5 August,2020

معركة وهميّة بين إسرائيل و"حزب الله".. من يفتح النار أولاً!

بقلم علي الحسيني

 

حزب الله يشيع علي محسن

معركة وهميّة محدودة التوقيت المفترض أنها وقعت بعد ظهر يوم الاثنين الماضي بين إسرائيل ومجموعة مُسلّحة من “حزب الله” في مُحيط مزارع شبعا. قصف مدفعي واطلاق نيران واستهداف منزل في بلدة الهبّارية. لحظات وتنجلي غبار المعركة ليتبيّن أنها إسرائيلية محض بعدما نفض “الحزب” يديه منها، مُعلنا في بيان أن أي من مجموعاته لم تشتبك لا من قريب ولا من بعيد مع الإسرائيلي. ومن خلال البيان هذا، طُرحت مجموعة تساؤلات حول مدى صدقيّة الأخبار العاجلة التي كانت تتصدر شاشات التلفزة خصوصاً وأن مجموعة وكالات دولية ومحليّة، كانت أطلقت لمواقعها العنان لنشر مجموعة “عواجل” من أرض الميدان، قبل أن تعود وتلتزم الصمت  وتغيب عن السمع.

في الرابع والعشرين من آب الماضي خرقت مسيّرتين إسرائيليتين أجواء عاصمة قرار “حزب الله” (الضاحية الجنوبية) قبل أن تسقط إحداها وتنفجر الأخرى. هذا الخرق الذي تزامن مع استهداف إسرائيلي لمركز تابع لـ”حزب الله” في دمشق، استدعى يومها إطلالة للسيد حسن نصرالله معلناً خلالها أن ما حدث أمر خطير ولن يمر مرور الكرام، متوعّداً بالردّ على أي استهداف لعناصر الحزب في سوريا إنطلاقاً من لبنان وليس في مزارع شبعا.

حزب الله والرد الحتمي

السيد حسن نصرالله: الرد حتمي

في إطار هذا التهديد العلني الذي أطلقه نصرالله منذ عام تقريباً، يدخل الإستهداف الإسرائيلي لنقطة عسكرية الإسبوع الماضي في سوريا والذي أدّى إلى سقوط أحد عناصره، مما يؤكد أن الرد على هذا الإستهداف سيكون حتمّي على أن يبقى تحديد الزمان والمكان المناسبين رهناً بالظروف والمعطيات الميدانية. والأكيد بحسب مصادر مقربة من “الحزب” أن نصر الله وهو القائد الأعلى في المقاومة، قد أصدر أوامره في الليلة نفسها التي سقط فيها العنصر، بالرد على الإعتداء في اللحظة المناسبة.

المؤكد انه توجد اليوم عشرات الملفّات على طاولة البحث داخل أروقة “حزب الله”، بعض هذه الملفات شائك وصعب ويحتاج إلى تأن ودراسة للتعامل معه مثل العقوبات الأميركية وقانون قيصر وإنعكاس الكباش الأميركي ـ الإيراني عليه، والبعض الآخر يحتاج إلى متابعات وتفاوض مثل الملفات الداخلية، لكن في كلتي الحالتين فإن من عادة “الحزب” أن يتعامل مع جميع هذه الملفات على حدة ولذلك ثمّة فصل كلي بين كل ما يجري من حوله، وبين الميدان المخصص للقرارات العسكرية. من هنا تسقط مقولة إن “حزب الله” لن يرد نظراً للضغوطات التي تُحيط به، أو أن الرد في هذا التوقيت سيُكلفه أثمان باهظة منها مزيد من العقوبات والحصار.

في الشقّ الثاني، لا يوجد خيار أمام “حزب الله” هذه المرّة إلا الرد على سقوط أحد عناصره لأسباب عديدة لعل أبرزها: التهديد الذي سبق وأطلقه نصرالله والذي من المفترض أنه دخل حيّز التنفيذ منذ ذلك الوقت، ثانياً وهو الأهم أن جمهوره وقاعدته الشعبيّة لن يرضوا بأقل من رد ينتج عنه سقوط قتلى أو أعدد كبيرة من الجرحى، وليس رد يُشبه أو على غرار عملية مستوطنة “أفيفيم” الحدودية والتي ضاعت نتائجها بين التكهنّات والتخمينات من جهة، وبين النفي وضياع الأدلة الملموسة والحسية من جهة أخرى.

تأهب إسرائيلي وتعزيزات حدودية

رصد ومراقبة

من الجهة الإسرائيلية يبدو أن المعطيات الداخلية والأجواء المُحيطة بقرار “حزب الله”، قد أُخذت على محمل الجد وهذا ما تؤكده الوقائع الميدانية التي أسفرت عن إرسال الجيش الإسرائيلي تعزيزات عسكرية للقيادة الشمالية بالإضافة إلى رفع حالة التأهب على الحدود وداخل المستعمرات الأمر الذي أدى إلى مقتل أحد العناصر في مزارع شبعا خلال حالة التأهب. أمّا الأبرز، فكان إلغاء قيادة الجيش الإسرائيلي لأحد أهم المناورات العسكرية التي كان يُفترض إجراؤها خلال اليومين المقبلين بالقرب من الحدود الشمالية مع لبنان.

ويذهب خبراء استراتيجيون ومحللون سياسيون إلى أن اسرائيل اختارت الساحة السورية للتصعيد، وتحديداً باستهداف الايرانيين على اعتبار ان الإشتباك معهم فيه الكثير من الاعتبارات التي تمنع تدحرج المعركة الى حرب شاملة، ويبقى التصعيد ضمن اطار الاشتباك المحدود لكنه الكفيل بتحصين رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” داخلياً وبتوتير المنطقة عموماً. وهكذا تكون اسرائيل قد تجنبت التصعيد مع لبنان لأنها لا يمكنها ضبط ردة الفعل في حال كسرت أياً من قواعد الاشتباك فيه، وتجنبت التصعيد مع غزة لأنها وحتى اليوم ترى أن أي معركة تشغلها عن جبهتها الشمالية لا داعي لها. لكن شاءت المصادفة أن يسقط عنصر من “حزب الله” داخل النقطة المُستهدفة، وهو الأمر الذي أدّى بأن يُصبح قرار الرد بيد “الحزب”، وهذا اكثر ما يُقلق الإسرائيلي كون الأول غير مُرتبط لا بعملية الرد لا في زمان ولا مكان مُحددين.

في جميع الأحوال، المُلاحظ أن الدافع الأكبر لتل ابيب للذهاب الى اشتباك مسلح في أي من الجبهات الساخنة مع اعدائها هو الدافع الشخصي لـ”نتنياهو”. فالرجل بحسب التقارير اليومية التي تصدر في الداخل الإسرائيلي مأزوم داخلياً وقضايا الفساد لم تعد تلاحقه قضائياً فحسب بل شعبياً، اذ يتظاهر المستوطنون الاسرائيليون في كل المدن المحتلة ضد “نتنياهو” الذي سقط قبل اسابيع مشروعه لضم الضفة الغربية، والمُلاحظ أيضاً أن خلافاته زادت في الآونة الأخيرة بشكل كبير مع رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي”بني غانتس”، كل هذا يترافق مع مخاوف كبرى تسيطر عليه جراء اعتقاده بأن الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” لن يفوز بولاية ثانية.

تخبّط سياسي إسرائيلي وسط أزمات صحيّة

مزارع شبعا المحتلة..أرض المعركة المفترضة

بالعودة إلى “حزب الله” والردّ المتوقّع، ترى المصادر نفسها أنّ غياب المواجهات الميدانية المباشرة بين اسرائيل وحزب الله، لا يعني على الإطلاق عدم حصول استهدافات متقطّعة بين الطرفين ولو أن “الحزب” غاب عنها جزئيّاً منذ إنشغاله بالحرب في سوريا. لكن في جميع الأحوال يجدر القول إن “الحزب” لا يملك أي خيار غير الرد حتّى وإن تحول لبنان كلّه الى مسرح للرد على الرغم من أن الإستهداف الأخير وقع في الداخل السوري.

وترى المصادر أن اسرائيل تمر اليوم بأزمة كبيرة مُركَّبة من ثلاثة وجوه، أزمة سياسيّة تحول دون نجاحها في تشكيل حكومة وذلك منذ عام تقريباً، ثم تلك الصحيّة التي تتخبط بها من جراء إنتشار فيروس كورونا وهي التي ظنت في البداية أنها ستبقى بمنأى عن الوباء أو أقله تتمكّن من السيطرة عليه بين ليلة وضُحاها. أمّا الأزمة الثالثة، فهي أن إسرائيل ومن دون الظهير الغربي (الأميركي والأوروبي)، تبقى مُجردة من قوتها وغير قادرة على القيام بأي تحرّك لوحدها. وهذا الظهير مُنشغل اليوم ويتخبط بالوباء الذي يجتاحه بشكل غير مسبوق في تاريخه، بالإضافة إلى تلهي رئيسه بالإنتخابات الرئاسية المُقبلة.

تحصين آلية الردع.. أكثر من ضرورة

جهوزية المقاومة

المؤكد ان رد “حزب الله” سيكون متناسباً مع ما حصل مع اضافة بعض القوة، اذ ان المحطات المقبلة في الساحة اللبنانية قد تفرض اعادة تحصين الردع واعطائه بريقاً اضافياً لصالح الحزب. بمعنى آخر اذا أراد الحزب منع اسرائيل من القيام بأي خطوة في لبنان في المرحلة المقبلة عليه أن يكون حازماً في رده، واذا أراد الحزب خلال اسابيع او اشهر، لأي سبب من الأسباب، إستقدام سفن ايرانية الى لبنان او حتى نقل البضائع من سوريا الى لبنان من دون تعرضها للاستهداف، فهذا يعني أن عليه ان يوجه رسائل قوّة من ضمن رده اليوم.

أمام هذه المعطيات، من الواضح أن اسرائيل وجهت ضربة تستدعي رداً ايرانياً في توقيتها، لكن سقوط عنصر من عناصر “حزب الله” نقل المواجهة من طهران الى الضاحية الجنوبية، فهل تصر تل ابيب على افتعال اشتباك؟ ام انها ستبلع الردّ المقبل وتقبل فشل حساباتها هذه المرة. لكن ما يبدو لافتاً، أن إسرائيل مع استهدافها نقطة عسكرية إيرانية يوجد فيها عناصر من “الحزب”، عادت إلى نغمة مخازن الصواريخ التي يمتلكها حزب الله وتهديدها لبنان وتحميل الجيش مسؤولية كاملة لأي فعل يقوم به “الحزب”. ما يعني أن اسرائيل قد تعمد ومن دون أي تردّد إلى ضرب مواقع عسكرية للجيش أو ثكنات.

بعد استهداف حزب الله.. هل سقط الحياد؟

لا تزال الدعوة إلى حياد لبنان عن الصراعات والأزمات المُحيطة به التي أطلقها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بُطرس الراعي الاسبوع الماضي، محطّ أخذ وردّ بين مُؤيد ومُعارض وما بينهما من مُتحفّظين. ويبدو أن بكركي ستمضي قدماً بتحريك ملف الدعوة إلى الحياد، ولن تُثنيها بعض الحملات السياسيّة والإعلاميّة من هنا وهناك، عن مُتابعة المساعي لجمع أوسع تأييد حول دعوتها. وفي حين جرى تسجيل مُقاربات حذرة من جانب العديد من القوى من بينها “تيّار المردة”، و”الحزب الديمقراطي اللبناني” حيال دعوة سيد بكركي للنأي بلبنان عن الصراعات، أخذت قوى أخرى على عاتقها تظهير دعوة الحياد وتفعيلها.

وفي هذا السياق، سارع حزب “القوات اللبنانيّة” إلى التحرك على أكثر من خطّ لدعم كلام الراعي، عبر إرسال الوُفود إلى مرجعيات سياسيّة وحزبية، في محاولة لتحصيل مواقف مُؤيّدة لموضوع الحياد، أو على الأقل للحؤول دون مُهاجمة هذا الموضوع في حال كان كسب التعاطف من قبل الجهات المعنيّة متعذراً.

إلى ذلك، فإنّ “حزب الله” الصامت رسمياً إزاء موضوع الحياد أقلّه حتى تاريخه، حرّك من وراء الكواليس مجموعة من الجهات السياسيّة والإعلاميّة للتصويب على مُبادرة الراعي، وهو يُراهن على عامل الوقت لسُقوطها تلقائياً، لا سيما في ظلّ غياب وحدة الموقف حولها، علماً أن “الحزب” سبق له وأن فرّغ “إعلان بعبدا” (1) الذي يدعو ضُمن بُنوده المُتعدّدة إلى تحييد لبنان عن سياسة المحاور وإلى تطبيق القرارات الدوليّة بما فيها القرار 1701​، من مَضمُونه.

وتخشى أكثر من جهة سياسيّة مؤيّدة لمبدأ حياد لبنان، من أن يأتي رد “الحزب” على دعوة بكركي من بوّابة ميدان القتال، عبر تنفيذ عمليّة عسكريّة إنطلاقاً من الأراضي اللبنانيّة، إنتقاماً لسُقوط أحد عناصره في سوريا الاسبوع الماضي. واللافت ووفق مصادر إعلامية لبنانية، فإن الأمم المتحدة نقلت رسالة إلى حزب الله منذ أيّأم قليلة عن طريق الأمم المتحدة، تقول فيها إنها لم تكن تقصد قتل العنصر علي كامل محسن حين استهدفت مخزن الذخيرة المفترض قرب مطار دمشق.