21 October,2020

مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في الجنوب هل تسبق تشكيل الحكومة أو تليه؟

السفير “دايفيد شنكر”

 ثمة من يعتبر ان تسهيل واشنطن لعملية تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة مرتبط بشكل او بآخر بتسهيل انطلاق عملية ترسيم الحدود البحرية الجنوبية المتنازع عليها بين لبنان واسرائيل والتي اخرت حتى الساعة عملية بدء التنقيب في “البلوك رقم 9” في الجنوب اللبناني نظراً لوجود تداخل بين المياه الاقليمية اللبنانية والمياه الاقليمية للاراضي المحتلة. ويرى هذا البعض انه طالما لم يحسم موضوع الترسيم وفق الرغبة الاميركية، فإن واشنطن لن تضع ثقلها لتسهيل الولادة الحكومية التي يرعاها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والذي يتدخل في التفاصيل الصغيرة لتأمين نجاحها.

 ويرى المطلعون ان ملف الترسيم البحري يتنازعه خيارين، الاول يقول بتزامن الترسيم البري مع البحري، والثاني يقضي بفصل البحري عن البري لأن الاول يحتاج الى وقت، في حين ان الثاني يكاد يصبح نهائياً مع امتناع العدو الاسرائيلي بضرورة التراجع عن الاراضي التي احتلها قبيل ترسيم “الخط الازرق” الذي لا يعتبره لبنان حدوداً رسمية له، بل خط موقت تم التوصل اليه في العام 2000 بالتزامن مع انسحاب الجيش الاسرائيلي من الشريط الحدودي الذي كان يحتله منذ العام 1978، علماً ان لبنان يطالب بتصحيح حدود 13 نقطة، مختلف عليها من رأس الناقورة الى اعالي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. لقد سعى لبنان الى اقناع اسرائيل عبر الامم المتحدة، بالتراجع عن الاراضي التي تحتلها قبالة الحدود اللبنانية لترسيخ الهدوء على طول هذه الحدود ومنع حصول مناوشات عليها. الا ان الدولة العبرية اصرت على ابقاء هذا الملف مفتوحاً والمساومة عليه لترسيم الخط البحري وضمان حصولها على امتار مكعبة من المياه الاقليمية اللبنانية، وهو ما يرفضه لبنان ويصر على حقه في كامل مياهه حتى الاراضي المحتلة.

واشنطن تريد المفاوضات….

خلال الاسابيع الماضية، وردت الى بيروت اشارات عن رغبة الولايات المتحدة باستئناف مبادرتها في رعاية عملية ترسيم الحدود البحرية وقيل يومها ان مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط السفير ديفيد شنكر سيأتي الى لبنان واسرائيل لتفعيل هذه الوساطة التي يرحب بها لبنان شرط ان تجري برعاية الامم المتحدة وفي مقر قيادة “اليونيفيل” في الناقورة، في وقت تطالب اسرائيل بأن يكون دور الامم المتحدة مقتصراً على تقديم المقر كمكان للاجتماع بين اللبنانيين والاميركيين والاسرائيليين، ويكون الحضور الدولي على مستوى عسكري عال من دون ان تكون له مداخلات او ادارة للقاء الذي يريد الاسرائيليون ان ينعقد بادارة اميركية. وتدليلاً على حسن نية لبنان تمت الموافقة على ان تكون الولايات المتحدة شريكة في المفاوضات اللبنانية- الاسرائيلية على ان تجري في مقر القيادة الدولية وبحضور قائد “اليونيفيل” الجنرال الايطالي استيفان دل كول. الا ان الجانب الاميركي لم يتحرك عملياً لتأمين انعقاد هذه المفاوضات في وقت اشارت فيه وسائل اعلام اميركية واخرى اسرائيلية الى ان المسعى الاميركي يتركز على ايجاد قناة تفاوض مباشرة بين لبنان واسرائيل قبل موعد الانتخابات الاميركية وليس بعدها كما يروج البعض ممن لا يرغب بانطلاق المفاوضات. وتقوم قناة التفاوض على اعتماد المباشر بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي للتوافق على حدود المياه الاقتصادية الخالصة وتقاسم المنطقة المتنازع عليها بحجة ان الظروف باتت مؤاتية في لبنان خلافاً لما كانت عليه في السابق.

… واسرائيل تتساهل

 ونقلت مواقع اسرائيلية عن مسؤولين اسرائيليين واميركيين رفيعي المستوى ان هدف الادارة الاميركية هو تحقيق التفاوض المباشر قبل موعد الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، “الامر الذي يعد انجازاً سياسياً كبيراً جداً للرئيس دونالد ترامب فاضافة الى حل الخلاف على الحدود البحرية، لم تجر اي مفاوضات سياسية مباشرة بين الجانبين منذ 30 عاماً. ويضيف هؤلاء المسؤولون الى ان الظروف باتت مؤاتية في الاسابيع الاخيرة تحديداً بعد الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، وربطاً بتداعيات الازمة الاقتصادية في لبنان، اضافة الى الانتقادات الداخلية من الاطراف اللبنانيين لحزب الله، وهي عوامل دفعت الادارة الاميركية الى استئناف مساعيها لبدء مفاوضات بين البلدين.

 لهذه الغاية، تشير المصادر الاسرائيلية، زار مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد شنكر اسرائيل هذا الاسبوع، والتقى وزير الطاقة يوفال شتاينتس، المسؤول عن ملف الحدود البحرية نيابة عن الحكومة الاسرائيلية، كما التقى وزير الخارجية الجديد غابي اشكنازي، الذي يعتبر مكتبه شريكاً في الاتصالات الجارية.

وقال مسؤول اسرائيلي رفيع المستوى ان زيارة شنكر الاخيرة للبنان خصصت لاجراء محادثات مع وزراء ومسؤولين رفيعين في الحكومة الانتقالية هناك، للتوصل لتفاهم على صيغة تسمح ببدء مفاوضات مع اسرائيل.

ووفقاً للمصادر نفسها، اطلع شنكر الوزيرين شتاينتس واشكنازي بعد عودته من بيروت على مضمون محادثاته مع الجانب اللبناني، وقدم لهما مسودة محدثة لوثيقة مبادىء لبدء المفاوضات.  واشار مسؤولون اسرائيليون الى ان “الانطباع المتكون في اسرائيل بعد عودة شنكر، ان هناك مرونة من الجانب اللبناني وانهم باتوا اكثر استعداداً مما كانوا عليه في الماضي، لبدء التفاوض حول الموضوع مع اسرائيل”.

 احد المسؤولين الاسرائيليين اشار في حديث صحفي الى تحقيق تقدم وقال : “نرى ان لدى الجانب اللبناني رغبة في المضي قدماً، ونرى انهم يدركون ان الوقت حان لتسوية القضية”، ولفت الى ان اسرائيل  جاهزة لبدء اجراء مفاوضات جادة، وهي تأمل ان يحدث ذلك قبل نهاية عام 2020.

 في ضوء هذه “الطحشة” الاميركية – الاسرائيلية للتفاوض على الترسيم البحري، يقف الجانب اللبناني حائراً بين المضي في التفاوض وهو في موقع ضعيف نسبياً، او التريث في انتظار تشكيل الحكومة العتيدة ليكون- سياسياً على الاقل- جاهزاً للسير في هذه المغامرة التي تريد اسرائيل ان تكون نتائجها لمصلحتها، ويريد لبنان ان يكون فائزاً فيها بحقه في كامل مياهه الاقليمية، فالى من تكون الغلبة في النهاية وهل تبدأ المفاوضات قبل الحكومة العتيدة او بعدها؟

 الايام المقبلة كفيلة بحمل الجواب المناسب خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة من حياة لبنان!