15 July,2020

مصير المهن في لبنان وآفاقها المستقبلية في ظل التطور العلمي والاختراعات الجديدة

 

بقلم طوني بشارة

 

الدكتور فؤاد زمكحل

 التقدم والتطور واقع لا محالة والغاية منه تأمين المستلزمات الضرورية التي تمكن قدرة الانسان على حلّ المشكلات والعقبات التي تعترضه عن طريق استعمال بعض الطرق العلمية.

 ولا يخفى على أحد بأن الهدف الاساسي  من التقدم العلمي هو التقليل من الأمور الصعبة التي يتعرض لها الناس، وتأمين حياة آمنة ومريحة، وهو الهدف نفسه الذي يهدف العلماء لتحقيقه عن طريق الاختراعات الجديدة  التي يواكبون العالم فيها يومياً، ولا تكون هذه الاختراعات في عصر محدد أو فترة تاريخية محددة، ولكن هي مجموعة من جهود وأفكار متواصلة ومتتالية.

 ولكن ما صحة الافتراضيات القائلة إنه ومع التقدم العلمي الهائل، تلاشت كثير من المهن التي كان الإنسان يعتمد عليها في تسيير أمور حياته؟ وهل فعلاً هناك احتمال لازدياد عدد العاطلين عن العمل كنتيجة حتمية للتطور؟ أم أن هناك تحويلاً لمسار بعض المهن؟..

        للإجابة عن هذه التساؤلات التقت “الأفكار” كلاً من الأستاذ كلود بحصلي رئيس مجلس إدارة  ITG HOLDING  والدكتور فؤاد زمكحل مستشار مجلس إدارة ITG group وطرحت عليهما مجموعة من الأسئلة مما مكننا من الحصول على حديث شيق وممتع بما يتعلق بالتطور ومستقبل المهن في لبنان .

    بداية اعتبر كل من بحصلي وزمكحل أن القطاع الخاص في لبنان يواكب وبشكل مستمر التطور التقني العالمي من خلال الدورات التدريبية والاستثمار الفعال، مما يؤكد بأن الكوادر البشرية في لبنان تعتبر كفوءة ومؤهلة بشكل فعال لمواكبة التطور بالرغم من النقص الحاد رسمياً بالتجهيزات التقنية  والحاجة الملحة لضرورة تفعيل الخدمة السريعة والفعالة .

بحصلي وزمكحل وإمكانية الاختيار!

 

 وعن حسنات وسلبيات التطور أفادنا بحصلي قائلاً: بالفعل لقد تطوّر العلم تطوراً سريعاً  مما ساهم باكتشاف تقنيات وطرق وأساليب عمل حديثة لم تكن موجودةً من قبل، إذ يُعدّ الإنترنت عالمياً من أعظم الاكتشافات في تاريخِ البشريّة التكنولوجيّ. لقد استطاع الدخول إلى كل بيت والسيطرة على جميع وسائل الاتصال والتواصل، لكونه عالماً لا حدودَ له. وبالتالي  شهدنا اكتشافات تقنية هائلة أحدثت تغييراً كبيراً في العالم الذي أصبح قريةً صغيرة. تقنيات سهلت التواصل والاتصال وجعلت عملية تبادل المعلومات وتناقل الأخبار تحدث خلال ثوانٍ معدودة، كما أسهمَت في التقدّم والتطوّر في المجالات الطبية والخدماتية والصناعية والتعليمية وإرسال الرسائل، وأصبح الاستغناء عن هذه التقنيات أمراً مستبعداً لا بل مستحيلًا، خصوصاً في ظلّ التسارع الكبير الذي يحدث في العالم.

 وفي السياق ذاته أوضح  الدكتور زمكحل قائلاً: عملياً  لا يمكن حصر فوائد التطور في عدّة نقاطٍ قصيرة، فهي كثيرة ومتشعبة، اذ تعتبر حاجة أساسية ترتبط فيها العديد من الحاجات الثانوية. فبفضل الإنترنت وما رافقه من تطور تقني أصبح التعليم أكثر مرونة ومتوفراً للجميع، وأصبحت المعلومات بمتناول الباحث في كلّ زمان ومكان، مما سهّل الحصول عليها. كما فتح التطور مجالاً واسعاً لتبادل الأعمال  والبيانات المتعلقة بها، وأتاح المقارنة بين المعلومات والكتب والأشخاص، وأسهم هذا في وضع النقاط على الحروف فيما يخصّ بعض المعلومات التي كانت محتكرةً من قبل البعض، فالإنترنت ألغى احتكار المعلومة، وسهّل الحصول عليها، وفي الوقت نفسه اختصر كثيراً من الوقت والجهد، وأصبح بالإمكان مراسلة الأشخاص عبر البريد الإلكترونيّ خلال لحظات، كما أصبح بالإمكان الاتصال مع الأشخاص بالصوت والصورة مهما كانت المسافة الفاصلة بعيدة، مما سهل العمل و جعل فرصة التعرّف على  شركات وأشخاص جدد متاحاً بسهولة.

 ثم استطرد البحصلي:

 ــ وهنا لا بد من الاشارة  الى أنه ومن أعظمِ ما قدّمه التطور هو إحداث ثورة طبية هائلة، إذ أتاح علاج الحالات الطارئة خلال وقتٍ قصير وتبادل المعلومات الطبية بين الاطباء اينما وجدوا بسرعة البرق، كما أصبحت بعض العمليات الجراحية الكبرى تُجرى على الهواء مباشرة بوجود عددٍ من الأطباء من دولٍ عدّة وهم يتبادلون الخبرات الطبية عبر شبكة الإنترنت، كما أتاح القدرة على زيادة طرق الربح وتحقيق الثروة عن طريق العمل عن بُعد في أعمال متنوعة ومتشعبة تُنجز وتُبعث ويمكن الاطلاع على نتائجها من خلال شبكة الإنترنت.

 

*- هذا بالنسبة لايجابيات التطور فماذا عن السلبيات بشكل عام؟

 ــ  أفادنا بحصلي: على الرّغم من الفوائد التي لا حصر لها للتطور التقني، إلّا أنّه لا يخلو من بعض السلبيات والأضرار التي لا بدّ من وجودها، ومن أهم سلبيات الإنترنت أنّه الغى الخصوصية الفردية اذ جعل جميع المعلومات متاحة، وقلّل من أهمية وفعالية العلاقات الاجتماعية الحقيقة وجعلها مجرّد علاقات هامشية قائمة عبر وسائل تواصل واتصال متطورة. كما قلّل من عدد العاملين في بعض القطاعات التي تتطلب العمل اليدوي ، مما زاد من البطالة في بعض المجالات وخصوصاً التعليمية، كما سمح للبعض بالاطلاع على أشياء غير مناسبة سواء كانت تطرفية دينية أو سياسية أو إرهابية.

 ولفت زمكحل: على رغم من هذا يبقى الإنترنت اختراعاً مذهلاً له إيجابيات وفوائد كثيرة أكثر بكثيرٍ من أضراره. وفي السياق ذاته لا بد من التأكيد بأن التغير التكنولوجي ليس خياراً على أحد، من الممكن التعايش معه والاستفادة من حسناته.

التطور والبطالة والتكنولوجيا ووسائل الاستخدام!

 

*- في مستهل الحديث أشرتما الى إمكانية حدوث بطالة ووجود أثر سلبي للتطور على بعض الوظائف، فهل من الممكن التطرق بشكل موسع الى هذا الأمر؟

 

كلود بحصلي

  قال بحصلي: لا يخفى على أحد بأن التكنولوجيا  تتحرك وبسرعة كبيرة جداً في كل جانب من جوانب الحياة، لكن مقابل ذلك وفي الوقت نفسه التقدم التكنولوجي  قد يؤثر الى حد ما على العديد من المهن التقليدية  فالعديد من المهن قد تغيرت وتبدلت أسسها  مع مرور الزمن بسبب التطور والتقدم .

 ومن ثم نوه الدكتور زمكحل قائلاً: اللافت أن الاستثمارات في المهن تمر تارة  بفترات ذروة، وتارة أخرى بفترات دنيا، وهنا لا بد من الإشارة الى أنه وبالتزامن مع تلاشي بعض المهن خلال السنوات المقبلة، شهدت السنوات الأخيرة استحداثاً لوظائف جديدة واكبت المجالات المبتكرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر أنه ومنذ فترة قصيرة لم يكن لمهنة المحرر الالكتروني وجود، ولا للوظائف المتعلقة بالإعلانات والدعايات الالكترونية، كذلك الأمر بالنسبة لمبرمجي التطبيقات الهاتفية ومطوري الحوسبة وغيرهم.

التكنولوجيا ووسائل الاستخدام!

 

*- ولكن هل ستلغي التكنولوجيا وظائف معينة أم أنها ستؤدي الى تطور في وسائل استخدامها؟

 قال بحصلي: التطور التكنولوجي حتى الآن لم يلغِ مجالات عمل بل غير بطبيعتها، لذا أعتقد أنه وللحفاظ على التوازن الاقتصادي في المستقبل وضبط حجم الخسائر في الاستثمارات المتعددة، على كل دولة اتباع الأنظمة والاستراتيجيات المعتمدة في الدول المتطورة. وذلك حكماً يفرض عليها إدراج ضمن قوانينها  بعض التشريعات التي تلزم الشركات الخاصة والعامة تخصيص نسبة مئوية من موازنتها السنوية لتأهيل الموظفين. بالتالي هذا التدريب المستمر يساعد العامل على مواكبة تطور مهنته لما يتناسب مع التطور الحاصل من دون التعرض لخطر خسارة مهنته بسبب تغير طبيعة العمل فيها.

*-هناك قلق من قبل المعنيين على مصير بعض المهن لا سيما المتعلقة بالطباعة والنشر والصحف… فما موقف الشركة من هذا الأمر؟

  أفادنا بحصلي: إن التطور التكنولوجي شئنا أم أبينا سيحجّم عدداً كبيراً من الوظائف من دون إلغائها. من بين هذه المهن، تلك المتعلقة بطباعة وتوزيع الجرائد والمجلات، وما أحدثته ثورة التطور التقني والانترنت صدمة على المجال الذي صارع سنوات للحفاظ على نسخاته المطبوعة. وبالعودة الى الوقائع نلاحظ أنه ومع تراجع لا بل تدهور مبيعات المجلات والصحف بدأ استسلام النسخ الورقية في لبنان يظهر بشكل واسع مما أدى الى إشكالية لدى العديد من الصحف والمجلات. لكن هنا التهديد لا يطاول مهنة الإعلام بل العاملين في الصحف المطبوعة الذين لا يملكون مهارات تخوّلهم الانتقال الى الإعلام الالكتروني فيجدون أنفسهم بلا وظائف. وهذا ما أصاب عدداً كبيراً من العاملين في المجال. مقابل ذلك البعض استوعب ما يحصل وحاول التكيّف والانخراط مع الواقع. وهنا أود أن أشير الى أن من عمل في مهنة الصحافة المكتوبة منذ فترة طويلة كانت وسيلته الأساسية الورقة والقلم، ومن ثم بدأ يقاوم إنقراض مهنته عبر تعلمّه كيفية الطباعة على جهاز الكمبيوتر وإرسال النص عبر البريد الالكتروني للناشر في الصحيفة الالكترونية حيث يعمل. وها هو اليوم يحاول مواكبة التطور والعمل بمجال الصحافة الالكترونية.

ومن ثم أشار الدكتور زمكحل قائلاً:

ــ لا شيء يحل مكان الانسان، فنحن كشركات تتعاطى التكنولوجيا كنا نصدر سلعاً، أصبحنا اليوم نصدر نجاحات باهرة وبرامج وخطط عمل معينة، بتنا نصدر المعرفة والنجاحات، مما يعني أننا أصبحنا سباقين بإدارة الأزمات وهذا الأمر يعتبر ركناً أساسياً في المرحلة المقبلة.

 

العمل عن بعد!

 

*- وماذا عن  تجربة العمل عن بعد في ظل انتشار وباء الكورونا؟

 قال بحصلي: الكورونا تعتبر أزمة عالمية، وقد ألزمت الجميع على البقاء في المنازل، مما جعلنا كأصحاب شركات تتعاطى التكنولوجيا ننفتح على العالم والعلم في آن معاً، ونتقدم بسرعة فائقة معتمدين أسلوب تواصل جديداً، أسلوباً يوفر عناء المواصلات ويقرب المسافات بين العملاء، مما قلل التكلفة لا سيما تكلفة الـ showroom والمولات…

 وتابع زمكحل: تجربة سرعت التحويلات ودفعتنا نحو اعتماد فكرة العمل عن بعد ومن المنزل وغيرت أولويات شركاتنا.

 

*- هل من وظائف ستظهر في المستقبل القريب بسبب التطور التكنولوجي ؟

 أجاب بحصلي: بالتأكيد ستظهر وظائف جديدة تتعلق بحماية المعلومات وحماية التواصل بين الشركات، وتجدر الإشارة الى أن شركتنا كانت السباقة في هذا المضمار واستحدثت شركة خاصة ABSEGA للاهتمام بهذا الأمر، كما سنشهد خلق لمنصات متطورة الغاية منها تسهيل الاجتماعات وتمكين عملية التواصل وتعزيز إمكانية نقل المعلومات وتسهيل عملية التعلم عن بعد لطلاب الجامعات.

 وختم الدكتور زمكحل: الاتجاه سيكون حكماً للاستثمار بمجال برامج وأنظمة تشغيل المعرفة .