30 September,2020

مجلس القضاء الأعلى أطلق ورشة اصلاحية ”صامتة“ قوامها استكمال ”التنقية الذاتية“ لتحقيق الاستقلالية!

 

بصمت لافت يعمل مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود على إعادة النظر بالواقع القضائي في لبنان بعدما توالت الشكاوى حول أداء بعض القضاة ما استوجب إحالة هؤلاء على هيئة التفتيش القضائي من جهة والبطء بالبت بالدعاوى العالقة أمام المحاكم من جهة أخرى. <الورشة> في مجلس القضاء ماضية بهدوء من دون ضجة، فالرئيس عبود وأعضاء المجلس، الجدد منهم والقدامى، يفضلون العمل بعيداً عن الضوء ولا يشجعون التسرع وإن كانت السرعة ضرورية في إعادة النظر بالسلطة القضائية، وهي الثالثة بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية.

التقييم الأولي مما تحقق حتى الآن منذ التغييرات التي طرأت في مجلس القضاء الأعلى، يشير الى ايجابيات عدة أبرزها قد يكون عملية <التنقية الذاتية> في صفوف القضاة، ومن دون ضجة، وأول الغيث ــ كما تقول مصادر قضائية مطلعة ــ كان إنهاء خدمة أحد القضاة الذي كان ملفه مليئاً بالمخالفات المسلكية وغيرها. وقد صدر القرار من دون الاعلان عنه على رغم ان القانون يجيز الاعلان عن إنهاء خدمة قاض ما ليعرف المتقاضون من جهة، والمحامون من جهة ثانية ان هذا القاضي لم يعد قاضياً… وبالتالي يقتضي متابعة الملفات مع غيره. وتشكل عملية <التنقية الذاتية> مدخلاً مهماً في مسيرة مكافحة الفساد التي أوصى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون القاضي عبود بعد تعيينه رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، والمدعي العام التمييز القاضي غسان عويدات، بضرورة المضي بها من دون أي تأخير لأن نهاية مكافحة الفساد تكون عادة في القضاء الذي لا بد أن يقول كلمته ولا يتردد في إنزال العقوبات الضرورية بحق المرتكبين، و<الهاجس> الذي يسكن الرئيس عون هذه الأيام، يبقى مسألة الفساد الذي يعتبر ان دور القضاء فيها أساسية، وكانت وصيته الى أعضاء مجلس القضاء الذين التقاهم الأسبوع الماضي ان يولوا موضوع القضاء أهمية خاصة ويتعاطون مع أي قضية فساد بحزم وشدة وألا يخضعوا لأي مراجعة من مسؤول أو سياسي أو حزبي… وعند الضرورة إحالة المراجعين السياسيين إليه ليلقوا الجواب المناسب!

وفي حين يعتبر القضاة ان مكافحة الفساد قضائياً تفرض أن يكون القاضي المناسب في المكان المناسب لأن النصوص القانونية لا تكفي والحاجة الى من يطبقها، فإن المصادر القضائية تعتبر ان من المهم تفعيل قانون حماية كاشفي الفساد الذي أُقر من دون أن تصدر المراسيم التطبيقية الخاصة به، وهذه ستكون من أولويات الحكومة العتيدة، وفقاً للمصادر نفسها، لأن مجلس القضاء سوف يطلب الى وزير العدل الجديد وضع القانون المذكور موضع التطبيق.

تشكيلات قضائية واسعة!

أما المسألة الأكثر اهتماماً وإلحاحاً بالنسبة الى مجلس القضاء تبقى مسألة التشكيلات القضائية التي تعتبر العمود الفقري لأي اصلاح قضائي يمكن أن يحصل. وفي هذا الإطار كشفت المصادر لـ<الأفكار> ان المجلس باشر إعداد مسودة تشكيلات قضائية بحيث تكون جاهزة بعد تشكيل الحكومة العتيدة ونيلها الثقة، وهي تستند الى سلسلة معايير أبرزها الآتي:

ــ أولاً: وضع القاضي المناسب في مكانه المناسب بعد الأخذ في الاعتبار قدرته على القيام بوظيفته باخلاص وتجرد كما تقتضي الأصول.

ــ ثانياً: استبعاد القضاة غير المؤهلين وغير القادرين عن المواقع القضائية الأساسية والحساسة، وذلك بعد الأخذ في الاعتبار أداء هذا القاضي خلال فترة عمله السابقة وحجم انتاجيته، وسمعته وملفه وقدرته على التكيف في الموقع الجديد الذي سيسند إليه.

ــ ثالثاً: سيكون للتفتيش القضائي رأيه الأساسي في كل قاض استناداً الى ما لدى التفتيش من معلومات.

ــ رابعاً: اعتماد الاجماع في اختيار القضاة موضع التشكيلات التفادي أي استغلال للأمور الطائفية أو المذهبية، مع اعتماد قاعدة المداورة من أجل التجدد والانتاجية، مع مراعاة الأقدمية والخبرة القضائية.

ولعل الانتاجية تبقى الهدف الأساسي في تشكيل القضاة في المحاكم والمواقع القضائية الأخرى، علماً ان الرئيس عبود، منذ تسلمه مهامه، عمل على حث رؤساء المحاكم وقضاة التحقيق والنيابات العامة والنيابة العامة المالية، على العمل لتأمين فعالية أكثر والاسراع في إصدار الأحكام وتفادي ردود الفعل السلبية، وذلك تحت عنوان استمرار <التنقية الذاتي>.

وبالتزامن مع العمل على معالجة الوضع القضائي وفق الحالات سواء كانت فردية أم جماعية، فإن العمل جار أيضاً للاهتمام بقصور العدل في لبنان وتحسين أوضاعها، واستكمال ما كان بدأ في قصر العدل من ورشة عمل على رغم وجود بعض الاشكاليات في تطوير قصر العدل، وفق ما تقول مصادر قضائية التي تضيف بأن المكننة أساسية في قصر العدل بعدما اتضح ان ثمة ملفات محفوظة بشكل غير مناسب أو تفتقر الى أبسط الضمانات لتبقى نوعيتها سليمة ولا تتعرض للتلف. وتظهر الأرقام عن وجود أكثر من ألفي دعوى غير مصنفة بالتواريخ ليكون من السهل العودة إليها عند الضرورة. وهناك التجربة الناجحة التي اعتمدت في محكمة التمييز ودشنت في الذكرى المئوية الأولى لإنشائها.

في أي حال، من الواضح ان استعدادات مجلس القضاء الأعلى بحلته الجديدة نسبياً، كبيرة وواعدة. لكن يبقى ان تطلق يد القضاء للقيام بدوره كاملاً، والاختبار الأول والأقرب سيكون في التشكيلات القضائية المرتقبة بعد تشكيل الحكومة العتيدة… إذا شُكلت في وقت قريب، علماً ان التشكيلات تصدر في مراسيم عادية لا تحتاج الى موافقة مجلس الوزراء، لكنها تحتاج بالطبع لموافقة رئيس الحكومة ووزراء العدل والدفاع (الشق العسكري في المناقلات القضائية) ووزير المال إذا ترتبت على هذه التشكيلات استحقاقات مالية!