5 August,2020

مهمة "لودريان" في بيروت: لا "سيدر"من دون إصلاحات واتفاق مع صندوق النقد!

وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان” ضيف الرئيس ميشال عون: ساعدوا أنفسكم حتى نساعدكم

 توصيفات زيارة وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان” الى بيروت الاسبوع الماضي، سبقته الى العاصمة اللبنانية من كثرة ما تناولت وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ما ستكون عليه زيارة رأس الديبلوماسية الفرنسية وأحد أبرز أصدقاء لبنان في فرنسا واوروبا…. لذلك لم يتفاجأ المسؤولون اللبنانيون بـــ ” لهجة ” الزائر الفرنسي التي وإن غلفتها الديبلوماسية، الا انها كانت حادة في محطات، ولينة في محطات اخرى، لكن العنوان الابرز لها ظل هو هو في كل المحطات. ولأن “العتب على قدر المحبة”، ابرز “لودريان” عتبه على المسؤولين اللبنانيين وخاطبهم بصراحة متناهية، وكاشفهم بما يعتمل في قلبه وقلب الرئيس “ايمانويل ماكرون” من محبة للبنان ومن خوف على مستقبله، و”زعل” على عدم مبالاة اللبنانيين ورؤيتهم وطنهم “يتجه نحو الهاوية”- كما قال لودريان- من دون ان يفعلوا شيئاً مفيداً يوقف التدهور ويعيد إحياء الاقتصاد والتعافي المالي.

 ما قاله “لو دريان” عند الذين زارهم في قصر بعبدا او في مقر الرئاسة الثانية او في السرايا ووزارة الخارجية لم يختلف وهو تعمد تسجيل ملاحظاته على وريقات صغيرة كان يضعها امامه للعودة اليها، وعند الضرورة يسأل السفير الفرنسي “برونو فوشيه” الذي لازمه في كل الزيارات التي قام بها. وبالتالي فإن رسالته الى الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وحسان دياب كانت واحدة، وكذلك ما قاله عند “صديقه ناصيف” وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتي. في كل الزيارات أراد “لو دريان” القول إن مجيئه الى بيروت في هذه الظروف الصعبة، يعكس مدى تعلق فرنسا بلبنان ورغبتها في مساعدته للخروج من محنته، وهو بذلك اول مسؤول دولي رفيع يزور العاصمة اللبنانية الغارقة في ضيقتها الاقتصادية والمالية وتداعيات النزوح السوري الى لبنان…. فضلاً عن همّ “كورونا” الذي عاد منسوب القلق الى الارتفاع مع ازدياد عدد المصابين يومياً….

 لم يأخذ “لو دريان” وقتاً طويلاً للتأكيد على ما يجمع بين البلدين من صداقة متجذرة في التاريخ لانه يعرف ان مضيفيه يعرفون هذه الحقيقة “ويتغنجون” على “الام الحنون” باستمرار منذ ان غادرت لبنان بعد الاستقلال الناجز.

 

هذا ما قاله “لودريان”

 لكن “لودريان”، في المقابل، قال للمسؤولين اللبنانيين انه يحمــــل الهم اللبناني اينمـــا حلّ (وهو العائد حديثاً من زيارة الى العراق)، وكذلك يفعل الرئيس “ماكرون” الذي حمله رسالة الى الرئيس عون عكست تضامناً ورغبة اكيدة في التعاون والمساعدة والدعم. ذكر “لو دريان” مضيفيه سريعاً بالاهتمام الفرنسي بالمدارس الفرانكوفونية في لبنان وتصميم بلاده على منع انهيارها من خلال مساعدات مادية ستقدم مباشرة اليها، وذكر بالدعم الذي قدمته فرنسا للمساعدة في مواجهة وباء “كورونا”، والمساعدات الانسانية التي بلغت 50 مليون يورو لدعم اللبنانيين. قال “لودريان” كل ذلك بمثابة مقدمـــة دخل بعدها في “صلب الموضوع” الذي اتى من اجله الى بيروت، وقال : “لا اخفي عليكم اننا قلقون على الوضع في لبنان نتيجة التدهور الاقتصادي والاجتماعي في هذا البلد الصديق والشقيق. نعم قلقنا مبرر لانه مع ادراكنا لما تقدمونه الى النازحين السوريين من رعاية ارهقت موازنتكم، نريد ان نذكــــركم بـأن مؤتمر “سيدر” الذي عقد في باريس العام 2018 خصص مشاريع بقيمة 11 مليار دولار من الدول الحاضرة، ثم عدت ونظمت اجتماعاً في كانون الاول ( ديسمبر) 2019 لمجموعة الدعم الدولية للتأكيد على ان فرنسا والشركاء في “سيدر” على الموعد، وكانت بلادكم تشهد آنذاك تظاهرات وتحركات شعبية واعتراضات، وكانت رسالتنا اليكم التأكيد على التزامات “سيدر” المرتبطة بشكل اساسي بوضع الاصلاحات التي وعدتم بها في المؤتمر الاول موضع التنفيذ. وها نحن لا نزال ننتظر هذه الاصلاحات التي من دونها لا مال نعطيكم ولا مشاريع استثمارية. المال جاهز… 11 مليار دولار، المهم ان تجهزوا انتم وتحققوا الاصلاحات التي سوف تحرك الالتزامات المالية… وغير ذلك لن يحصل شيء. وكما قلت في البرلمان الفرنسي ساعدونا لنساعدكم. مع الاصلاحات التي ننتظر اقرارها يجب متابعة التفاوض مع صندوق النقد الدولي للوصول الى اتفاق معه واذا لم يتحقق ذلك، لن يأتي احد لمساعدتكم من دون الاتفاق مع الصندوق. المفاوضات حالياً معلقة وانا اعتقد انكم يجب ان تفعلوا كل ما في وسعكم لوضع الاصلاحات موضع التنفيذ”.

 ولأن “لودريــــان” مطلع على كل تفاصيل الوضع اللبناني، اكمل حديثه امام مضيفيه ليقول: “إن التدقيق الجنائي الذي اقترحتم اجراءه مسألة مهمة في موضوع الاصلاحات لكني اريد ان اراه وقد تحقق. انا انتظر افعالاً. سعدت بقرار التدقيق، لكن سأكون اكثر سعادة ان نفذ كما يجب. تتحدثون عن مكافحة الفساد وهذا عمل مهم، لكن الاهم ان نراه منفذاً كما يجب وإلا فإن علامات استفهام ستطرح حول ما تريدون فعله، والمساعدة الدولية لن تصل. كل العالم يريد مساعدة لبنان وانا اعرف ذلك، لكن المهم النتائج حتى تتم المساعدة، ثم اصلاحات مثل الكهرباء وغيرها لم يحصل شيء عملي. يجب العمل لوضع هذه الاجراءات موضع التنفيذ فهذا شرط اساسي كي تكون فرنسا والشركاء على الموعد. هذا مهم لمستقبل لبنان الذي يمر في ظروف صعبة، وجئت الى بيروت لاقول لكم هذا الكلام… هذه رسالة الجمهورية الفرنسية ورئيسها”.

 

“سنكون على الموعد اذا…”

 وفي كل مرة كان الحديث يتشعب مع “لودريان”، كان يحرص على العودة الى الاساس وهو ضرورة تطبيق الاصلاحات والاتفاق مع صندوق النقد الدولي لتحرر التزامات “سيدر” ويستفيد منها لبنان، وهو حيا مراراً الجهود المبذولة للخروج من الازمة ولمكافحة الفساد، لكنه كان يعود ليكرر ان بلاده ستكون “على الموعد” كما كانت دائماً، لكن المهم الاصلاحات والتفاهم مع صندوق النقد الدولي، ومن دون ذلك لا مساعدات ولا مال! وعبّر “لودريان” مراراً عن استعداد بلاده لمساعدة لبنان وتقديم الخبرات اللازمة اذا شاءت الحكومة اللبنانية ذلك، لان لبنان عزيز علينا جدا ورسالتي لكم ان تسرعوا في تنفيذ الاصلاحات”.

 ودفعت صراحة “لودريان” الى حد ابلاغ المسؤولين اللبنانيين ان عملية التمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب لن تكون سهلــــة الشهر المقبل، وعلى لبنان ان ينخرط اكثر في دعم “اليونيفيل” لتحقيق مندرجات القرار 1701 مع الاخذ في الاعتبار بعض الموجبات الميدانية التي تعزز الاستقرار. لم ينس “لودريان” ان يقول إن القوة الفرنسية المشاركة في “اليونيفيل” هي اكبر قوة فرنسية تعمل خارج فرنسا في مهمة حفظ السلام ترعاها الامم المتحدة ومن الضروري السهر على عدم حصول حوادث على الارض سببها مخالفة مضمون القرار 1701.

 وعنـــدما كان “لودريــــان” يسمع مدى تعويل لبنان على مساعدة فرنسا، كــان يجيب بحزم: “نحن جاهزون للمساعدة والدعم، ولكن عليكم تطبيق اقوالكم عن الاصلاحات بالافعال و 11 مليار دولار تحت تصرفكم وهذا مبلغ غير قليل… نحن مستعدون للمساعدة في كل شيء حتى في “اكاديمية الانسان للتلاقي والحوار” التي يريدها لبنان، لكن حققوا الاصلاحات واتفقوا مع صندوق النقد وستحصلون على كل شيء…. فأنا لا أمزح”.

 ولعل ما قاله “لودريان” مع المسؤولين الرسميين، قال مثيلاً له ولكن بطريقة اكثر ديبلوماسية مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي شرح له نظرية الحياد التي اطلقها ودعا الحكومة اللبنانية الى اعتمادها، الا ان الذين تابعوا تصريحات “لو دريان” بعد زيارة بكركي لاحظوا انه لم يستعمل عبارة “حياد” وتمسك بعبارة “النأي بالنفس” التي التزمتها الحكومات المتعاقبة منذ بدء الحرب السورية في زمن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وفي هذا التمييز دلالة على ان شعار “الحياد” له عند الفرنسيين مفهوم آخر يختلف عن المفهوم لدى البطريرك ومن ايده في هذا الخيار من سياسيين ورجال دين، وثمة من قال ان “لودريان” شدد على ضرورة مبادرة الحكومة والحكم الى تصحيح علاقة لبنان بعدد من الدول العربية، لاسيما تلك التي ساهمت في مؤتمر “سيدر”، اضافة الى تشديده على مواصلة الدعم للجيش والقوى الامنية الاخرى للحفاظ على الاستقرار وتمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل اراضيها. اما لماذا لم يجتمع الزائر الفرنسي بالقيادات السياسية غير الرسمية فإن الجواب اتى من مصدر ديبلوماسي فرنسي بأن “لودريان” جاء الى بيروت في مهمة محددة وقد حرص الا يقحم مهمته في لقاءات يفهم منها انه يقوم بمساعي معينة وهو لا يريد بالتالي ان يصرف النظر عن اهداف زيارته المحصورة في تذكير القيادات اللبنانية بضرورة تنفيذ الوعود التي اطلقتها خلال مؤتمر “سيدر” وتحقيق الاصلاحات والاتفاق مع صندوق النقد الدولي، لأنه من دون ذلك لا مال ولا مساعدات ولا من يساعدون….