23 January,2021

من ضغط على "الفاريز ومارسال" لتنسحب من التدقيق الجنائي المالي في مصرف لبنان؟

الرئيس ميشال عون يستقبل جيمس دانيال على رأس وفد من شركة الفاريز ومارسال.

 علامات استفهام كثيرة رسمت بعد اعلان شركة “الفاريز ومارسال” انسحابها من تسلم ملف التدقيق المالي الجنائي في حسابات مصرف لبنان بعدما كلفها مجلس الوزراء بهذه المهمة ووقعت اتفاقاً مع وزارة المال لهذه الغاية. السبب المعلن من الشركة انها لم تتسلم بعد المستندات المطلوبة من حاكمية مصرف لبنان لتتمكن من مباشرة مهامها، وهي وان تسلمتها لن تكون قادرة على القيام بهذه المهمة، علماً ان اتفاقاً كان تم قبل اسبوع من الاعتذار، على تمديد المهلة ثلاثة اشهر اضافية كي تتمكن من الحصول على المستندات المطلوبة.

“انها انتكاسة” لمسيرة التدقيق المالي الجنائي الذي هو مطلب اساسي في اطار الاصلاحات المنشودة ومكافحة الفساد، فضلاً عن ان هذا التدقيق ورد في مطلع المبادرة الفرنسية التي وافقت عليها القيادات اللبنانية في “قصر الصنوبر” خصوصاً وجود الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” في بيروت. في شهر آب (غسطس) الماضي وكان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يعلق الامال الكبيرة عليها بأنها ستعيد الثقة الى البلاد التي انتهكت عذريتها خلال الاشهر الماضية ولم يبق احد الا “وبل” يده فيها وزايد واستغل واستثمر….

والواقع ان الدولة اللبنانية رئيساً وحكومة ومجلساً نيابياً فوجئت بقرار الشركة لاسيما وان الكلام مع ممثلها في بيروت “جيمس دانيال” كان انتهى الى الاستعداد لاستكمال المهمة المطلوبة بالشروط نفسها مع تعهد من الحكومة بتذليل العقبات امام عملها ولو اضطر الامر الى تعديل قانون النقد والتسليف من جهة، او التصويت على قانون يقضي برفع السرية المصرفية عن الحسابات المطلوب التدقيق فيها. وهذه المسألة كانت مدار جدل سياسي طويل لم ينته بعد وقد لا ينتهي في المدى المنظور… الا ان الحقيقة تفرض القول إن المسؤولين الذين فوجئوا بكتاب الشركة كانوا يخشون قبل ايام من وصول الكتاب من موقف سلبي وقد وصلت مؤشراته قبل يومين من ارسال الكتاب.

ويروي احد المطلعين على ما حصل ان “دانيال” كان يمضي سهرة في احد مطاعم مدينة زحلة وهو يتحدث الى من كان معه على الطاولة واكثر من شرب الخمرة وقال لمن كان معه: “لن نكمل الطريق… سنعتذر عن التدقيق وننسحب”. الذين كانوا معه فوجئوا بهذا الموقف وحاولوا الحصول على مزيد من المعلومات خصوصاً ان الحكومة كانت مددت ثلاثة اشهر للشركة بعد موافقة “دانيال” نفسه. وصل الخبر الى بيروت في اليوم التالي، فحاول وزير المال غازي وزني الاتصال بالسيد “دانيال” للاستعلام منه عن حقيقة ما قاله، لكن ممثل الشركة لم يرد على اتصالات الوزير التي استمرت من يوم الاربعاء الى يوم الجمعة حين وصلت الى وزارة المال رسالة الشركة بالانسحاب والمطالبة بما يستحق لها من تعويضات تبلغ 150 الف دولار من اصل مليونين و20 الف دولار، قيمة الاتفاق، اضافة الى مصاريف اقامة ممثلي الشركة في بيروت وغيرها من المصاريف النثرية….

ضغوط من الخارج؟

الوزير غازي وزني يستوضح من جيمس دانيال حقيقة قرارها بالانسحاب.

وعلى رغم المحاولات التي اجريت لثني الشركة عن قرارها، الا ان ذلك لم يكن سهلاً ما زاد في تعقيد الاوضاع المالية المعقدة اصلاً وسعت مراجع رسمية الى معرفة الاسباب الحقيقية لهذا الموقف المفاجىء وان كانت الشركة قالت انها لم تحصل على المعلومات اللازمة ما يعني ضمنياً ان الجانب اللبناني ليس جدياً في التحقيق، وان الشركة لا تريد ان تدخل في مستنقع الخلافات اللبنانية التي عاشتها الساحة اللبنانية من نقاشات حول رفع السرية المصرفية وتعديل قانون النقد والتسليف. واوردت جهات متابعة سبباً آخر قالت انه قد يكون من اسباب الانسحاب وهو وجود خشية لدى الشركة من ملاحقة قانونية من بعض المتضررين من التدقيق، لاسيما اذا تم تسريب معلومات على غرار ما حصل مع لائحة الاسئلة التي ارسلت الى مصرف لبنان، فقد تقاضى الشركة جزائياً وبالتالي اذا صح هذا السبب فيكون اعترافاً منها بوجود اشكالية على هذا الصعيد. الا ان ثمة من رجح وجود ضغط خارجي على الشركة من قوى سياسية خارجية لتنسحب من “السوق اللبنانية”، علماً ان مسألة التدقيق الجنائي كما ورد آنفاً هي البند الثاني في ورقة الطريق الفرنسية. وثمة من قال في هذا الاطار ان مسألة التدقيق دخلت في اطار الصراع الفرنسي- الاميركي حول الملف اللبناني ما يعني ان انسحاب “الفاريز ومرسال” ( ومقرها الاساسي في نيويورك) ضربة اميركية لفرنسا في هذا الملف! ولا يستبعد رسميون ان يكون انسحاب الشركة من باب زيادة الضغط على لبنان خصوصاً ان هذا التحقيق اصبح اساسياً في الازمة التي يعاني منها، ففضلت بعض الدول ان يبقى لبنان في ازمته اذ لم يحن الوقت بعد لحلها، وبالتالي قد تكون مورست ضغوط على الشركة للانسحاب.

ويرى مطلعون ان الاسباب اعلاه قد تكون متداخلة بعضها مع البعض الاخر وليست سبباً واحداً، لكن النتيجة واحدة وهي انسحاب الشركة من التدقيق وتوقف هذا العمل الاساسي على طريق الاصلاحات المنشودة، علما ان ثمة من يرجح حصول ضغط خارجي على “الفاريز ومارسال” للانسحاب من اجل ابقاء الوضع على حاله وعدم التجاوب مع المطلب الفرنسي الاساسي لمسيرة الاصلاحات، لاسيما وان ثمة شركات اخرى تتعاطى التدقيق الجنائي قد تفضل عدم الدخول في هذا الملف على قاعدة المثل القائل “ما مت ما شفت مين مات” خصوصاً ان الخلافات السياسية قد فعلت فعلها في هذا الملف الحساس الذي لا يزال يتفاعل سلباً على اكثر من صعيد.

 

عون لن يتراجع

يبقى السؤال ماذا عن المرحلة المقبلة؟

حرص الرئيس عون في رسالته عشية عيد الاستقلال على التأكيد على اهمية التدقيق الجنائي في رسالة منه الى المعنيين بأن لا تراجع عن هذه الخطوة واعداً اللبنانيين بعدم التنازل عن اي حق للبنان، وذهب الى حد اعتبار ما حصل بعد قرار الشركة “انتكاسة لمنطق قيام الدولة والمكاشفة والمحاسبة والشفافية لأن التدقيق الجنائي مدخل كل اصلاح وهو قادر على كشف مكامن الفساد والهدر وتبيان اسباب الانهيار المالي والمسؤولين عنه خصوصاً انه كان مقرراً ان ينسحب على كل الوزارات والادارات والمؤسسات بعد المصرف المركزي وعبثاً نحارب الفساد بمعزل عنه(..) كما هو شرط من شروط الاستحصال على برامج المساعدات من صندوق النقد الدولي والدول والصناديق المانحة”. وحسم الرئيس عون بأنه لن يتراجع او يحيد عن معركته ضد الفساد ولن يتراجع استطراداً عن موضوع التدقيق المالي الجنائي مهما كانت المعوقات وسوف يتخذ ما يلزم من اجراءات لاعادة اطلاق مساره المالي. وفيما دعا رئيس الجمهورية النواب للقيام بواجبهم التشريعي الذي على اساسه اولاهم الناس ثقتهم، وجه الى مجلس النواب رسالة حول هذا الموضوع لحث المجلس على اقرار تشريعات تلتقي وتوجهات مكافحة الفساد وتحقيق التدقيق الجنائي.

فهل سيبقى هذا التدقيق ام اصبح في خبر كان؟ إن غداً لناظره قريب!.