24 November,2020

ماذا سيتغير بعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية؟

بقلم خالد عوض

 

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”: خفض الضرائب يحقق النمو الإقتصادي المستدام.

العالم يحبس أنفاسه بانتظار موعد ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) الآتي. في هذا اليوم يسدل الستار على الإنتخابات الرئاسية الأميركية ويتبين في أي إتجاه سيسير الإقتصاد الأميركي وإنعكاس هذا الإتجاه على الخيارات الإستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. من البرازيل إلى روسيا ومن أوروبا إلى الصين مروراً بليبيا ومصر وتركيا والخليج والهند، لكل بلد حساباته ورهاناته إذا فاز هذا المرشح أو ذاك. لماذا كل هذا الإهتمام بما يقرره أبناء “العم سام” وما المنطق أن تكون أنظار الكرة الأرضية مشدودة إلى نتائج إنتخابات لا يهتم المقترعون أنفسهم إلى أي شيء يحصل خارج بلدهم؟ ولماذا لا يهم من تنتخب ألمانيا بعد “تقاعد” “أنجيلا ميركل” العام المقبل أو عندما يتنحى “شينزو آبي” عن رئاسة وزراء اليابان بسبب المرض أو عندما يستفتى الروس حول بقاء “فلاديمير بوتين” في الرئاسة حتى سنة ٢٠٣٥ أو حتى عندما يتم التجديد للرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى ما لا نهاية؟ 

 

ابحث عن…الدولار

الجواب الطبيعي هو أن الإقتصاد الأميركي يشكل ربع إقتصاد العالم وبالتالي فإن تأثيره خارج الحدود كبير جداً. والإنتخابات الأميركية تقرر على أساس الخيارات الإقتصادية بين المرشحين، فهذا كل ما يهتم به الأميركيون. ولكن ما يفسر كل هذا الإهتمام العالمي هو مكانة الدولار وليس فقط حجم الإقتصاد الأميركي. آخر التقديرات أن حصة الدولار من حجم التداولات المالية في العالم ما زالت أكثر من ٦٢ بالمئة، بعدما وصلت إلى ٦٦ بالمئة عام ٢٠١٥ عندما وقعت الولايات المتحدة الإتفاق النووي مع إيران. هذا يعني أن ما يقل بقليل عن ثلثي التداولات المالية في العالم يتم بالعملة الخضراء. هذه النسبة تسمح للولايات المتحدة أن تستخدم سلاح العقوبات المالية كيفما وأينما تشاء. كما أنها تسهل لها الإستدانة من كل دول العالم التي تشتري سندات الخزينة الأميركية بفائض الدولار الذي لديها والذي تحصل عليه من تصدير البضائع إلى الولايات المتحدة. في المقابل يشكل اليورو نسبة ٢٠ بالمئة من تداولات العملات الأجنبية والين الياباني ٥،٥ بالمئة والجنيه الإسترليني

مرشح الرئاسة الديموقراطي “جو بايدن”: سأزيد الضرائب لتمويل الضمان الصحي والمشاريع البيئية ومحو العنصرية.

٤،٥ بالمئة واليوان الصيني ٢ بالمئة والباقي عملات مختلفة، منها العملات الرقمية مثل “بتكوين”، التي أصبحت توازي ١ بالمئة من مجموع التداولات. الثابت في أي سياسة أميركية، وبغض النظر عن الرئيس، هو المحافظة على مكانة الدولار ولذلك نرى الدبلوماسية الأميركية ناشطة إلى حد كبير وفي كل بقعة من بقاع الأرض على عكس الدول العظمى الأخرى. هذا يفسر أيضاً إلى حد كبير إهتمام الولايات المتحدة في أن تكون قريبة عسكرياً من كل مصادر النفط والغاز والحرص أن يستمر بيع هذه السلع الحيوية بالدولار وليس بأي عملة أخرى.

واحد بضرائب وآخر بلا ضرائب: تلك هي المسألة!

بالنسبة للناخبين الأميركيين، الخيار الإقتصادي واضح تماماً بين “جو بايدن” المرشح الديموقراطي و”دونالد ترامب” الرئيس الجمهوري الذي يبحث عن ولاية ثانية. الأول يريد رفع الضرائب التي كان قد خفضها “ترامب” ويمول بها برامج صحية وإجتماعية وبيئية مهولة. والثاني يزعم أن خفض الضرائب هو الذي أنعش الإقتصاد الأميركي خلال السنوات الثلاث الأولى من ولايته وأنه لولا وباء “الكوفيد ١٩”  لكان الإقتصاد الأميركي في أفضل أحواله اليوم. كما أنه يؤكد أن استمرار خفض الضرائب سيحلق بالإقتصاد الأميركي حالما تمر غيمة الوباء. الإثنان يعدان بمزيد من الإنفاق كل على طريقته، أي مزيد من الديون من دون أن يقرا بذلك، مع العلم أن حجم الدين العام الأميركي سيتخطى ٢٨ ألف مليار دولار مع نهاية العام أي ما يقارب ١٣٥ بالمئة من الناتج المحلي، وهذه هي تقريباً النسبة نفسها التي كان عليها الدين العام اللبناني قبل بدء إنتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩ والتي كانت كل المؤسسات المالية العالمية تحذر لبنان من خطرها.
كما أن المرشحين المتنافسين الاثنين لا يتحدثان عن مستوى العجز الضخم في الموازنة الأميركية الذي سيتجاوز ٣ آلاف مليار دولار هذه السنة من دون احتساب رزمة الدعم الإضافية الموعودة بعد الإنتخابات. كيف يمكن للمرشحين اقتراح هذا التمادي في العجز والديون؟ الجواب ببساطة شديدة هو بسبب الدولار الذي يسمح للأميركيين بإنفاق وإستيراد ما يشاؤون ثم بالاستدانة بعملتهم من دون حساب وكل العالم يقف جاهزاً لإقراضهم، طالما أن لا حل آخر لديه. 

من ينزل الدولار عن عرشه؟

الدولار ملك ملوك العملات.

عندما يكون إقتصاد العالم مبنياً على الدين أولاً وأخيراً تصبح عملة هذا الإقتصاد وعملة الدين الذي يمول نموه ذات أهمية كبيرة. فصاحبها يمكن أن يستخدمها كسلاح إقتصادي ومالي فتاك. هذا هو حال الولايات المتحدة اليوم وهذا هو السبب الرئيس لإهتمام العالم كله بمن سيفوز بعد أيام. ولكن في الحقيقة لن يتغير شيء من الثوابت الأميركية بالنسبة لأهمية إبقاء الدولار العملة الإحتياطية الأولى في العالم. إذا جاء “بايدن” ابن الثمانية والسبعين عاماً سيزيد الإنفاق بشكل غير مسبوق وإذا عاد “ترامب” ابن الأربعة وسبعين عاماً سيستمر مستوى العجز نفسه الذي دأب عليه. النتيجة نفسها: مزيد من الديون. ولكن ماذا إذا استفاق العالم وقرر أن يضع حداً للترف الأميركي على حسابه؟ ماذا إذا امتنع العالم عن شراء الدولار؟ ألن تنهار ساعتها العملة الخضراء وتجر معها كل عملات العالم؟ ربما هذا ما يفسر هرولة البنوك المركزية حول العالم نحو طبع عملتها الرقمية وإتجاه صندوق النقد الدولي نحو ترويج عملة رقمية جديدة لإقراض دول العالم بها. حتى هذا الوقت سيظل الدولار بلا منافس، فاز “بايدن” أو بقي “ترامب”.