27 November,2020

 موقف رجال الأعمال من الغاء الدعم عن المحروقات والأدوية والقمح في ظل الوضع  الاقتصادي المأساوي!

 

بقلم طوني بشارة

اسعار الأدوية تحلق مع رفع الدعم عنها

 في ظل الأزمة الخانقة التي يمر بها لبنان حالياً، وبالرغم من ضخامة تداعياتها نلاحظ تهرب القادة من تحمل المسؤولية ، إذ يتم إلقاء اللوم على الثورة والثوار وعلى جائحة “كورونا” دون اعتراف الجهات المسؤولة بأخطائها، أقله بما يتعلق بتبخر الودائع وما يشاع عن فلتان على الحدود ونهب للمساعدات.

فالبلاد  تعاني من ضائقة اقتصادية لا مثيل لها، ضائقة  ترافقت مع ارتفاع هستيري بالأسعار من قبل التجار بالرغم من وجود سلة غذائية مدعومة، الى جانب إقفال العديد من المؤسسات التجارية والسياحية وصرف مئات الآلاف من الموظفين، مما جعلنا جميعاً ضحية الجشع واللامبالاة وعرضة لمخاطر وتداعيات الفقر والعوز.

إزاء هذا الواقع أصدر وزير الاقتصاد لدى حكومة تصريف الاعمال راؤول نعمة  قراراً بإلغاء الدعم عن السلع المتعلقة بالإنتاج الحيواني والزراعي،  معتبراً أنه وبالرغم من الدعم لم تنخفض الأسعار بل ارتفع بعضها  ضعفين،  مشدداً على كون الدعم يشكل هدراً للمال العام، ولكن ما  هو موقف رجال الأعمال من  الوضع الاقتصادي المأساوي من جهة ومن هكذا قرار من جهة أخرى؟

“الأفكار” التقت رئيس جمعية المعارض والمؤتمرات رجل الاعمال ايلي رزق،  كما حاورت رئيس  اللجنة الاقتصادية لدى غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع الأستاذ طوني طعمة.

رزق والأزمةّ!

بداية مع رئيس جمعية المعارض والمؤتمرا ت الأستاذ ايلي رزق وكان السؤال المدخل:

 

*- لبنان يعاني حالياً من أزمة اقتصادية خانقة، بعض الجهات السياسية تعتبر أن الثورة وما تبعها من أزمات مصرفية وتداعيات جانحة “كورونا”هي التي أوصلتنا الى الوضع المأسوي، فما موقفكم من ذلك؟

 

يجب أن يعي الجميع أن ثورة 17 تشرين (اكتوبر) وما رافقها من نقمة شعبية هي نتيجة حتمية طبيعية لتهاوي الاقتصاد اللبناني  وتردي المستوى المعيشي الذي نعاني منه كمواطنين منذ فترة طويلة ، مما يدحض حكماً مقولة البعض إن الثورة هي سبب تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان. ما نعانيه من سنوات هو نتيجة فعلية للذهنية المتبعة في التعاطي بالشأن العام من قبل ست قوى سياسية مسؤولة بالتكافل والتضامن وهي ممثلة بالطوائف الثلاث وتضم الثنائي الشيعي- السنة – الدروز- القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. هذه القوى اتخمت الدولة بالفساد والهدر والتوظيف العشوائي.

وتابع رزق قائلاً:

– خلاصة الكلام: إن الإدارة في لبنان وعلى مر السنين كانت سيئة للغاية، على اعتبار أن زمام الأمور تم تسليمه الى زعماء الميليشيات، حيث أصبحت وعلى مر السنوات الماضية مؤسسات الدولة من عسكرية وأمنية وسياسية ورقابية ودستورية خاضعة لأهواء ورغبات هؤلاء الزعماء. لذا أعود وأشدد على أن القوى السياسية الستة عليها أن تتحمل بالتكافل والتضامن ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في لبنان.

*- وماذا عن جائحة “كورونا” وأثرها على الاقتصاد؟

– مما لا شك فيه أن كورونا ضربت كل الاقتصاديات العالمية، وتراجعت عائدات جميع الدول بسبب هذه الآفة. ولكن الدول التي تمتلك اقتصاداً قوياً ستعاود نشاطها وسيتعافى اقتصادها مع انخفاض حدة هذه الجائحة. اما لبنان فللأسف وبسبب اقتصاده المريض والمهترئ سنراه ينوء وينهار بسبب جائحة كورونا وتعافيه من هذه الجائحة سيكون مكلفاً للغاية.

تقسيم الغنائم!

*-  بالعودة الى الغنائم السياسية، من ساهم بتقسيمها على الطوائف والقوى الست التي أشرت اليها؟ ولماذا لم يتم تحديد أي دور اقتصادي للبنان؟

 

إتفاق الطائف السياسي قسم الغنائم على الطوائف وضم الميليشيات تحت سقف الدولة. وللأسف لم يتم خلال هذا الاتفاق تحديد أي دور للبنان من الناحية الاقتصادية، علماً أن لبنان بمقوماته قادر أن يكون اكبر قوة اقتصادية، لكن للأسف هناك مكون أساسي لبناني يتفرد بأخذ القرارات العسكرية وبالتالي بممارساته يفضل مصالح دولة إقليمية على مصالح الدولة اللبنانية ، الأمر الذي أدى الى خلل أساسي وساهم بتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية نتيجة للعقوبات ولتراجع الاستثمارات العربية والخليجية السياحية وذلك منذ عام 2010 أي تاريخ الانقلاب الشهير على حكومة الرئيس الحريري حتى اليوم. علماً أنه عام 2010 تخطت إيرادات الدولة من العائدات السياحية الـ 8.9 مليار دولار اما حالياً فلا تتعدى الـ 3.9  مليار .

*- في سياق حديثك أشرت الى وجود أسباب مباشرة للانهيار الاقتصادي فهل من الممكن تفنيدها ؟

 

– بالفعل هناك أسباب عديدة تتمحور حول  سوء إدارة القوى السياسية وعدم فقهها، على اعتبار أن جميع الأحزاب والقوى التي تبوأت على مدار السنين مراكز سياسية مرموقة لم تنفذ أي مشروع مجدي للشعب من ضمان شيخوخة مروراً بتأمين الاستشفاء او إقامة بنية تحتية سليمة للاستثمار. مما يعني أن لبنان كان ضحية لسندان الفساد ومطرقة الإرهاق. وهنا أود أن أشير الى أن القوى السياسية الست (حزب الله- حركة أمل – قوات – مستقبل – اشتراكي – تيار وطني حر) وعدوا المواطنين بالإصلاح ولكن ما نادوا به كان مجرد وعود من دون أي تنفيذ.

*- هناك تلويح من قبل الدولة بإلغاء الدعم عن بعض السلع كالقمح والدواء والبنزين، فما موقفك من هذا القرار ؟

 

إيلي رزق: الأفضل إلغاء الدعم الذي أدى حكماً الى نزف إضافي بالخزينة من دون اي مساهمة بتوزيع عادل لإفادة شرائح المجتمع كافة.

للأسف لطالما كان الدعم خاضعاً للفلتان الرقابي على المؤسسات ، فعلى سبيل المثال  نرى أن أصحاب الافران هم المستفيدون أساساً من الدعم على الطحين وذلك عن طريق استعمال الطحين المدعوم لصناعة الحلويات ، كما أن الدعم على المازوت لم يكن له أي أهمية تذكر بسبب التهريب الى سوريا، والأمر نفسه ينطبق على مسألة الادوية ، فكيف يتحدث البعض عن دعم لقطاع الدواء في لبنان طالما أن أسعار الادوية نفسها في تركيا على سبيل المثال أقل بكثير مما هي عليه في لبنان؟

وتابع رزق قائلاً:

– الدعم سبب نزفاً إضافياً في خزينة الدولة واستفادت منه جهات معينة دون سواها بسبب الغياب التام لأجهزة الرقابة. إذ كان يفترض بالدولة أن تؤمن مقابل الدعم شروط الحماية الاجتماعية والامن الغذائي لهذا الدعم، مما جعل المستفيد الأساسي من هكذا إجراء شريحة من المجتمع دون سواها. وبخلاصة الكلام من الأفضل الغاء الدعم الذي أدى حكماً الى نزف إضافي بالخزينة من دون اية مساهمة بتوزيع عادل لإفادة شرائح المجتمع كافة.

 

*-هل من حلول معينة مفترض اتباعها للقضاء على الفساد والهدر وسوء الإدارة؟

– يفترض تحرير المؤسسات من هيمنة الأشخاص، بمعنى آخر يجب الانتهاء من شخصنة النظام والتوجه نحو مأسسته.

*- ختاماً كيف تصنف انفجار بيروت وماذا عن مستقبل العلاقات بين لبنان والسعودية والدول الإقليمية من جهة ولبنان والمحور الإيراني الفرنسي من جهة ثانية؟

-انفجار مرفأ بيروت خضع لاعتبارات دولية مخابراتية، وما يفسر ذلك توافد الـ ” FBI” والجيوش الأجنبية الدولية. والهدف من ذلك طمس الحقائق التي قد تطال إسرائيل بالحجم نفسه الذي تطال به الجهات التي خزنت النيترات. المجتمع الدولي لا مصلحة له بإدانة إسرائيل كما أن الجهات اللبنانية لا مصلحة لها بإدانة من خزن هذه المواد، فالقضية ستطمس بالتوافق بين الجهات المعنية. اما بالنسبة للعلاقات الإقليمية، فلبنان لم يعد حاجة إقليمية او استراتيجية لرؤية المملكة العربية السعودية وذلك بسبب كثرة انشغالاتها بما يحدث على حدودها مع اليمن وعلاقتها مع دول الخليج واهتمامها بمعالجة مشاكلها الاجتماعية، فلديها أولويات اكثر أهمية من مشاكل لبنان .

وأضاف قائلاً:

– اللافت أن هناك توافقاً إيرانياً – فرنسياً على إدارة لبنان وعلى إعطاء الشيعة المزيد من المكتسبات والنفوذ في لبنان تحت رعاية  فرنسية، مقابل إعطاء فرنسا حصة مما سيتم اكتشافه من نفط وغاز. اما بالنسبة لعلاقة لبنان المستقبلية مع السعودية ستكون كعلاقتنا مع أي دولة أخرى. ولن يكون هناك أي تدخل مباشر من السعودية وذلك بناء لرغبة السعودية بعدم التدخل بالشؤون اللبنانية.

 

طعمة والهدر! 

أما طوني طعمة فقال:

طوني طعمة: نطالب بحكومة إختصاصين قادرة على رسم خارطة طريقة للدول المانحة ولصندوق النقد الدولي .

– يمر لبنان حالياً بوضع اقتصادي مأساوي كنتيجة حتمية تراكمية للسياسة المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة على مر السنين. سياسة يطغى عليها طابع الفساد والهدر والمحسوبية السياسية، ولا تتضمن اطلاقاً أي خطط أو رؤى او استراتيجيات اقتصادية بناءة وفعالة. وقد بات مؤكداً أن ثلث موازنة السنوات السابقة تم صرفه على قطاع الكهرباء، ذاك  القطاع المريض المهترئ الذي عانى ولا يزال من نزف مالي مميت، والثلث الآخر صرف على فؤائد الدين، أما الثلث المتبقي فخصص لتأمين معاشات موظفي القطاع العام، علماً أن هناك دراسات عديدة تظهر بأن هناك حوالي 48000 موظف لدى القطاع العام يتقاضون رواتبهم دون القيام بأية مهمة (إما أموات أو خارج البلد) مع العلم أن هناك موظفين بالقطاع العام يتمتعون بالكفاءة والنزاهة . كما أن القاضي مروان عبود ألمح مرات عدة الى وجود بطالة مقنعة لدى بعض مؤسسات القطاع العام ويعني بذلك تقاضي رواتب وأجور من قبل العديد من الموظفين دون القيام بأي عمل يذكر).

وتابع طعمة قائلاً: الى جانب الهدر والفساد والمحسوبية السياسية والبطالة المقنعة يمكن إضافة جائحة “كورونا” وما رافقها من إقفال جزئي لبعض القطاعات دون اتخاذ إجراءات او قرارات تصب لمصلحة المواطن  ولمصلحة ارباب العمل، مما ضاعف تأزم الوضع وفاقم من ترديه. وفي السياق ذاته يمكن إضافة حادثة انفجار المرفأ والاضرار البشرية والمادية والخسائر التي طالت الآلاف من المواطنين .لذا لا يمكن اطلاقاً اعتبار ما نعانيه حالياً من تردي وركود اقتصادي وليد ثورة 17 تشرين (اكتوبر) بل يمكن الجزم بأن الثورة أظهرت لا بل حددت ضخامة الهدر وحجم الفساد.

 

 إلغاء الدعم والمطالب

 

*- وزير الاقتصاد لدى حكومة تصريف الاعمال راؤول نعمة أصدر قراراً بإلغاء الدعم على السلع المتعلقة بالإنتاج الحيواني والزراعي، فكيف تصف هكذا قرار؟

– إن قرار وزير الاقتصاد لدى حكومة تصريف الاعمال القاضي بوقف الدعم هو قرار اعتباطي ومخالف لقرار الدعم الأساسي وغير دستوري. ويعتبر من الاعمال التصرفية في الظروف العادية وسيؤدي حكماً الى استحداث أعباء جديدة لا بل التصرف بإعتمادات مهمة مما سيؤثر على أوضاع البلاد السياسية –الاقتصادية والاجتماعية .

*- أشرت الى أن القرار غير دستوري فعلى ماذا ارتكزت؟

– الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال والأعمال التصرفية لا تدخل في نطاق تصريف الأعمال ولا يجوز دستورياً للحكومة المستقيلة القيام بها وبالتالي القرار يعتبر غير دستوري.

 

*- ما تأثير ذلك على الواقع الزراعي؟

– كقطاع زراعي نستورد مواد أولية زراعية بقيمة تفوق الـ 150 مليون دولار وانتاجنا يفوق الـ 1.5 مليار دولار. نحن لا نطالب بإعطائنا أموالاً من حسابات الدولة ولكن نطالب برفع اليد عن حسابات الشركات المستوردة للأسمدة الكيماوية المجمدة لدى المصارف ونتمنى دعم الأسمدة والبذور وإعطاءها بأسعار تشجيعية للمزارع.

 

*- هل من اقتراحات معينة او مطالب تراها ضرورية لمعالجة الوضع المتردي او على الأقل للحد من تداعياته السلبية ؟

– نطالب أولاً بتشكيل حكومة مستقلة قادرة على وضع خطط اقتصادية واضحة. حكومة اختصاصين قادرة على رسم خارطة طريقة للدول المانحة ولصندوق النقد من اجل استرداد الثقة وتأمين الأموال اللازمة ، الى جانب المقدرة على ضبط الحدود منعاً للتهريب.الى جانب ذلك لا بد من اعتراف بعض اركان السلطة الحاكمة بالمشكلة والقيام بتوصيفها وتحديد الاخطاء الحاصلة وتصريحهم بتحمل المسؤولية ومن ضمنها مسؤولية انفجار المرفأ ، مما يعني الاعتراف بالمشاكل ووقف المكابرة وتوضيح أسباب الانفجار ومعالجة الوضع الصحي لكورونا بشكل حقيقي بعيداً عن البروباغندا الإعلامية. كما ونطالب أيضاً بتنقية القطاع العام وتطبيق الحكومة الالكترونية وذلك لمكافحة الفساد والقضاء على الهدر وتخفيف الأعباء على الدولة من جهة وعلى المواطن من جهة ثانية. ناهيك عن إستقلالية القضاء وتطبيق القضاء العادل وتوفير الامن وحصر السلاح بيد الدولة على اعتبار أن غياب الامن وانتشار الفلتان يؤثر سلباً على الاقتصاد المرتبط حكماً بالامن ، فمن دون أمن لا يمكن الحديث اطلاقاً عن ازدهار اقتصادي .

وختم طعمة حديثه قائلاً:

– كما أتوجه الى الشعب اللبناني وبخاصة الفئة الشابة التي اثبتت مدى انسانيتها وحبها لأرض الوطن وذلك من خلال  اندفاعها للمساعدة بعيد انفجار المرفأ. وأدعوهم الى التعلق بالوطن لأن لبنان الجديد آتٍ لا محالة وسيبنى من خلال سواعدهم. وفي حال كان لديهم رغبة ببناء لبنان كما يحلمون عليهم التثبت بالارض وعدم الهجرة والمساعدة على بنائه لكي لا تتكرر أخطاء اسلافنا.