25 November,2020

مؤتمر دمشق لعودة النازحين : قرارات تحتاج الى دعم دولي واسع للتنفيذ!

 

رئيس الوفد اللبناني للمؤتمر الوزير رمزي المشرفيه.

“المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين” الذي عقد في دمشق الأسبوع الماضي وشارك فيه لبنان ممثلاً بوزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفيه المعني مباشرة بملف عودة النازحين السوريين والذي اعد خطة لذلك تبناها مجلس الوزراء، حقق ما أراده منظموه، أي روسيا التي عمل مبعوث الرئيس فلاديمير بوتين السيد الكسندر لافرنتييف من اجل اعداده، وان كان لم يحقق عودة السوريين بعد. فللمرة الأولى يلتقي ممثلو 27 دولة ومنظمة في مكان للبحث في قضية النازحين وتحديداً في مسألة عودتهم. وان ينعقد المؤتمر على ارض سوريا بالذات، فإن لذلك دلالة يمكن للدولة السورية ان تتباهى بها من خلال التأكيد على ان دمشق رغم الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها، لا تزال قادرة على ان تثبت انها دولة قائمة بكل معنى الكلمة ولها حضورها ودورها واستطراداً فإن قضية النازحين السوريين لن تبحث الا بمشاركة سورية كاملة الاوصاف.

صحيح ان المشاركة الأوروبية والأميركية لم تكن مؤمنة في هذا المؤتمر للأسباب المعروفة نتيجة مواقف هذه الدول من النظام السوري، الا ان اثارة هذه المسألة الحساسة على نطاق دولي لها فوائدها خصوصاً اذا اقترن الكلام الذي صدر عن المؤتمر بالتنفيذ على طريق حل هذه المسألة الإنسانية التي يفترض ان تتم معالجتها بمعزل من الاعتبارات السياسية والموقف من النظام السوري. وقد تمكن السوريون من توجيه رسالة إيجابية الى العالم لاسيما لجهة تأكيد الرئيس السوري بشار الأسد وغيره من المسؤولين السوريين ان سوريا تنتظر عودة جميع النازحين في الخارج، لاسيما بعدما اوجدت الطرق والمبادرات لحل هذه الازمة التي سيعطي حلها دفعاً للمساعي لانهاء الازمة السورية سلمياً.

وكشف المؤتمر ما يمكن اعتباره “السياسات العدائية” التي تعرقل عودة النازحين على رغم الضمانات التي قدمها النظام السوري بعدم التعرض للعائدين وتقديم الدعم اللازم لهم في أماكن عودتهم سواء اذا كانت مناطقهم الاصلية او الموقتة بفعل الاضرار التي حصلت في بعض المدن السورية الكبيرة.

ولأن من اللافت غياب الأردن عن اعمال المؤتمر، وكذلك تركيا، علماً ان الغياب التركي له ما يبرره لأن انقرة باتت طرفاً مباشراً في الحرب السورية، في حين ان الأردن بقي بعيداً عن تفاصيلها الميدانية ونال، مثل لبنان، ذيول نزوح السوريين، علماً ان في الأردن مجموعات كبيرة من النازحين السوريين. واللافت أيضاً ان البيان الختامي للمؤتمر اعتبر “ان وقف الاعمال العسكرية لا يشمل هيئة تحرير الشام وتنظيم داعش، كما ان نظام وقف الاعمال القتالية لا يشمل في أي ظروف الاعمال الهجومية او الدفاعية ضد الأشخاص او الجماعات او المؤسسات او التنظيمات المذكورة”. واقر الحاضرون ان الازمة في سوريا لا يمكن حلها عسكرياً بل بتسويتها في عملية سياسية يقودها وينفذها السوريون بأنفسهم بمساعدة الأمم المتحدة. والدعوة الأبرز كانت للمجتمع الدولي للمساعدة على تيسير “العودة الآمنة” للنازحين، وعلى هذا المجتمع المساهمة في هذه العملية، خصوصاً بعد استعداد الحكومة السورية لاعادة مواطنيها الى ارض الوطن ومواصلة الجهود لتوفير عيش كريم لهم.

ماذا حقق لبنان؟

صورة جامعة للحضور في المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين في دمشق.

ومعلوم ان موسكو شكت مراراً، منذ اعلان مبادرتها لعودة النازحين السوريين خلال قمة هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين من العراقيل التي وضعتها لدول الكبرى في طريق تنفيذ هذه المبادرة لاسيما لجهة عدم توفير أي اعتمادات مالية لتغطية نفقات هذه العودة، وهذا الامر نفسه تكرر خلال مؤتمر دمشق اذ لم يعلن عن أي مساعدات مالية رصدت لتسهيل العودة، باستثناء دعوة الدول الى القيام بهذه الخطوة والتي لن يكون الرد عليها إيجابياً للاعتبارات السياسية المعروفة. لكن ما يمكن لهذا المؤتمر ان يحققه هو استكمال المبادرات الفردية في تنظيم رحلات العودة للسوريين الراغبين وقد كان لبنان من بين الدول التي نظمت رحلات عودة  ومجموع العائدين تجاوز الــ 300 الاف شخص، لكن المؤسف ان اعداداً أخرى أتت بعد ذلك ما ابقى عدد السوريين النازحين في لبنان يناهز مليون و500 الف شخص.

والسؤال ماذا حقق لبنان في هذا المؤتمر، وهل كانت المشاركة اللبنانية على مستوى وزاري ضرورية؟

مصادر متابعة اكدت انه لا يمكن ان يعقد مؤتمر عنوانه عودة النازحين السوريين الى بلادهم، ويغيب عنه لبنان الذي جعل هذه العودة من الأولويات التي نادى بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووضع مجلس الوزراء خطة لهذه العودة تبناها مؤتمر دمشق بالكامل وهذا الامر له أيضاً ايجابياته اذ توافر للخطة اللبنانية تأييد الدول والمنظمات المشاركة، بعدما كانت هذه الخطة لبنانية فقط. وقد نجح الوزير مشرفيه في تقديم الخطة للمؤتمرين واستحصل على موافقة عليها ما يجعلها خطة قابلة للتنفيذ اذا ما ساعدت الظروف الدولية والإقليمية لتحقيقها، علماً ان لبنان سيواصل تنظيم رحلات العودة التي لقيت تأييداً من الحاضرين. وبالتالي فإن المشاركة اللبنانية على المستوى الوزاري أعطت فرصة للبنان كي يعرض الواقع الذي يعيش فيه نتيجة تداعيات النزوح السوري على أراضيه، والخسائر التي يتكبدها لبنان المباشرة منها وغير المباشرة، وقد زادت، حسب ارقام صندوق النقد الدولي، عن 40 مليار دولار، ناهيك عن الخسائر غير المباشرة على الحركة التجارية والاقتصادية اللبنانية. في أي حال، ردة الفعل المعارضة للمشاركة الرسمية اللبنانية لم تكن في حجم واسع واقتصرت على بعض الأصوات التقليدية التي ترفض أي تواصل بين الرسميين اللبنانيين والسوريين، وامكن في النتيجة تجاوزها هذه المرة لأن الرعاية الروسية أعطت للمؤتمر بعداً دولياً خفف من “حدة” الحضور السوري تنظيماً وقرارات.

معايير أوروبية للعودة

في المقابل، كانت الدول الأوروبية تتعاطى مع مؤتمر دمشق من خلال تحديد معايير تعتبر انها ضرورية وواقعية حتى تصبح عودة النازحين السوريين على نطاق واسع ممكنة، لاسيما وان العديد من النازحين في الدول التي نزحوا اليها باتوا يرغبون في العودة، ومنها لبنان بعد التدهور الاقتصادي والمالي الذي يمر به وتوقف الكثير من الاعمال التي يقوم بها عادة العمال السوريون. ومن هذه المعايير التي تفرضها الدول الأوروبية ضرورة ان تكون الاعمال العدائية قد انخفضت بشكل كبير ودائم، وتضمن ضرورة “وجود اتفاق رسمي بين سوريا والدول المضيفة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لاستقبال العائدين، على ان تكون الضمانات الأمنية للعائدين حقيقية ويمكن التحقق منها، وان يكون اللاجئون والمشردون داخلياً قادرين على اتخاذ قرارات بناء على معلومات تتاح لهم، وطوعية من دون أي إكراه”.

وتشدد المعايير أيضاً على وجوب منح عفو فعلي من دون استثناءات واسعة النطاق للعائدين بمن فيهم أولئك الذين لم يكملوا الخدمة العسكرية او يعتقد انهم دعموا المعارضة، على ان يكون العائدون قادرين على المطالبة بحقوقهم في السكن والأرض والممتلكات واسترداد الممتلكات والحصول على التعويضات وفقاً للقانون الدولي. وشدد الأوروبيون أيضاً على “ضرورة احترام المسؤولية الاشرافية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن عودة اللاجئين، وعلى ضرورة ان يكون لدى المفوضية حرية الوصول من دون عوائق الى العائدين في جميع انحاء سوريا لمراقبة الاستقبال وإعادة الادماج”.

ويرى الأوروبيون “أن هذه المعايير وغيرها تستند الى عقود من الخبرة حول كيفية تحقيق العودة الآمنة الطوعية والكريمة، وبالتالي فإن على أي شخص مهتم بمساعدة اللاجئين والنازحين السوريين على العودة الى ديارهم المساعدة في تطبيق هذه المعايير”.