافة إلى تراجع الطلب على كل شيء سيمنعان التضخم وبالتالي لا خوف حقيقياً من تدهور قيمة العملات. ولذلك فإن حجم الديون الكبير ما زال تحت السيطرة. مقابل هذه النظرية التي تعتمد على ما حصل عام ٢٠٠٨ وبعدها هناك من يعتقد أن الكلام عن أن حجم الدين ليس خطيراً هو إنكار لكل الأفكار والنظريات المالية والاقتصادية. فعندما يتخطى حجم الدين العام ١٣٠ بالمئة من حجم الناتج المحلي كما هو الحال اليوم في اليابان واليونان وإيطاليا والبرتغال والولايات المتحدة ويتجاوز ١١٠ بالمئة في كل من بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وكندا تكون دول العالم “الأول” دخلت في النفق نفسه الذي كانت تحذر دول العالم “الثالث” من الدخول فيه. وإذا طبقت اليوم شركات التصنيف الدولية الثلاث المعروفة المعايير نفسها على مجموعة السبعة (ما عدا ألمانيا)، وهي أهم دول مساهمة في صندوق النقد الدولي وأقوى اقتصادات في العالم بالنسبة للصندوق، التي كانت تعتمدها بالنسبة لدولة فاشلة، مثل لبنان مثلاً، فيجب عليها تخفيض التصنيف الإئتماني لهذه الدول إلى مستوى أقل من المستوى الذي يستحق الاستثمار فيه (Sub Investment Grade) . ولذلك نجد اليوم شركات “مودي” و”فيتش” و”ستاندردز اند بورز” حائرة في تقاريرها وفي تصنيفها للدول الغربية. واستطراداً يقول المعسكر الإقتصادي المتشائم إن قيمة العملات العالمية اليوم مهددة بالإنهيار أكثر من أي يوم مضى وخاصة في حالة حصول أي أزمة عالمية جديدة، طبية أو مناخية أو مالية.

صفقة صينية أميركية تنقذ الدولار والعالم من الإنهيار

 في ظل الخطر الحقيقي الذي يهدد عملات العالم والذي لن يوفر أي عملة مهما كانت قوية اليوم هناك قوتان اقتصاديتان معنيتان أكثر من أي وقت بأن تتصديا بسرعة لهذا الخطر: الولايات المتحدة والصين. ليس صحيحاً أن الصين لا تأبه إذا إنهار الدولار فاقتصاد الصين قائم أساساً على القوة الشرائية للدولار في الولايات المتحدة بل في العالم كله لأن الدولار ما زال يشكل ٦٢ بالمئة من العملات المتداولة في العالم. ولا شك أن هرولتها نحو طريق وحزام الحرير هو لخلق أسواق أخرى يمكن أن تعوض بها السوق الأميركي الكبير أو على الأقل نسبة منه. هذا المشروع يستلزم أكثر من ١٠ سنوات لكي يتبلور. وبالتالي من مصلحة الصين اليوم أن يستمر الإقتصاد الأميركي بعملته القوية لتصريف صناعاتها. ولذلك ما زالت الصين تشتري سندات الخزينة الأميركية أي تقرض الولايات المتحدة رغم كل الكلام عن محاولة تخفيف الإعتماد على الدولار. كما أنها قبلت بشروط الولايات المتحدة التجارية شبه التعجيزية. في المقابل تعرف الولايات المتحدة جيداً أن سياسة العقوبات المالية الصارمة التي تعتمدها بدأت تخيف الدول في العالم كله وبدأت كل دولة تبحث في سبل التخفيف من الإعتماد على الدولار، والخوف من الدولار يضعفه. ولا بد للولايات المتحدة الغارقة في الديون والتي هي بحاجة إلى أن يستخدم إقتصاد العالم الدولار ويشتري سندات الخزينة الأميركية، أن تبدأ مرحلة تخفيف بل إزالة العقوبات والبحث عن تسوية سياسية تحفظ لها موقعها وتحمي عملتها في الوقت نفسه. أحد الحلول لكل ذلك، والذي بدأ يلقى صدى صينياً وأميركياً، هو مشروع إعادة إعمار عالمي تساهم فيه الصين والولايات المتحدة تكون عملته الرئيسة هي الدولار وتحصل الصين من خلاله على حصة الأسد في التنفيذ وفي المواد والبضائع.


هذا المشروع لم يينع بعد ولكنه أحد البدائل القليلة اليوم إما عن مواجهات تجارية أو  عسكرية يمكن أن تنزلق إليها الدولتان بسرعة أو  عن تدهور في المستقبل القريب لقيمة الدولار وكل عملة أخرى .