30 October,2020

لا يصحّ... إلا الخطأ

بقلم كوزيت كرم الأندري

 

كوزيت كرم الأندري

 أمي، أودّ أن أصحّح لك بعض المعتقدات التي كنتِ تتّكئين عليها لمجابهة هذه الحياة الظالمة، ولا أعلم إن كنت ستقرئين ما أكتب هنا من حيث أنت، من دنيا الحق.

 أبي، لا بأس في أن أصوّب لك بعض ما علمتني إياه، وإن كانت العين لا تعلو على الحاجب.

 أساتذتي في الجامعات الثلاث التي جلست على مقاعدها، أحرِقوا الكتب التي علّمتمونا فيها أصول المهنة وأخلاقياتها، لأن مفاهيمها باتت بائدة يسخر من سذاجتها الواقع.

 أمي، لا أوافق على القول المأثور “ألف كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو”. لا بل أفضّل ألف كلمة الله يرحمو ولا كلمة جبان! 

 أبي، ليس صحيحاً أن الحق كالسنديانة، يفنى الذين يقطعون جذوعها وهي لا تفنى. كم من حقٍ هُدر ومات أصحابه قهراً…  

 أساتذتي الأعزاء، لغة الضاد تضع يدَيها على وجهها كل يوم، وتبكي، لكثرة ما بطشوا بقواعدها. “بَس مين بالو”؟ المهم “كَسر” المبادئ، و”فَتح” الصدر، و”ضَم” المدير…

 بدِّلوا، لو سمحتم، من  شعار هذه المهنة واجعلوه “مهنة الملاعب” بدلاً من “مهنة المتاعب”. فكُثُر ممّن “يفتكون” بها تلامذة “يلعبون” في باحات المدرسة.

إعلموا أنها باتت مهنة التكاسل الفكري (وإن كان لا يجوز التعميم).

وأن الموضوعية انقرضت، مثلما انقرضت الديناصورات.

واعملوا أيضاً، أنتم من سعَيتم إلى تثقيفنا،

أن ثمة مديرين يستبدلون الأدمغة… بالمؤخِرات

والسِّير الذاتية الطويلة… بالتنانير القصيرة

والعقول النَيّرة… بالصدور “الخَيّرة”

واللياقة المهنية… باللياقة البدنية

حدّثتمونا عن مؤسسي الصحافة ومجدها، ولم تحدّثونا عن “إسكافيّيها”. عن ماسحي أحذيتها ولاعقيها. عن أولئك الذين، وإن مرّ عليهم الزمان، سيظلون صفراً على شمال المهنة.

نبّهتمونا إلى أن الذي لا يتعلم كيف يكتب خبراً متواضعاً، لن يكتب مقالا يهز أركان الحكم. فاتَكم أن بعضهن يهززن “أركان الحكم”، لكن ليس بأقلامهن ولا بمِذياعهن…

كلّمتمونا عن أهمية العمل الصامت. المتواصل. الدؤوب. وعن مؤسسي بعض الصحف العريقة الذين بدأوا حياتهم المهنية في تصحيح البروفات، وفاتكم أن كثيرين، ولا سيما كثيرات، يبدأون حياتهم المهنية لا من أسفل الهرم بل من رأسه، لأن “أسفل” الـ Boss خاطب رأسَهُن… أو حتى رأسَ”هُم”.

 كان حَريّاً بكم تدريس حلقات تلفزيون الواقع لـ”ستار أكاديمي”، حيث “كِلّو بِعَبّط كلّو… وكِلّو بِكذّب عكلّو”. لكُنتم اختصرتم علينا الطريق، ولكنّا فهمنا أن الزَّيف هو جواز المرور الوحيد في عالم الجوع إلى الأضواء. (كيف لي أن أقنعهم بأن الشهرة ليست فعلاً عبقرياً، وبأنه لو وضعنا عنزة على الشاشة لاشتهرت؟!)  

وبالحديث عن الشاشة، نسيت أن أقول لكم، يا أساتذتي الكرام، إن ثمة رؤساء مؤسسات يحاضرون في حتميّة التحرر من الأنظمة الاستبدادية على شاشات التلفزة، ويمارسون القمع على موظفيهم خلفها. تحرير هؤلاء من فِصامهم الفكري لا يقل أهمية عن تحرير الأوطان.   

إيّانا أن نظن أنّ في عالمنا هذا “ما بِصِحّ… إلّا الصحيح”. لا بل “ما بِصِح… إلا الخطأ”.

وإيانا أن نظن أن من يملك الحق ينتصر في النهاية. فكم من مرّة خسر أصحاب الحق في التاريخ!

خسِروا. نعم.

إلا أنهم ربحوا التزامهم تجاه أمرَين أساسيَّين:

كرامتهم.

وحريتهم.

لهذه الفئة “المعذّبة” من الناس، ربي، إجعلني دائمة الانتماء.

واعطني كرامتي وحريتي كفاف يومي.

آمين.