5 August,2020

ليبيا تحولت الى ساحة مواجهة عسكرية مصرية تركية والاحتمالات مفتوحة  

الرئيس عبد الفتاح السيسي یستضیف الجنرال خلیفة حفتر

 تتجه الأزمة الليبية المفتوحة منذ العام 2011 الى مزيد من التصعيد السياسي والعسكري بعد التطورات الأخيرة، خاصة وأن هذا البلد الغارق في الحرب الأهلية  والفوضى والانقسام منذ العام 2011 بعد سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وفي ظل التدخل الدولي والاقليمي المكشوف في شؤون هذا البلد وغياب التسويات السياسية بعد فشل كل المحاولات على هذا الصعيد، لاسيما وأن الصراع يتخذ في جانب منه منحى اقتصادياً يتعلق بالمخزون الهائل من الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، بما في ذلك مبادرات الامم المتحدة والوساطات والمبادرات العربية ، لاسيما وان البلاد منقسمة فيما بينها منذ عام 2014 وتشهد نزاعاً بين سلطتين: حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايزالسراج المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرّها طرابلس والمدعومة من تركيا وقطر، والمشير خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق البلاد وجزء من جنوبها والمدعوم من البرلمان المنتخب ومقرّه طبرق والمدعوم من مصر والامارات والسعودية وروسيا .

وتسارعت هذه الاحداث بعد الانتصارات العسكرية التي حققتها حكومة الوفاق ضد الجنرال حفتر بعد طرد قواته  من محيط العاصمة طرابلس (غرب)، ثم الاستيلاء  على مدينة ترهونة، وبعدها بني وليد (180 كم جنوب شرق العاصمة)، واطلاقها في الشهر الماضي، عملية “دروب النصر” لاستعادة مدينة سرت الساحلية (450 كم شرق طرابلس)، وقاعدة “الجفرة” العسكرية .

احتمالات المواجهة العسكرية وموقف المصريين والأتراك

 ويتخوف المراقبون جدياً من مواجهة عسكرية مصرية تركية  مع ارتفاع سقف التصعيد بينهما اعلامياً وسياسياً، مع العلم أن العلاقات بين البلدين تدهورت منذ العام 2013 مع تأييد تركيا وحزب العدالة والتنمية الحاكم  لجماعة الاخوان المسلمين في مصر وانتقادهما النظام الحالي، ويعتبرون أن العد التنازلي لهذه الحرب بدأ عندما أعلن الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان” بدء نشر جنود أتراك في ليبيا  بعد موافقة البرلمان التركي على ذلك وأجاز  له إرسال جنود إلى ليبيا دعماً لحكومة الوفاق الوطني، في مواجهة قوات المشير حفتر ، في وقت سبق أن عقدت تركيا اتفاقية بحرية  مع حكومة الوفاق ما يساعد تركيا  على أن تكون لاعباً اساسياً في الخطط الاقتصادية في البحر المتوسط وشريكاً في الغاز، حتى إن “اردوغان” نفسه قال صراحة إن اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص لن تتمكن من اتخاذ أي خطوة دون موافقتنا بعد توقيعنا على مذكرة التفاهم مع ليبيا، موضحاً أن هدف تركيا ليس القتال بل دعم الحكومة الشرعية وتجنّب مأساة إنسانية، وبذلك تضمن تركيا عدم سقوط  العاصمة طرابلس في يد حفتر بعد مهاجمتها اكثر من مرة  وتثبت شرعية حكومة السراج.

 وقد أكد “اردوغان” أن بلاده لن تسمح بأي عمل متهور في ليبيا، مذكراً بالهزائم التي لحقت بقوات المشير حفتر وإرغامها على التراجع عن تهديد طرابلس، وقال: أجبرنا الانقلابيين الذين يهددون طرابلس على التراجع، ونحن نتابع بعض التطورات خلال الفترة الأخيرة، فلا يتهور أحد، لإننا لن نسمح بذلك أيضاً.

الرئيس “طيب رجب اردوغان” ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج

 وفي المقابل فإن مصر التي ترى أن أمن جارتها الشقيقة ليبيا من أمنها لم تقف مكتوفة الايدي وتدعم حفتر سياسياً واعلامياً وديبلوماسياً وعسكرياً ، ووافق البرلمان المصري على تفويض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن القومي المصري واعطاه الاذن بالتدخل العسكري في ليبيا ، في وقت سبق أن أعلن السيسي عن طلبه من البرلمان هذه الاجازة استجابة لطلب من مجلس النواب الليبي وممثلي القبائل الليبية لدخول الجيش المصري للأراضي الليبية لحماية سيادة الدولة من الميليشيات المسلحة المدعومة من تركيا بعد لقائه وفداً من مشايخ وأعيان القيادات القبلية الليبية  طلب تدخل الجيش المصري في حال شنت الميليشيات التابعة لحكومة طرابلس المدعومة من تركيا هجوماً على سرت، بينما اكد السيسي أن بلاده  لن تسمح بتجاوز خط “سرت-الجفرة”، مشدداً على ضرورة بقاء ليبيا بعيداً عن سيطرة الميليشيات والإرهاب، ومؤكداً امام الوفد الليبي على ضرورة توقف القتال في ليبيا، مشدداً على أن التقسيم مرفوض بأي شكل من الأشكال.

 كما أن السيسي قال خلال زيارته المنطقة العسكرية الغربية المتاخمة لليبيا إن القوى الخارجية الداعمة بقوة للميليشيات والمرتزقة لم تسمح بتنفيذ قرار وقف إطلاق النار في ليبيا، ودفعت لانتهاك سيادة ليبيا وتوجيه رسائل عدائية لدول الجوار في اشارة الى تركيا، معتبراً أن  قيادات هذه القوى الخارجية بالميليشيات والمرتزقة بالاستعداد للاعتداء المباشر على مقدرات الشعب الليبي والتقدم شرقاً في ليبيا لتهديد حدود مصر الغربية ومصالحها بشرق المتوسط، ما دفع برلمان طبرق في الشرق برئاسة عقيلة صالح للترحيب بهذا الموقف، فيما اعتبرته حكومة الوفاق اعلان حرب.

الموقف الليبي واتفاق القاهرة

 

الرئيس الراحل معمر القذافي..سقط وترك لیبیا في مھب الاقتتال والفوضى

وفي هذا السياق أعرب مبعوث رئيس مجلس النواب الليبي الخاص عارف النايض، عن تفهم البرلمان الليبي لخطورة نشوب نزاع بين مصر وتركيا في ليبيا، لكنه يدعم التدخل المصري لأن العدوان التركي لم يترك أي خيار آخر، وقال ان احتمالات نشوب صراع كبير بين مصر وتركيا على الأراضي الليبية ليست مسألة بسيطة، وهي الآن أمر واقع تماماً، لافتاً الى أن ممثلي البرلمان الليبي وشيوخ القبائل الأكثر احتراماً لدينا وقادة النسيج الاجتماعي طالبوا بالتدخل المصري المباشر ليس لأنهم يريدون الحرب ولكن لأنهم يريدون السلام، مشيراً الى أن تركيا استخدمت الدعوة غير القانونية بدون موافقة برلمانية من حكومة الوفاق الوطني للقيام بأمرين يمثلان تهديداً وجودياً: أولاً جلبت تركيا ما يقرب من ستة عشر ألف مقاتل، أغلبهم من أعضاء” القاعدة” و”داعش” إلى ليبيا. وثانياً أكدت تركيا الهيمنة الكاملة على ليبيا ومواردها في تصريحات وخطب متغطرسة للغاية على لسان وزير دفاعها ومسؤولين آخرين، موضحاً أن رفض حكومة الوفاق لاتفاق القاهرة أدى إلى وضع خطير ومتقلب للغاية في ليبيا.

ومع هذا التصعيد غير المسبوق  يخشى المراقبون أن تتحول الحرب غير المباشرة بين مصر وتركيا الى حرب مباشرة اذا فشلت الاطراف الدولية والاقليمية في احتواء هذا النزاع ونفذت مصر تهديداتها، خاصة اذا تجرأت تركيا واحتلت سرت بواسطة حكومة الوفاق والمرتزقة الذين تزج بهم في أتون الحرب ، بحيث لم تتوان عن ارسال عناصر سورية من “داعش” للقتال في ليبيا ، حيث من الممكن آنذاك أن تتوسع دائرة الحرب لتشمل كل المنطقة وخاصة الدول المطلة على البحر المتوسط وتترك اثاراً مدمرة على هذا البلد المنهوك منذ تسع سنوات ما يؤدي حتماً الى تقسيم ليبيا بين دولتين: غربية وشرقية، أو إلى ثلاث دول: غربية وشرقية وجنوبية.

 ومصر التي توجه مشكلة كبرى مع اثيوبيا بسبب سد النهضة وتخوض حرباً ضد الارهاب في سيناء وفي الداخل المصري لن يثنيها اي أمر عن خوض الحرب اذا تخطت حكومة الوفاق خط “سرت والجفرة” رغم أن البعض يستبعد المواجهة الشاملة ويراها مقتصرة على مناوشات اعلامية ومواجهات محدودية عبر الوكلاء للضغط بإتجاه العودة الى الحل السياسي عبر “اتفاق القاهرة” الذي جرى بين السيسي وحفتر وعقيلة صالح في الشهر، وتضمن التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي الليبية واستقلالها واحترام كافة الجهود والمبادرات الدولية وقرارات مجلس الأمن والتزام كافة الأطراف بوقف إطلاق النار اعتباراً من 8 حزيران (يونيو) الجاري وارتكاز المبادرة على مخرجات مؤتمر برلين والتي نتج عنها حلاً سياسياً شاملاً يتضمن خطوات تنفيذية واضحة في المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية واحترام حقوق الإنسان واستثمار ما انبثق عن المؤتمر من توافقات بين زعماء الدول المعنية بالأزمة الليبية.

 كما نص على استكمال أعمال مسار اللجنة العسكرية (5+5) بـ جنيف برعاية الأمم المتحدة، وقيام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بإلزام كل الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من كافة الأراضي الليبية وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها حتى تتمكن القوات المسلحة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية من الاضطلاع بمسؤولياتها ومهامها العسكرية والأمنية في البلاد، والعمل على استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها الوطنية مع تحديد الآلية الوطنية الليبية الملائمة لإحياء المسار السياسي برعاية الأمم المتحدة واستثمارا لجهود المجتمع الدولي لحل الأزمة الليبية.

 كذلك  شدّد اتفاق القاهرة “على إعادة سيطرة الدولة على كافة المؤسسات الأمنية ودعم المؤسسة العسكرية، مع تحمل الجيش الوطني مسؤولياته في مكافحة الإرهاب وتأكيد دوره بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والشرطية لحماية السيادة الليبية واستعادة الأمن في المجال البحري، والجوي، والبري، اضافة الى قيام كل إقليم من الأقاليم الثلاث بتشكيل مجمع انتخابي يتم اختيار أعضائه من مجلسي النواب والدولة الممثلين لكل إقليم بجانب شيوخ القبائل والأعيان ومراعاة نسبة تمثيل مقبولة للمرأة والشباب والنخب السياسية من المثقفين والنقابات بحيث تجتمع اللجان الثلاث تحت رعاية الأمم المتحدة ويتم التوافق عليها ويتولى كل إقليم اختيار الممثل الخاص به سواء بالتوافق أو بالانتخاب وذلك في مدة لا تتجاوز 90 يوماً ، وقيام كل إقليم باختيار ممثله للمجلس الرئاسي ونائب لرئيس الوزراء من ذوي الكفاءة والوطنية بهدف تشكيل مجلس رئاسة من رئيس ونائبين ومن ثم قيام المجلس الرئاسي بتسمية رئيس الوزراء ليقوم بدوره هو ونائبوه بتشكيل حكومة وعرضها على المجلس الرئاسي تمهيداً لإحالتها لمجلس النواب لمنحها الثقة على أن يقوم المجلس الرئاسي باتخاذ قراراته بالأغلبية، عدا القرارات السيادية المتعلقة بالقوات المسلحة فيتم اتخاذ القرارات أو البث في المقترحات التي يقدمها القائد العام للجيش في هذه الحالة بالإجماع وبحضور القائد العام.

وتضمن الاتفاق حصول كل إقليم على عدد متناسب من الحقائب الوزارية طبقاً لعدد السكان عقب التوافق على أعضاء المجلس الرئاسي الجديد وتسمية رئيس الحكومة على ألا يجمع أي إقليم أكثر من رئاسة للسلطات الثلاث (المجلس الرئاسي، مجلس النواب، مجلس الوزراء) بحيث يحصل إقليم طرابلس على 9 وزارات، وإقليم برقة على 7 وزارات وإقليم فزان على 5 وزارات على أن يتم تقسيم الوزارات السيادية الست على الأقاليم الثلاثة بشكل متساو أي وزارتين لكل إقليم مع تعيين نائبين لكل وزير من الإقليمين الآخرين على أن تقوم الأمم المتحدة بالإشراف على المجمعات الانتخابية بشكل عام لضمان نزاهة سير العملية الخاصة باختيار المرشحين للمجلس الرئاسي، مطالباً المجتمع الدولي إخراج المرتزقة الأجانب من كافة الأراضي الليبية.

وفي المحصلة يرى المراقبون أن الوضع مفتوح على كل الاحتمالات بما في ذلك الحرب المباشرة اذا تخطت حكومة الوفاق خط سرت واقتربت من الحدود المصرية  او أن يبقى الوضع هلى حاله محكوماً بتوازن القوى وبمناوشات بالوكالة عبر الاطراف الليبية الى أن تحين التسوية النهائية ويحصل كل طرف على مكتسباته ، بحيث ان مصر لا تتهاون في أمنها القومي ولن تسمح بأن تكون خاصرتها الغربية رخوة  يتسلل عبر المتطرفون الى الداخل، فيما تركيا  تسعى لتحقيق مصالحها في قضية ترسيم الحدود البحرية والمشاركة في حقول الغاز المكتشفة في شرق المتوسط وبالتالي فالمواجهة لا يخطط لها الطرفان انما هي محكومة بالوقائع على الارض ومدى عدم تهور اي طرف في تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة، فيما يعول على دور روسي واميركي واوروبي لوقف التصعيد غير المسبوق ومنع نشوب حرب مصرية تركية مباشرة على الاراضي الليبية وفي المتوسط.