27 November,2020

كلوديا مارشيليان: قتلتني صرخة أمّ "أبو عيون عسليّة" في كارثة المرفأّ !

بقلم عبير أنطون

كلوديا مارشيليان ..ألف قصة وقصة في الانفجار

 هزّت كارثة المرفأ اللبنانيين، وكأنها تتويج للعيش المرهق في بلد الأرز وسط كوارث متتالية، اقتصادية ونقدية وصحية، حتى لكأن الهواء بات ممنوعاً عليهم ليتنفسّوه. ولا بد أن الصور، والمشاهد التي وصفها البعض بالـ”ابوكاليبتية” وتضاهي تلك “الهوليوودية ” في عنفها وعصفها، تركت اثراً في النفوس من الصعب أن يمحى، وقصصاً، إن حكيت لن تصدَّق، ولن تنتهي!.. فهل سيشكل بعضها مادة سينمائية وتلفزيونية مقبلة، وكيف ينظر اليها الكاتب من زاويته ؟

الأسئلة حملناها الى الكاتبة والممثلة كلوديا مرشيليان، وتشعّب الحوار ليطال المسؤولين اللبنانيين، والنظام القائم، وطبعاً ايضاً، الحديث عن “الأشرفية” التي تضررت أحياؤها كثيراً، فكان عنها السؤال المدخل:

– نعرف أن منطقة الأشرفية عزيزة عليك . هل أنت من سكانها، وأين كنت وقت الانفجار ؟

 لست من سكانها، لكنها تعزّ علي لاسباب عديدة . فمَن أراد السهر او العمل او لقاء الاصحاب والاحبة فإنه يقصدها، وجميعنا نفتخر بالمباني الجميلة التي تحتضنها، وكل المنطقة التي حلّ بها الدمار هي منطقة رائعة وكنا سعيدين بها . كنت في بيتي في بصاليم، وهو مواجه جداً للمرفأ، في جمعة عائلية نحتسي القهوة بعد الظهر. اعتقدت في البداية أنها “ضربة اسرائيلية” لمحطة الكهرباء في المنطقة والتي سبق وقصفتها اسرائيل ثلاث مرات. سمعنا صوت الطيران، وكانت الضربة الأولى مشابهة جداً لضربات الكهرباء، ولما حلّ الانفجار الكبير كان شبه تأكيد لنا بأنها ضربة اسرائيلية للمحطة. وما هي الا لحظات حتى اكتشفنا أنها “هيروشيما” في المرفأ. حدث مرعب، وجريمة ضد الانسانية.

– الغريب أن الجميع يجمع على سماع صوت الطيران، ولا يحكى عنه بشكل أساسي؟

 أسرد لك ما حصل من دون اي خلفية . سمعنا الطيران بشكل واضح وطلبت من الموجودين الدخول.

– منذ وقوع الانفجار، حتى اليوم نشهد سيلاً من الصور عن ضحايا ومصابين وجرحى ودمار. ما اكثر الصور التي هزّتك، ولماذا ؟

 كلها مؤثرة. والكلام أيضاً مؤثّر جداً، خاصة ممن طالتهم الفاجعة .الأصوات التي تصرخ وتستغيث، الانين، المشاهد المؤلمة، لا يمكن أن تنسى بسهولة. صدمتني البارحة صورة نشرتها صديقتي الإعلامية ريما نجيم، تفوق الوصف، عن أنسان تحت الركام . البارحة كان حيّاً كما نحن، له مشاريعه وطموحاته وعائلته وأغراضه وبيته والناس التي يحبها وتحبه..

– لمّا علمت أن الدمار الهائل لحق بمنطقة المرفأ وخاصة أحياء الجميزة ومار مخايل، اي اول الأماكن الذي سألت عنه؟

خفت على الناس اولاً، ولي عدد كبير جداً من الأصدقاء في المنطقة وقد انهدّت بيوتهم، او تضررت، أو أصيبوا بجروح . قلقت على بيتّي توتل صديقتي، استاذة المسرح والممثلة، وعلى والدتها في المستشفى، وقد تضرر بيتها، ومكتب اهلها . كذلك صديقتي المقربة ايضاً “راح” بيتها، والنهار ” تكسّرت”، هذا المكان الذي لي فيه ذكريات حلوة ..

– هل تخشين على “الأشرفية” مما يحكى عن محاولة طرق باب اهاليها لبيع ممتلكاتهم فيها ؟

لا ..لا اخاف عليها. قد يتم ذلك بحالات افرادية . اهلها واعون، ومتمسكون بأرضهم . علماً أنني اعرف جشع السماسرة ورصدهم لما يمكنهم أن يستغلوه. الاشرفية هي لكل الناس. ومع تأكيدي بأنني لست انعزالية، فأنا ارفض بيع اي انسان لأرضه وبيته، ومهما كانت طائفته، وحتى لو كان ذلك لاشخاص من الانتماء الديني عينه، لأن في هذه الاملاك تاريخ وقد تعاقبت ملكيتها من ايام الأجداد. وهنا، على الدولة أن تساعد في عملية ترميمها، وألا يسمح بأن تستغل لبناء الابراج الشاهقة.

دراما؟

معتصم النهار .. بطل مسلسل كلوديا الجديد

 – في أوضاع مماثلة، هل من مكان للعمل، للتوثيق، للتأليف، لجعل هذه الأحداث في مسلسل او فيلم مثلاً؟

 نحن في “نفسية” صعبة ومقهورة الآن…قد يرفع الكاتب منا صوته ويقول: سأوثق ما “فعلوه بنا”، سأفضحهم، لكن ذلك يتطلب بعض الوقت لاجتياز المرحلة، ونفض الغبار، والتئام الجروح نوعاً ما. الوقت هو اليوم هو لرفع الدماء عن الارض وازالة الركام، من بعدها يمكن الوصول الى مرحلة التفكير بذلك.

– هل لديك امل بأن تصل التحقيقات الى خواتيمها، وتحدد المسؤوليات بكل شفافية ويصار الى المعاقبة الفعلية ؟

طالما هم على كراسيهم، لا امل ولا ثقة لي بشيء. ما آمله فعلاً، هو أن يرحلوا. بعد رحيلهم نبدأ بالامل . هي “مافيا” متجذرة . بدل أن يستحوا ويستقيلوا، ترونهم يقومون بمشاورات لحكومة جديدة .لا علم لهم بما حدث..لا علم لهم بأنه لم يعد لهم مكان . لست اصدق، من اي طينة هم . إنهم كالمرض الذي يتوجب استئصاله .

 – هل من تعويل بعد على الشعب المتعب، المثقل بهمومه؟ هل هو قادر على رفع الصوت؟

لو لدينا القدرة لكنا فعلنا. نزلنا الى الثورة لأكثر من مرة وبأعداد هائلة وبقوا مسمرين على كراسيهم. هذا يعطي اعذاره التي حدت به الى عدم الاستقالة، وذاك لا يزال يفكّر في تقديمها، وآخرون يقومون بحساباتهم، وجميعهم على علم بالقنبلة الموقوتة التي كانت في المرفأ، وما زالوا يدرسون خياراتهم وتحالفاتهم . ادعوهم إلى النزول الى الارض فقط حتى يتعلموا من هذا الجيل الجديد الذي ترفع له القبعة . شابات وشبان من مختلف الطوائف، بمكانسهم، هبوا لازالة الدمار الهائل . لا نعرف ميولهم ولا طوائفهم .”بيسووا رقبتكم” هؤلاء الذين تنعتونهم بـ”جيل النايلون”. هم رائعون، مدنيون غير طائفيين، ينظفون البيوت والشوارع، يساعدون الاهالي، يحملون كبار السن على اكتافهم، وهؤلاء، بكل تأكيد، غير مرحب بهم في نادي السياسيين الذين لا يعيشون الا على الخلافات والانقسامات ليوزعوا الحصص والمغانم فيما بينهم، ومثل هؤلاء لا يمكن أن يجروهم الى الطائفية والحروب. اعتقد أن السياسيين ما زالوا يجمعون من حولهم 10 بالمئة من الشعب اللبناني، يسيرون خلفهم، وكلما ابديت رأيك يشتمونك ـ وينعتونك بأبشع الصفات . لا يجرأون على النزول بين الناس، الناس الذين انتخبوهم حتى ينوبوا عنه ..اذا لم يعد باستطاعة النائب أن يكون بين الناس فما لزومه اذاً ؟

– بعد ما سمعناه وشاهدناه، اليس في كل بيت قصة ؟

سمرا .. بطولة نادين نجيم وكتابة كلوديا مارشيليان

بكلّ تأكيد وتخزّنها الذاكرة .”يا ويلي شو في ناس مقهورة!” . تنظرين الى اهل الطفلة الكسندرا، تجدين عيونهم تائهة، شأنهم شأن الحجة التي تصف ابنها للمراسل حتى يجده لها . قتلتني قتلاً! تصوروا براءتها، مدى حبها له وتعلقها به . يسألها المراسل عن مواصفاته، فتقول له : “منيح ابني منيح .. تعطيه صفات داخلية، “من جوّا” ..”منيح وحلو ومدلل وعيونو عسلية” ..هذا يصح لوحده أن يشكل مسلسلاً، ومثله “جو” ووالده المحروق عليه. ويلومون اخاه الذي ينام معه في الغرفة نفسها منذ ولادته بأنه تلفظ على التلفزيون ببعض الكلام ..اشفقوا على الناس! ارحموها! اتركوها تعبّر. هل يعقل أن تطفأ الكهرباء وان يصار الى البحث عن المفقودين على أضواء الهواتف ؟

وتزيد كلوديا:

تتعرض البلدان، لأحداث كبرى، وتتعرض لعوامل طبيعية كالزلازل والتسونامي وغيرها، فتلملم الناس جراحها . لكن ما حدث لم يكن بفعل حدث طبيعي، بل من جراء سياسيين هم “مصائب” في كل ما للكلمة من معنى، مذ فتحنا عيوننا حتى اليوم. لست ادري من اين يلوح في داخلي هذا البريق من الأمل بأن شيئاً ما سيتغيّر. سنصل الى دولة مدنية، الى نظام جديد . فليتركونا نحكم البلد بالادمغة اللبنانية التي تنتشر في كل اصقاع العالم، وتبدع وتزدهر بالبلدان التي تعيش فيها. لو يعود هؤلاء يجعلون البلد جنة. لكنهم لا يلائمونهم. لا يلائمهم أن تعيش الناس في بحبوحة، ولا أن تتعلم، حتى لا يستغنوا عنهم، لبيع الاسلحة والمخدرات والصفقات، واستحضار أشخاص وهميين على منوال الباخرة التي اتت بالامونيوم.

– منهم من لام الإعلام أيضاً في استخدامه تعابير لا تليق بالشاشة، وصوبوا عليهم . شخصياً كيف وجدت الاداء الاعلامي في هذه الفترة ؟

أعطني مثلاً ..

– البعض مثلاً صوب على الاعلامي مارسيل غانم، في اختيار الفاظ، اعتبرها المصوّبون عليه، لا تليق بأن تسمع على الهواء ..

هذا موقفه وهذا رأيه، وهو حر. هل سمعتم الصحافية التي استضافت جبران باسيل، كيف توجهت اليه، بأية طريقة، وبأي كلام ؟ نحن معتادون على شاشات واعلاميين يدوّرون الزوايا . كل الاعلاميين بحالة غضب وموقف غير حيادي. هم من الناس، و يعيشون في البلد. في مكان، الاعلام هو لسان حال الناس . لم يجرؤ اي نائب او وزير أن يقصد الشوارع المتضررة او يزور بيوتها، ومن نزلوا تم طردهم بالمكانس. وحدها الفنانة الراقية ماجدة الرومي، هذه الفنانة النقيّة، استُقبلت على الراحات. الفنان هو من يمثل الناس. فليخضع الجميع للمحاكمة للمحاسبة. لماذا هذا الخوف؟ استقيلوا ولتفتح كل الملفات، ومن يثبت بأنه ليس متورطاً يبرّأ.

أنطوان كرباج والممثل القدير رفيق علي احمد

– نادين نجيم قررت الرحيل عن لبنان. هل تجدين قرارها إن بقيت عليه، صائباً لنجمة مثلها؟

كما نحن اُصبنا بأرواحنا، نادين أُصيبت بروحها وبجسدها، وعاشت خوفاً كبيراً. تعرضت لجروح وخضعت لعمليات، ولو كان اولادها في البيت لكانت العواقب وخيمة، لا سمح الله. يمكن تفهم كلامها. كلنا نقول بدنا نفل ّ! لكن الى أين؟ بالنهاية نادين في بلدها ملكة، وهي نجمة. ربما جميعنا نقول ذلك لنحافظ على بعض الكرامة التي ما زالت في داخلنا .اقول لها سلامة قلبك. لقد كلّمتها، وهي بصحة جيدة، مرت بقطوع، خسارة مادية ولحظات خوف قاسية وصعبة .

– والخبر الذي أخذ مداه عن وجود الممثل القدير أنطوان كرباج في مأوى للعجزة . كيف تفاعلت معه ؟ وهل سبق واجتمعتما في اي عمل فنيّ ؟

انطوان كرباج، هذا الانسان العزيز، والعظيم من بلدي، اصيب بمرض الـ”زهايمر” وقد ساء وضعه جداً. وما عرفته أن وضعه الآن بات سيئاً جداً صحياً وعقلياً ما استدعى أن يكون مواكباً بعناية طبية متخصصة، ويحتاج لمستشفى لمساندته، وبكل كرامة وعزة له. عائلته الكريمة اضطرت الى نقله الى مكان يواكبه، ويكلف الكثير. هو ليس في مأوى لأن ليس من مكان له، انما لظروفه الصحية . ليكفوا عن ” لقلقة” الكلام وليستعيضوا عوضاً عن ذلك بتنظيف الركام والزجاج عن الطرقات، تماماً كما الشائعات التي تلاحق السيدة فيروز ايضاً ..

– اي موقف مع الاستاذ أنطوان تتذكرينه ؟

 اول دور لعبته في حياتي كان أمام أنطوان كرباج، هذا الاستاذ الكبير والانسان الكبير . كنت في العشرينات لما قالوا لنا في معهد الفنون أن “كاست” يجري في “تلفزيون لبنان” فذهبنا مجموعة كبيرة وتم اختياري لألعب أمامه في مسلسل بعنوان “الضحية”، واذكر أن شاركت فيه ايضاً جمانة شرف الدين وقد احتضنني بشكل رائع. كذلك فقد شارك مع جورج خباز في مسلسل جميل كتبته أنا، بعنوان “تقريباً قصة حب”.

أم الشهيد أبو عيون عسلية وابنته..

– ماذا حالياً عن مسلسل “وقف التصوير” من وحي “كورونا” . هل صحيح أن تصويره انتقل الى سوريا بسبب الحجز على الاموال في المصارف اللبنانية ؟

لا. وكان من المفترض أن يصور هنا، وحدث ما حدث . لم يبدأ تصويره بعد، وهو يدور في فلك القضايا التي طرأت إثر انتشار فيروس “كورفيد 19” ومدى تأثيره على المجتمع ومن ضمنها توقيف تصوير جميع المسلسلات بحيث اجبر المشاركون فيه على التزام الحجر، ويتطرق المسلسل الى ما يحدث معهم من قصص.

– هل تميلين الى فكرة “المؤامرة” في الفيروس؟

ما أنا اكيدة منه أنه خطير وله عوارض، ولا يجب الّا أن يؤخذ على محمل الجد. سألت الممثل وجيه صقر وقد تعرض له مع والدته، واخبرني عن كل العوارض . يجب الحذر من هذا المرض، والخوف على المحيطين بنا كخوفنا على أنفسنا.

– هل من اعمال أنت بصدد التحضير لها الآن؟

اكتب مسلسلاً اجتماعياً لشركة الصباح من 60 حلقة من بطولة معتصم النهار، وآمل أن يسمح البدء بتصويره في اول ايلول لانه بيع الى محطات عربية، وهناك مسلسل مع شركة نديم مهنا وآخر ممكن مع فادي حداد ..هناك عروض عدة وأنا منكبة عليها، لأن الكتابة تخرجني من حالة “القرف” التي نعيشها..

 – والتي يتوقع لنا المنجمون اللبنانيون أن تستمر ..

للأسف .

– هل يستوقفك ما يقولونه ؟

لا، وهم يطابقون الأحداث بعدما تجري على توقع لهم حتى يقولوا للناس أنهم على حق. أنا مؤمنة دينياً وعندي فلسفة حياتية، وواعية تماماً للحياة و للمخططات وما يجري. من الواضح أن هناك تغييراً كبيراً في المنطقة، والتغيير لا يأتي على طبق من هناوة وهدوء.

– هل هو تغيير للافضل برأيك ؟

نعم، اعتقد ذلك !…آمل ذلك!