25 November,2020

مديرة متحف الجامعة الأميركية في بيروت الدكتورة نادين بنايوت: يوم انفجار مرفأ بيروت تضررت 74 قطعة زجاج تعود الى الحقبة الرومانية وحقبة القرون الوسطى

بقلم وردية بطرس

الأضرار في المتحف

 الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) دمّر البشر والحجر، وبعد مرور أكثر من مئة يوم لا يزال الألم يعتصر قلوب اللبنانيين لما أصابهم في ذلك اليوم المشؤوم. فهذا الانفجار خلّف خسائر بشرية، ولكن أيضاً ألحق الأضرار بالمباني التراثية والمتاحف في مدينة بيروت. لقد أدى هذا الانفجار الى أضرار في متحف الجامعة الأميركية في بيروت الذي يعّد ثالث أقدم

متحف في الشرق الأدنى، اذ تعرّض المتحف الذي كان مغلقاً وقت وقوع الانفجار لأضرار معمارية جسيمة من بينها تحطم خمسة أبواب ضخمة و17 نافذة. كما تحطمت خزانة كبيرة تحتوي على 74 قطعة من مجموعة

الدكتورة نادين بنايوت التراث هو الانسانية للعالم ككل وبدون التراث ليس هناك حاضر ولا مستقبل

زجاجية عبر العصور مما يمثل خسارة لا تُقدر بثمن. ولقد تم انشاء فريق لاجراء تقييم أولي وقائمة بالمواد المطلوبة وتم الاتصال بمعهد

التراث الوطني في باريس. وفي وقت لاحق تم انشاء مهمة استعادة خاصة لمتحف الجامعة الأميركية في بيروت بتمويل من التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع.

 

الدكتورة نادين بنايوت وأضرار المتحف

فما هي الأضرار التي الحقت بمتحف الجامعة الأميركية؟ وكيف تعمل ادارة المتحف لاصلاح وترميم ما تحطّم؟

الدكتورة نادين تشرف على أعمال الورشة

(الأفكار) تحدثت مع مديرة متحف الجامعة الأميركية في بيروت الدكتورة نادين بنايوت وهي عالمة آثار تسلّمت مهامها كمديرة للمتحف في الأول من أيلول (سبتمبر) لتبذل أقصى جهودها لترميم ما تحطّم فشكلت فريق عمل مع الطلاب المتخصصين بعلم المتاحف وأيضاً مع متخصصين من الخارج لترميم الزجاج ليستعيد المتحف حيويته على الرغم من كل الصعاب وأجواء البلد. ونبدأ حديثنا عن الأضرار التي الحقت بمتحف الجامعة الأميركية في بيروت فتقول الدكتورة بنايوت:

الدكتورة نادين مع الطلاب

– إن متحف الجامعة الأميركية في بيروت هو مبنى تراثي، وهو ثالث أقدم متحف في المنطق. ويوم وقوع انفجار مرفأ بيروت تحطمت 17 نافذة زجاجية داخل متحف الجامعة وهي نوافذ كبيرة وذات سقف عال، وأيضاً تضررت خمسة أبواب. أما بداخل المتحف فتحطمت فيترين واحدة من الزجاج اذ كانت تحوي بداخلها 74 قطعة زجاج تعود الى الحقبة الرومانية ولغاية حقبة القرون الوسطى. وكنت قد تسلّمت مهامي كمديرة للمتحف في الأول من أيلول (سبتمبر) وعندما وقع انفجار مرفأ بيروت كنت لا أزال في جامعة البلمند، وما أن تسلّمت عملي قمت بتشكيل فريق عمل مؤلف من متطوعين من طلابي الذين هم متخصصون بعلم المتاحف وادارة التراث،

جمع القطع الصغيرة المتضررة

وبدأنا بالمسح على المتاحف من ثم وجدنا أنه من بين المتاحف الثمانية المتضررة في بيروت هناك فقط متحفان قد تضررت محتوياتهما وهما: متحف الجامعة الأميركية في بيروت ومتحف سرسق. من ثم شكلت فريق عمل ليتواصلوا مع هذين المتحفين من ثم طلبنا من Institut National du Patrimoine في باريس متخصصين بترميم الأوراق للقيام بعملهم في متحف سرسق، وآخرين متخصصين بترميم الزجاج للعمل في متحف الجامعة الأميركية في بيروت. وبالتالي عملت وفريق العمل المؤلف من الطلاب الذين أنهوا دراستهم وتطوعوا في العمل معنا، وأيضاً مع المتخصصين بترميم الزجاج في متحف الجامعة الأميركية، وهكذا عملنا يداً بيد في كل من متحف الجامعة الأميركية في بيروت ومتحف سرسق.  

التعاون مع المتاحف في الخارج

طالبتان تعملان بكل نشاط

* ماذا عن التعاون مع المتاحف في الخارج؟

– طبعاً تواصلنا مع المتاحف في الخارج وهم أيضاً تعاونوا معنا، وتم الاتفاق على ان نرسل بعض القطع للترميم من المتاحف الى الخارج، وباقي العمل يتم في لبنان، ولكن سنضطر ان نحضر اختصاصين لترميم القطع المتضررة في المتحف لدينا. ان لمتحف الجامعة الأميركية في بيروت مكانة مهمة فهو أقدم من متحف جامعة (هارفرد) وستكون لنا محاضرة مع متحف جامعة (هارفرد) يوم الخميس المقبل وستكون مفتوحة للجميع لكي نتحدث عن كل هذه المواضيع وعن التعريف الجديد التي نحاول ان نكتبه عن المتاحف. فكل هذه الأمور سنتطرق اليها في المحاضرة مع مدير متحف جامعة هارفرد. تجدر الاشارة الى أن ALIPH FOUNDATION وهي مؤسسة لدعم التراث في أنحاء العالم وخصوصاً في منطقتنا، تبرّعت بتأمين مجيء المتخصصين من فرنسا الى لبنان اذ تكفّلوا بكل التكاليف. صحيح ان ما حصل في الرابع من آب (أغسطس) كان مدمراً ولكننا نسعى لكي نتعامل مع الخسارة بشكل

فريق التنظيف والترميم.

ايجابي وبناء، فعلى الأقل ان نتعلم مما حصل ونطوّر أنفسنا بدعم التراث بشكل عام. وكانت أكبر مفاجئة لنا ان الناس في الخارج يتابعوننا على الـ(سوشيل ميديا) وهذه كانت فكرة مكتب التواصل في الجامعة الاميركية في بيروت بأن ينشروا عبر صفحة الفايسبوك ما نقوم به خلال عملنا بعد الانفجار الذي وقع في بيروت، وكان غير متوقع الاسبوع الذي قضينا مع فريق العمل والمتخصصين والجميع على الأرض وكأننا بذلك نجد هوية لقطعة، وهكذا نشعر أننا ربحنا شيئاً ما، وبالنهاية كلها كسر زجاج ولكن في الوقت نفسه كان لدينا نوع من الفرح الذي سمح لنا أن نعيش حالة من الشفاء لأننا جميعنا كلبنانيين ضحايا. صحيح ان الكثيرين لم يتضرروا من الانفجار جسدياً ولكن جميعنا عشنا حالة من الصدمة. نحاول ان نشفي أنفسنا بأنفسنا لأن الناس بحاجة لسند أكثر ودعم نفسي لأنهم عاشوا أمراً رهيباً والأطفال تضرروا كثيراً وبذلك وكأننا نقول لأولادنا إن الاهمال مسموح واللامبالاة مسموحة فالى هذه الدرجة وصل الأمر بأن يفقد الأهالي أولادهم بهذه الطريقة البشعة وكأنه لم يحصل شيء، اذ لا يمكن ان نكمل حياتنا بهذا الشكل. والناس الذين كانوا يتابعوننا عبر صفحة الفايسبوك شعروا بالأمل والراحة لأننا نحاول ان نعيد إحياء هذه القطع المتضررة وشعروا وكأنهم يأخذون حقهم وكذلك الناس الذين كانوا يتابعوننا من لندن او فرنسا شعروا أقله أن هناك عملاً ما نقوم به

وفريق من المتخصصين والطلاب

هنا. نحن نحاول ان نعوّض الخسارة التي عاشها الناس. نحن كنا ولا نزال تحت تأثير الصدمة. كنا نشعر بأننا نعمل ونقوم بواجباتنا ولكن خلال القيام بهذا العمل حصل نوع من الترابط بين كل الأعضاء الذين يعملون معاً، وهذا يعيد الينا انسانيتنا وفي ظل ظروف صعبة في البلد وفي ظل وباء الكورونا، ولكن الدعم لبعضنا البعض يمنحنا القوة والأمل، صحيح اننا لا ننقذ حياة ولكن ننقذ أمراً يمنح معنى للحياة.

 

التواصل مع متحف جامعة هارفرد

* هل فتح المتحف أبوابه؟

– أصبح المتحف جاهزاً لاستقبال الزوار، لقد قمنا بترميم الفيترين الذي تضرر جراء وقوع الانفجار، ولكن القطع بداخلها بحاجة للترميم. ولقد دعيت الفنانين في الجامعة وخارج الجامعة اذ بالامكان أن نعطي لهذه القطع حياة ثانية فالمتحف دوره تواصلي وليس مدفناً للقطع، الواجبات المتحفية أن يمنحوا صوتاً لكل قطعة، لأن كل قطعة في المتحف لديها قصة، ونحن علينا ان نخبر قصتها. ونحن في الجامعة الأميركية في بيروت أغلقنا المتحف لأن طلابنا غير موجودين في الجامعة ولكن صوتنا أبعد بكثير مما كان لأننا نقوم بالعمل عبر (الاونلاين)، اذ أحاول ان أجعل كل المجموعة رقمية وأحاول أن أنظم

ورشة واعدة

الكثير من الأمور. على سبيل المثال نظمت سلسلتين او ثلاث، اذ أجريت بحثاً عن مجموعات متحف الجامعة الأميركية في بيروت وأتواصل مع أصدقاء الجامعة الأميركية وبدأت أنشرها على الـ(سوشيل ميديا)، وغداً سننشر قصة عن أول مجموعة ظهرت في متحف الجامعة الأميركية في بيروت وهي عبارة عن كُتيب صغير ويمكن ان يطلع عليها الجميع على الاونلاين. وكل شهر سننشر قصة من هذا النوع اذ انها أبحاث نقوم بها كفريق عمل في متحف الجامعة ونجعل منها قصصاً عن كل قطعة وكل مجموعة. والعمل الثاني الذي قمت به هو انني اختار مقالات عن متحف الجامعة الأميركية في بيروت التي تُنشر في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف العالمية وارسلها الى أصدقاء متحف الجامعة الأميركية في بيروت ثم أرسلها الى مواقع التواصل الاجتماعي لكي نتواصل ويستفيد الناس من هذا المتحف ويتعلمون منه، وهناك سلسلة جديدة سأبدأ بها الخميس المقبل وهي محاضرة أسميتهاAUB Archeological Museum in Conversation ، اذ كل مرة سيكون لي حديث ومقابلة مع شخصية دولية في الآثار، وأول محاضرة لنا ستكون مع مدير متحف (هارفارد) وبامكان الجميع مشاهدة المحاضرة اونلاين. تخيلي ان متحف الجامعة الأميركية في بيروت

من اعمال الترميم

هو أقدم من متحف جامعة هارفرد وأن أول القطع التي فتحت بها متحف هارفرد كان قد تم شراؤها من متحف الجامعة الأميركية في بيروت. يؤلمني كثيراً عندما نسافر كلبنانيين الى الخارج نقصد المتاحف بينما في لبنان لا يزور الناس متاحف بلدهم. ومتحف الجامعة لا يغطي فقط لبنان بل كل منطقة الشرق. واذا أردنا ان نقارن متحف الجامعة الأميركية في بيروت طبعاً ليس مع متحف اللوفر، ولكن نقدر ان نقارن ما بين هذا المتحف ومتحف جامعة هارفرد وهذا ليس أمراً سهلاً، ودور المتحف ليس مدفناً اي ان نزوره فقط بل ان يثقف ويعلم ويصبح منصة للتبادل مع المجتمع المحيط به. وانني اعتبر دورنا أولاً مع الجامعة وثانياً مع المدينة وثالثاً مع البلد (الوطن) ورابعاً مع المنطقة ككل. هذا هو دورنا اذ من الضروري أن ندعمه.

مبنى المتحف

وتختم:

– ان نضالي ليس فقط مع المتاحف بل ككل كوني عالمة آثار وأعمل مع الجميع وانا منذ عشر سنوات أنهض بمنطقة أنفة ووضعت فيها روحي والفكرة أن التراث هو الذي يعيد للانسان انسانيته وهو يعطي معنى لحياة الانسان وليس فقط هوية. هناك أناس يستعملون فقط التراث اذ تُبنى المتاحف لتعطي هوية محلية ولكنني أقول ان التراث أقوى من الهوية المحلية، التراث هو الانسانية للعالم ككل وبدون التراث ليس هناك حاضر ولا مستقبل. وهذا المتحف سيستمر برسالته اذ منذ أن تسلمت مهامي كمديرة للمتحف كان هدفي ايصال صوت المتحف الى كل العالم.