28 January,2021

لا خطر بعد على عظمة أميركا

بقلم خالد عوض

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”: جاء دوره في شرب كأس العقوبات المر .

 شيء عظيم يغلي في الولايات المتحدة. العنوان هو الرئيس “دونالد ترامب” شاغل الناس. ولكن المسألة باتت أكبر من قضية عزله، الذي لن يقبل به مجلس الشيوخ والجميع كان يعرف ذلك من الأساس. فقرار العزل يتطلب ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ وأكثر من ثلث هؤلاء ما زال يؤيد “ترامب” أو بالأحرى يدعم التيار “الترامبي”. الانقسام ليس في المؤسسات بل في الشارع. قسم كبير من الأميركيين يعتبر أن “ترامب” أعاد لهم كيانهم المجتمعي وهويتهم الوطنية وحتى كرامتهم. وقسم آخر، كبير أيضاً يعتبر أن “ترامب” كما فعل غيره من الرؤساء الأميركيين زاد في تأصيل مشاعر العرقية والعنصرية والتطرف والإفراط في استخدام قوة الشرطة. في ظل هذا التباعد القيمي والأخلاقي من الصعب جداً أن يتمكن الرئيس العتيد “جو بايدن” من توحيد شعبه كما وعد. وسيكون عليه الاختيار بين استخدام القوة الصارمة لإعادة الأمور إلى نصابها مع ما يحمل ذلك من أخطار ومن تخل عما تبقى من ديمقراطية وحريات في أميركا أو أن يقبل بالتعايش مع تظاهرات وربما مواجهات في الشارع لا تحمد عقباها.

 

توصيف التظاهر بالإرهاب مقدمة.. للقمع 

 عندما انطلقت تظاهرات في مختلف الولايات الأميركية في الصيف الماضي تحت عناوين مختلفة مثل”حياة السود تهم” و”أوقفوا تمويل الشرطة” وغيرهما من شعارات المساواة ونبذ العنف والعنصرية، واكبتها أعمال شغب وسرقة واعتداء على الممتلكات الخاصة وصلت إلى حد إقفال مناطق بالسلاح وتوقيف المارين فيها

مؤسس شركة “سبايس اكس” الفضائية “ايلون ماسك”: رغم كل ما يحصل ما زال مصراً على أن الإنسان سيطأ أرض المريخ قبل عام ٢٠٢٧ .

ومنع عناصر الأمن من الاقتراب منها. لم تطلق خلال كل الفترة السابقة صفة “إرهابي” على أي من الذين عاثوا فساداً في شوارع “نيويورك” أو “شيكاغو”. ولكن عندما اقتحم متظاهرون مبنى “الكابيتول” في العاصمة واشنطن دي. سي. في الأسبوع الماضي معترضين على ما يعتقدون أنه سرقة للانتخابات، تكررت تسمية هؤلاء بالإرهابيين رغم أن بعضهم من أفراد الشرطة والجيش السابقين. إدخال هذا التوصيف مؤخراً يعبر عن الأزمة العميقة التي تعاني منها الولايات المتحدة ويحضر لمرحلة تعطي الرئيس والدوائر الأمنية سلطة واسعة لقمع الحريات. فعندما شهدت الولايات المتحدة أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ الإرهابية صدر قانون “باتريوت” الذي أعطى الشرطة صلاحيات مراقبة واسعة لم تكن ممكنة في النظام الأميركي الديمقراطي. ومع تجدد الحديث عن “إرهاب” في عملية اقتحام الكونغرس لن تتأخر القوانين الجديدة في تقييد التظاهر أو فرض أشكال جديدة من مراقبة حياة الناس. إذا كانت الولايات المتحدة نفسها تتجه إلى قمع الحريات والتجسس على مواطنيها وتشديد الرقابة عليهم تماماً كما كانت تتهم خصومها مثل الصين وروسيا وغيرهما من دول العالم الثالث، فنحن على عتبة عالم جديد ستصغر معه مساحة الديموقراطية والحرية وتكبر فيه سلطة الحكومات. 

منصات تواصل أو شرطة رقمية؟ 

 مظاهر القمع والرقابة تجلت في كل ما قامت به منصات التواصل الاجتماعي مثل “تويتر” التي أقفلت حساب “ترامب” إلى الأبد (!) وأوقفت مؤقتاً حسابات مؤيديه الكثيرين ممن حاولوا التحريض على التظاهر.

“فايسبوك” أيضاً لم تقصر ومحت كل التعليقات المثيرة للانقسام. وتبعتها “يوتيوب” التي أوقفت قناة “ترامب” عليها.  فجأة

رئيس شركة “تويتر” “جاك دورسيه”: منع الرئيس الأميركي إلى الأبد من… التغريد!

أصبحت “تويتر” و”فايسبوك” و”يوتيوب” من حماة السلم الأهلي وليست مجرد منصات تواصل إنساني. ليس عادياً أن تأخذ وسائل تواصل إجتماعي دوراً سياسياً رقابياً وتمنع من خلاله رئيس أكبر قوة في العالم من التعبير عن رأيه. أليس هذا دليلاً على سلطتها المطلقة على أي مواطن عادي أو مجموعة فكرية أو حزب سياسي، هذا بالإضافة لقدرتها الاستخباراتية والاستقصائية ؟    

أبو العقوبات… يعاقب 

 أفضل تصوير لاهتزاز الحرية الأميركية هو كلام أحد النواب الجمهوريين في الكونغرس خلال جلسة عزل الرئيس الأميركي: “من المخزي أن يتمكن الملالي في إيران من التغريد بينما لا يستطيع ذلك رئيس الولايات المتحدة”. الرجل الذي ما زالت إدارته تفرض العقوبات يميناً ويساراً حتى في آخر أيام ولايته فرضت عليه عقوبات في… التعبير والتغريد!  ولم تقتصر معاقبة “دونالد ترامب” على منصات التواصل الاجتماعي. هناك بنوك مثل “دويتشي بنك” و”سجناتور بنك” أعلنت التوقف عن التعامل مع “ترامب” وأي من شركاته. شركات ومؤسسات أخرى كثيرة اوقفت كل التبرعات للنواب الجمهوريين الذين اعلنوا رفضهم لنتائج الانتخابات تضامناً مع “ترامب”. فجأة أصبح الرئيس الأكثر فرضاً للعقوبات في تاريخ الولايات المتحدة محاصراً بكل أنواع المقاطعة.

ما يحدث في الولايات المتحدة لن ينتهي مع ذهاب “ترامب”. الانقسام العمودي موجود من قبل “ترامب”. كل ما فعله الأخير أنه ركب عليه وظهره للعلن.

غياب “وحدة المعايير” أو الكيل بمكيالين وسياسة التشفي من “ترامب” الذي يقودها الديمقراطيون زادت غضب مؤيدي “ترامب”. هؤلاء لن يعودوا إلى بيوتهم بعد رحيل ملهمهم في ٢٠ كانون الثاني (يناير) وكأن شيئاً لم يكن. والجمهور المقابل الذي يعاني من مشاعر الظلم والغبن لن يبقى متفرجاً مهما حاول “بايدن” التطمين.

هناك دول شامتة بالأميركيين وتنتظر بفارغ الصبر أن تغرق الولايات المتحدة بالفوضى. وهناك دول أخرى مذهولة وتترقب بحذر. وأخرى خائفة لأنها يمكن أن تفقد الدعم أو الغطاء الذي كانت توفره أميركا لها. لا شك أن الصين ستوسع حركتها الدبلوماسية لتفرض دوراً أفعل لها في ظل الفراغ الذي سيولده التهاء الإدارة الأميركية الجديدة بمشاكلها الداخلية. ولكن من المفيد للذين يستعجلون سقوط الولايات المتحدة ويبنون على ذلك أن يتريثوا قليلاً ويتوقعوا أن تكون أميركا أخطر وأقسى على العالم إن هي شعرت بالخطر عليها. فبلد التكنولوجيا وغزو الفضاء والدولار لن يأفل.. بسهولة.