28 September,2020

موازنة 2020 أقرت في ظروف دستورية ملتبسة فهل يتوافر 10 نواب للطعن بها أمام الدستوري؟

لو كان القيمون على كتاب <غينيس> لتسجيل الأرقام القياسية يهتمون بالشأن السياسي لكانوا سجلوا رقماً قياسياً في الموافقة على مشروع موازنة 2020 في جلسة نيابية لم تمتد أكثر من أربع ساعات ولم يتحدث فيها أكثر من ستة نواب. إنها المرة الأولى في التاريخ السياسي الحديث للبنان يتم فيها التصويت على موازنة بهذه السرعة بعدما كانت عملية مناقشة النواب لمشاريع الموازنة تأخذ ثلاثة أيام على الأقل وأحياناً تجاوزت المناقشات الخمسة أيام! طبعاً يُسجل للرئيس نبيه بري انه نجح في تمرير موازنة 2020 بأقل نقاش نيابي ممكن، لا بل مرت من دون نقاش كما كان يحصل دائماً، والنواب الـ34 الذين سجلوا أسماءهم للتكلم في مناقشة الموازنة، <مان> عليهم الرئيس بري ونزل العدد الى ستة نواب قالوا كلاماً قليلاً ــ على غير العادة أيضاً ــ لكنهم لم يناقشوا في أرقام الموازنة لأن الحكومة التي أعدتها لم تعد موجودة، والحكومة التي تمثلت برئيسها حسان دياب وحده دون أي وزير آخر لم يكن لديها ما تقوله في موازنة لم يكن لها أي رأي فيها، إلا انه حيال إصرار نواب <المستقبل> على ان يعلن الرئيس دياب تبنيه لمشروع الموازنة، اضطر رئيس الحكومة للقول بأنه لو لم يكن يتبنى المشروع لما حضر الى مجلس النواب، وقال كلمة ركز فيها على الاستمرارية في الدولة ومؤسساتها الدستورية. وهنا أيضاً سجلت سابقة إذ ناقش المجلس موازنة غاب من أعدها بفعل الاستقالة، ولم يكن في استطاعة من خلف الحكومة الراحلة أن يقول شيئاً عنها أو فيها. وهكذا مرت الموازنة في جلسة <عجيبة غريبة> نجح الرئيس بري في تجاوز <أفخاخها> والعوائق التي برزت قبل انعقاد المجلس النيابي بنوعيها السياسي والأمني، لأنه لولا الاجراءات التي اتخذها الجيش والقوى الأمنية في اقفال مداخل الشوارع المؤدية الى ساحة النجمة لتمكن <الثوار> من تعطيل الجلسة كما حصل قبل ثلاثة أسابيع، لكن قائد الجيش العماد جوزف عون <وفى> بوعده للرئيس بري بتأمين حماية النواب والجلسة وهكذا كان…

وفي هذا السياق، أكد مصدر وزاري كان شارك في إعداد الموازنة ان ما حصل كان حاجة ضرورية لا بد منها، وان اقرار الموازنة جرى لضمان انتظام عمل المؤسسات الدستورية اضافة الى الادارات والمؤسسات العامة والرسمية مروراً بشؤون المواطنين من خلال العديد من المواد التي تضمنتها الورقة الاصلاحية التي ولدت على اثر انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

هل الجلسة دستورية؟

وإذا كانت قد تحققت في إقرار الموازنة أهداف التصويت لها وبهذه السرعة القياسية، إلا انه بقيت مسألة عدم دستورية ما حصل موضع أخذ ورد في الأوساط السياسية بين فريق اعتبر انعقاد الجلسة دستورياً، وفريق آخر رأى فيها تجاوزات للدستور لاسيما لجهة ضرورة حصول الحكومة الجديدة على الثقة أولاً ثم مثولها أمام المجلس لاقرار الموازنة. والذين سجلوا اعتراضات دستورية استشهدوا بما قاله الرئيس بري من انه <عمل السبعة وذمتها> لانعقاد الجلسة، إضافة الى دعوته النواب الى اختصار كلماتهم لانهاء المناقشة في جلسة واحدة، لأنهم إذا خرجوا من قاعة المجلس فسيكون من الصعب عودتهم إليها بسهولة بسبب التحركات الشعبية المعترضة على انعقاد الجلسة والتي لفّت محيط مجلس النواب ومداخله. وثمة من قال من بين المعترضين ان اقرار مشروع الموازنة في مجلس الوزراء يحتاج الى ثلثي أعضاء الحكومة، في حين ان الحكومة الحالية لم تناقش المشروع ولم تدرسه ولم تصوت عليه. وبالتالي فإن نظرية استمرارية السلطة التي بررت طرح الموازنة على مجلس النواب، لا تأتلف مع الواقع الدستوري، الأمر الذي دفع ــ كما يقول المعترضون ــ الرئيس بري الى التسلح بمقولة <المجلس سيد نفسه> وبالمادة 16 من الدستور التي أناطت صلاحية التشريع بالمجلس. أما بالنسبة الى انعقاد جلسة الموازنة خارج العقدين العاديين لمجلس النواب، فإن هذه المقولة لم تصمد طويلاً لأن المجلس في دورة استثنائية منذ استقالة الحكومة، وبالتالي فإن الجلسة ممكنة في هذا الواقع. لكن المعترضين اعتبروا ان وجود المجلس في دورة استثنائية أراده المشترع ليتمكن من

منح الثقة لدى تشكيل أي حكومة جديدة بحيث لا تضطر الى انتظار عقد عادي لذلك، وهذا الاستثناء محصور فقط بمنح الحكومة الثقة ولا يمكن <تجييره> لدرس الموازنة واقرارها.

ولوحظ ان الرئيس بري اعتمد على كون حكومة الرئيس دياب في مرحلة تصريف الأعمال بانتظار نيلها للثقة، تماماً كما كانت عليه حكومة الرئيس الحريري التي أعدت الموازنة وأصبحت تصرّف الأعمال، وبالتالي فان الوضع الحكومي هو نفسه، أي ان الحكومة تصرف الأعمال فحسب، علماً ان ثمة من قال بعدم جواز هذا الموقف وان الحاجة الى حكومة كاملة الاوصاف لتتحمل مسؤوليتها في اعتماد موازنة لم تضعها وتتصرف على أساس أنها لها، وفي ذلك أكثر من خطأ سياسي ودستوري في آن لأن حكومة دياب تحملت مسؤولية عن حكومة الحريري وسوف تصرف اعتمادات موازنة لم يكن لها أي رأي في اعدادها!

الطعن وارد أمام المجلس الدستوري!

في أي حال، مرت الموازنة بأقل ضرر ممكن، وبقي المعترضون على شرعية انعقاد الجلسة على رأيهم، فيما تمسك أصحاب الرأي الآخر بموقفهم، وأصبح الجدال صفحة مطوية إلا إذا قرر عشرة نواب الطعن بالموازنة بعد صدور قانونها وذلك أمام المجلس الدستوري لاسيما وان لدى هؤلاء أكثر من حجة لتقديم الطعن وحظوظ الفوز به ليست قليلة. ويتقدم هؤلاء النواب رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل ورفيقاه النائبان نديم الجميّل والياس حنكش، وعلى النواب الثلاثة مسؤولية جمع تواقيع سبعة نواب آخرين <ليكتمل النقل بالزعرور> ويقدم الطعن الى المجلس الدستوري الذي سيكون أمام خيارين صعبين، الأول قبول الطعن وبالتالي إبطال العمل بالموازنة وهذا أمر صعب ودقيق للغاية، وإما رفض الطعن مع ما يمكن أن يحمله هذا القرار من ملابسات لها تداعياتها السياسية والاجتماعية. وتتوقع مصادر نيابية ان يرتكز الطعن ــ إذا ما قدمه 10 نواب ــ على نقاط عدة أبرزها عدم دستورية انعقاد الجلسة في ظل حكومة تصريف أعمال لم يحضر إلا رئيسها وحيداً، وعدم المصادقة على قطع الحساب كما حصل في السنوات الماضية لعدم انجازه بعد لدى ديوان المحاسبة، وعدم موافقة مجلس الوزراء الحالي على مشروع الموازنة إذ لا يكفي أن يتبنى الرئيس دياب شفهياً  – بعد إلحاح النواب – موازنة لم يدرسها لا هو ولا أي من وزرائه…

وفي هذا الإطار تقول مصادر الرئيس دياب انه كان على يقين بأنه لن يستطيع العمل من دون موازنة لذلك استجاب لطلب كتلة <المستقبل> النيابية ووافق على تبني الموازنة، خصوصاً مع بروز خوف من انه في حال عدم اقرارها في الوقت المحدد فإن المجلس النيابي قد لا يتمكن من اقرارها لاحقاً، فضلاً عن صعوبة اقناع مجلس النواب التصويت باعتماد قانون الاثني عشرية لاسيما وان الرئيس بري عارض امكانية اللجوء الى هذه الخطوة علناً مفضلاً عدم الوصول إليها.

 

ايجابيات..!

وعلى رغم اقرار أكثر من طرف بأن الموازنة التي وضعتها حكومة الرئيس الحريري لم تعد صالحة مئة بالمئة لاعتمادها خلال العام 2020 لأن الظروف التي وضعت فيها تغيرت بشكل جذري بعد <ثورة 17 تشرين>، وهو أمر انسحب على أمور كثيرة في البلاد وليس على الموازنة فقط.. على رغم ذلك فإن في الموازنة ايجابيات لا يجوز اغفالها لعل أبرزها: اعطاء فترة سماح لأصحاب القروض المدعومة مدتها 6 أشهر حيث ستجمد المصارف الاجراءات التي كانت تتخذها في حال التخلف عن الدفع كإلغاء الفائدة المدعومة والملاحقة القانونية والغرامات المالية، كذلك من الايجابيات رفع سقف ضمان الودائع من 5 ملايين ليرة الى 75 مليون ليرة، وتحويل كافة واردات الخلوي من الشركتين وبعد حسم قيمة الرواتب الى الخزينة مباشرة ما يمنع أي وزير للاتصالات من التحكم بأموال الاتصالات الخلوية من خلال الرعايات والعقود المشبوهة وغيرها… كما لحظت الموازنة تحويل كافة واردات المرفأ الى الخزينة منعاً لأي عمليات ملتبسة، وتمديد مهل الاعفاءات من الغرامات الضريبية وغيرها من التسويات والرسوم التي لم تستفد منها الشركات في الأشهر الأخيرة من العام 2019 نظراً للظروف التي كانت سائدة، ويمتد التمديد الى ستة أشهر.

تجدر الإشارة الى ان لجنة المال والموازنة النيابية التي يرأسها النائب ابراهيم كنعان لم تقر الموازنة الحالية <على العمياني> كما يحلو للبعض ان يقول بل درستها على مدى أسابيع وعدلت في الكثير من موادها وخفضت الايرادات بحوالى 6400 مليار ليرة والنفقات بحوالى 800 مليار ليرة، وبالتالي فإن هذا الخفض هو الحد الأقصى الذي يمكن بلوغه في ظل المعطيات الراهنة. واعتبرت الموازنة بأنها الأكثر تقشفاً لكنها تفرض عملياً وضع خطة لإعادة هيكلة خدمة الدين العام التي تبلغ كلفتها 9 آلاف مليار ليرة، وتوضيح مسار السلفة المحددة لمؤسسة كهرباء لبنان والبالغة قيمتها مليار دولار.

يذكر ان نسبة العجز في الموازنة تبلغ حوالى 7 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي مع توقعات بأن تصل النفقات الى 18,232 مليار ليرة (12,1 مليار دولار)، يضاف إليها سلفة لمؤسسة كهرباء لبنان بحوالى مليار دولار، على أن تتقلص الايرادات الى 13395 مليار ليرة (8,9 مليارات دولار).

في أي حال، يرى فريق من المعنيين بأن اقرار الموازنة ضمن المهلة الدستورية يمثل رسالة ايجابية الى الخارج تعكس اصرار حكومة دياب، كما مجلس النواب، على التقيد بالاستحقاقات وتجنب اجراءات أكثر اضراراً، وإن كانت أرقام الموازنة قد أضحت وهمية ولا تعكس الوضع المالي الحقيقي للخزينة اللبنانية!