24 November,2020

كتاب "من الألف الى الياء" يتناول الأخطاء الشائعة في اللغة العربية وآدابها

 

بقلم وردية بطرس

 

صاحب الإصدار المهندس خليل بواري: صممت على إصدار هذا الكتاب وفاءً لوالدي الذي كان يعشق اللغة العربية

 

المهندس خليل بواري : الأمة التي ليست لديها لغة صحيحة فهي ليست موجودة كأمة.

  أصدر المهندس خليل بواري كتاب “من الألف الى الياء” تخليداً لذكرى والده اللغوي والمفكر والاداري بطرس خليل بواري خدمة للأجيال للمحافظة على اللغة العربية. هذه اللغة التي عشقها والده منذ الصغر ودافع عنها ومفرداتها وقواعدها بعد درس معمّق حيث أمعن في التمحيص والتدقيق ليعيد للغة العربية هيبتها بعدما غزتها كلمات وتعابير غير صحيحة لغوياً. ولو أن اللغوي بطرس خليل بواري كان بيننا اليوم لكان ألفّ الكثير من الكتب عن الأخطاء الشائعة التي أصبحت مألوفة في وسائل الاعلام بشكل فاضح… لعل هذا الكتاب يصبح مرجعاً للاعلامين والكتّاب وطلاب الجامعات لانقاذ اللغة العربية.

 عشق بطرس خليل بواري الأدب والشعر وخصوصاً العربي منه مع أنه درس جيداً الأدب الفرنسي وخصوصاً القرون الوسطى والأدب الانكليزي. وكان خطيباً اتقن فن الارتجال وكانت له وقفات خطابية في مناسبات عديدة وعلى منابر كثيرة. وهو يتقن اللغات: العربية، اللاتينية، الايطالية والفرنسية، وكان المامه في اللغة الانكليزية جيداً وكذلك تعلّم السريانية. لقد ولد بطرس بواري في علما الشعب قضاء صور سنة 1908 وتوفي سنة 1977. والده خليل حبيب بواري ووالدته هيلانة صيّاح، متأهل من السيدة أليس ابراهيم جاماتي وله ولد وحيد المهندس خليل. ترعرع في قريته لغاية الخامسة عشرة من عمره حين أُدخل الى مدرسة عين ورقة المشهورة في تلك الحقبة، درس فيها سنتين من ثم التحق بالجامعة البابوية في روما حيث تعلّم اللاتينية والايطالية ونال بكالوريوس في الفلسفة بعد ان مكث في روما سبع سنوات، الا أنه لم يرتسم كاهناً لأن تلك لم تكن دعوته وصارح القيمين عليه بذلك. كان من المتفوقين في الجامعة ويجدر الاشارة ان الكاردينال خريش كان من جملة رفاقه. عاد الى لبنان سنة تخرجه وابتدأ حياته العملية بالتعليم في صور لسنتين فقط. التحق بعدها بوزارة البريد والبرق والهاتف، عمل سنة ونصف السنة كمدير للقسم في بنت جبيل وسنة ونصف السنة في صيدا في المنصب نفسه. من بعدها شُكل في بيروت وعمل في الوزارة نفسها كمحرر لبضع سنوات. انما من بعدها التحق بوزارة الداخلية حيث عمل فيها حوالى 25 سنة لحين تقاعده. عمل في القسم المتعلق بالشؤون البلدية والقروية، وكان من جملة المسؤولين عن البلديات في لبنان، وترأس مرات عدة لجان فاحصة للمتقدمين للوظائف التابعة للبلديات.

أمضى حياته يطالع ويكتب ويراسل، تعمق جيداً في قواعد وفقه اللغة العربية. كانت له مناظرات كثيرة في هذا المجال ومنها واحدة مع الأديب الراحل مارون عبود، بواسطة مجلة الشرق الأدنى التابعة للاذاعة البريطانية عندما قال أخيراً الأديب عبود بعد سنين من المساجلات في المجلة نفسها: ماذا تريد أن افعل بخطايا ناموسي يا بطرس. كتب بطرس بواري الشعر والنثر، ونُشرت له الكثير من المجلات والجرائد بعض ما كتبه. انما انكبّ على تحضير كتاب يتعلق بالأخطاء الشائعة لدى الكتّاب والمذيعين في اللغة العربية.

غلاف الكتاب.

وكتب المحامي فنيانوس أمين عام المجمع الثقافي العربي في مقدمة كتاب “من الألف الى الياء”:

لقد حاول في هذا الكتاب المميز اللغوي بطرس خليل بواري تجديد شباب اللغة العربية التي تواجه مع أجيالنا في عالم اليوم مشاكل متعددة، في التركيب والمفردات والقواعد وغزو الكلمات العجمية. ارتكبت بعض مدارسنا خطأ آخر يقوم على تعليم اللغات الأجنبية منذ المرحلة الابتدائية، وهذا ما جعل المتعلّم العربي منذ طفولته يشعر بأن هنالك لغة أخرى غير لغته وانتشارها العالمي أوسع وأكثر فائدة علمية…

وفي كتاب الأخطاء الشائعة نصب المؤلف والنحوي بطرس خليل بواري نفسه مجمعاً لغوياً ليدافع عن اللغة العربية ومفرداتها وقواعدها وأصولها، معترضاً على بعض الألفاظ وأساليب التعبير التي ليس لها أساس في القواعد، ولا في وجوه التصريف، فأصدر الفتاوي ببطلانها وخطأ الأخذ بها، بعدما درسها موسعاً وأخضعها لمجهره في التمحيص والتدقيق والقياس… ليردّنا الى زمن أئمة اللغة الكبار أمثالك اليازجيين، والبساتنة، والشرتونيين، وأحمد فارس الشدياق، والكونت رشيد الدحداح ، والمطران جرمانوس فرحات وسواهم… كأني به أحد حرّاس اللغة، أو المدافع الأشرس عن نظريات وآراء ابن سيبويه والزجاجي وابن مالك…

المهندس بواري: الأمة التي ليس لديها لغة صحيحة ليست أمة

وكان لـ “الأفكار” حديث مع المهندس خليل بواري لنغوص أكثر في هذا الكتاب الذي تطلب جهداً وسنوات من العمل لحين اصداره وذلك وفاءً لوالده الذي أمضى حياته وهو يدافع عن اللغة العربية ونسأله:

* تطلب طباعة واصدار كتاب “من الألف الى الياء” سنوات من العمل والجهد ، فلماذا صممت على إصداره؟

– هناك أسباب عديدة ولكن أهم ما في الأمر أنني أصدرت هذا الكتاب وفاءً للوالد لأنه عمل عليه على مدى ثلاثين سنة، وكان يتطلب أحياناً اسبوعاً لكي يبحث والدي عن بعض الكلمات ويمحضها ليصل الى نتيجة. وعندما لم يكن يصل الى نتيجة كان يكتب الرأيين كذا وكذا ويقول الله أعلم. والسبب الثاني الذي دفعني لاصدار هذا الكتاب هو أنه اذا لم أقم بذلك فلا أحد سيفعل، أنا ابنه الوحيد لا اخوة لي وكنت قد أقمت في السعودية لمدة من الزمن، وفقدت الوالد وأشعر بالأسف لأنه ربما لم اقم كثيراً بواجباتي عندما كان لا يزال بيننا. وأعتبر هذا الكتاب مثل وردة صغيرة أرسلها له بكل محبة وتقدير. أضف الى ذلك انني أؤمن بالذي قام به، خصوصاً اليوم بوجود الانترنت والكلمات التي يستعملها الناس فاضمحلت اللغة العربية. الأمة التي ليست لديها لغة صحيحة فهي ليست موجودة كأمة. لا أريد أن أقول إن هذا الكتاب يقوم بنهضة عربية بل يمكن القول (بحصة بتسند خابية). أهم رسالة هو ان نقوي لغة الضاد خصوصاً لدى الصغار الذين لا يعرفون اللغة العربية، حتى إنني أفكر وأطمح بأن اوصله الى الدول العربية وحتى أوروبا. وأود أن أضعه في المعاهد وأخصص جائزة باسمه، أي لدي أفكار ولكن في هذه الأيام نحاول ان نقوم بما نقدر عليه، حقيقة كل كلمة تتطلبت أياماً الى ان صدر هذا الكتاب، بعدما جمعت 150 ورقة دوّنها والدي على مضى سنوات.

المبنى مقابل المعنى

نبذة مصورة عن بطرس بواري.

* ماذا تعلّمت خلال جمع ما دوّنه الوالد لحين اصدار الكتاب؟

– تعلّمت الصبر خلال هذا العمل، كان الوالد يكتب على قصاصات الورق لكل حرف حيث جمع الهمزة مع بعض، والباء مع بعض وهكذا… أضف الى ذلك كتب عن الصفة، وعن كان واخواتها، والجرف بالمجاورة والأخطاء حتى المأخذ على المنجد، والخطأ والصواب اي أخذ بعض المواضيع ووزعها. بالحقيقة روحية الكتاب هي الأخطاء الشائعة ولكن أكثر من ذلك هو المبنى مقابل المعنى. كان والدي شاعراً يرتجل بالنحوي. كما تعلمين الشاعر ينظر الى الطبيعة والجمال، والجمال بالنسبة للرجل هو المرأة، وكان يقول أجمل امرأة اذا دخلت الى المطبخ وأهملت نفسها وشكلها الخارجي فلن تعد جميلة. هذا المعنى مقابله المبنى اذ يقول أيضاً إن الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي كان يردّد بأن المعنى هو اللب. فعلى سبيل المثال اذا أخذنا حبة اللوز: اللب هو الحبة والمبنى هو القشرة، وهناك أمثال أخرى اذ يقول إن الوردة اذا لم تكن محاطة بأوراق فليست جميلة. يعتبر والدي أن المبنى هو بأهمية المعنى وليس هناك كتاب او عمل أدبي استمر لو لم يكن المعنى والمبنى مترابطين جيداً، فالفكرة لا تدم اذا لم تكن محاطة بالمبنى.

وعن المراحل التي سبقت اصدار الكتاب يقول:

– توفي والدي في العام 1977 خلال الحرب ولكنه كان قد حضّر مقدمة الكتاب في العام 1972 أي كانت حاضرة للطباعة ولكن وقعت الحرب، وعندما أُتيحت لي الفرصة في الثمانينات طلبت من السكرتيرة أن تطبع الكلمات على آلة الدكتيلو التي كانت تُستخدم أنذاك وعندما بدأنا نطبع تقريباً في العام 1995 و 2000، كان قد دخل الكمبيوتر الى حياتنا فطلبت من العاملين في المكتب ادخال ما طبعته السكرتيرة الى جهاز الكمبيوتر،  ووجدنا أن هناك الكثير من الكلمات والجمل غير مفهومة لادخالها الى الكمبيوتر، فرحت أسأل الأدباء الضالعين بفقه اللغة العربية وتحدثنا الى الكثير منهم حتى إننا وصلنا الى الكهنة والشيوخ وهم جميعهم ضالعون باللغة ولكنهم قالوا بأنهم يجدون صعوبة بقراءة خط يده، عندها اتكلت على الله وقلت سأقوم بذلك مهما تطلب من جهد، وهكذا بدأت والسكرتيرة التي تحب اللغة العربية بالعمل، اذ كل يوم كنا نخصص ساعة او ساعتين لذلك فكنا نستخدم “غوغل” للبحث عن الكلمة التي لا نفهمها أو مثلاً عندما لا نتمكن من قراءة بيت شعر فكنا نلجأ الى “غوغل” فنجد ما نبحث عنه عن كل بيت شعر محرّك أيضاً بالضمة والفتحة والسكون اذ لا يمكن نشر بيت شعر بدون تحريك الجمل، أصلاً اللغة العربية صعبة اذ لدي أصدقاء يعتبرون أنفسهم مراجع باللغة العربية وعندما رأوا الكتاب قالوا كم أنهم بعيدون عن اللغة. لقد أردنا ان نقوم بحفل توقيع الكتاب وحجزنا مكاناً في معرض الكتاب في انطلياس ولكن قبل يومين من ذلك ألغي لأن حالات الاصابة بالكورونا كانت في ازدياد، لذا وضعنا الكتاب في مكتبة مالك وأيضاً لدى شركة “CIEL” اذ لديهم فروع عدة. يتألف الكتاب من 255 صفحة. لقد تطلب اصدار هذا الكتاب عشر سنوات: خمس سنوات لادخال النص الى الكمبيوتر، خمس سنوات لطباعته. وابتداء من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل سيكون متوفراً في مطار بيروت وكل فروع مكتبة مالك، وفي كارفور سيتي سنتر، وسيتي مول، وجعيتا. 10 في المئة من ريع الكتاب سُيقدّم الى الجمعية اللبنانية لمكافحة سرطان الثدي.

أمثلة عن الأخطاء الشائعة في اللغة العربية

اللغوي الراحل بطرس خليل بواري.

* يذكر الكتاب الكثير من الأخطاء الشائعة والتي للأسف نسمعها او نقرأها في وسائل الاعلام هلا ذكرت لنا بعض من تلك الأخطاء؟

– أول كلمة تخطر على بالي عندما يقولون كتاب قيّم أو هدية قيّمة بمعنى نفيسة او ثمينة، بينما الصحيح هو ان تُكتب كتاب ذو قيمة او ذي قيمة حسب موقعه في الاعراب. لأن القيّم على فلان هو الوصي عليه. وهذا خطأ شائع ونراه مئة مرة في اليوم. كلمة فَسد بينما يجب ان تُكتب فسُدَ. عاقه وليس أعاقه. حنى رأسه وليس أحنى رأسه. نشد الضالة وليس أنشد الضالة. غاظه وليس أغاظه. بصرت الشيء وليس أبصرت. شهر السلاح وليس أشهر السلاح. رعبه وليس أرعبه. هاجه الغضب وليس أهاجه الغضب. أوجب علي كذا وليس أوجبني. تولاه وليس تولى الأمر. فاسد السيرة وليس مفسود. مقصور على كذا وليس قاصراً على. أمر مهم وليس أمر هام. أمر رائع وليس مريع. ثبات او مثبت منه وليس مثبوت. راعه الأمر وليس أراعه. أساء اليه وليس أساءه. أمر شائن وليس مشين. هذه المركب وليس هذا المركب واللائحة تطول…

وأضاف:

– كان الوالد يستمع الى اذاعة لبنان واذاعة الشرق البريطانية ويشاهد تلفزيون لبنان اذ لم يكن هناك الكثير من المحطات التلفزيونية وكان يطفىء التلفزيون مرات عديدة في اليوم لأنه كان يستاء كثيراً من كثرة الأخطاء التي كان المذيعون والاعلاميون يرتكبونها. بالنسبة الي فجعلني أحب اللغة العربية منذ الصغر، وكان يشجعني لحفظ أبيات شعرية حتى إننا كنا نقوم بسوق عكاظ.

* وبالرغم من حبك واهتمامك باللغة العربية لماذا اخترت دراسة الهندسة وليس اللغة العربية؟

– أولاً ربي أكرمني بأنني كنت جيداً بالاثنين اذ قلائل من لديهم منحى أدبي ومنحى تقني، وبكل تواضع كنت جيداً باللغتين العربية والفرنسية من ثم الانكليزية بعدما التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت، ولكن على أيامي كانوا يقولون ان الأدب لا يطعم خبزاً فكان التوجه اما أن أصبح محامياً او طبيباً او مهندساً، ولأنني كنت جيداً بالفيزياء والرياضيات توجهت الى الهندسة.

* من سيستفيد من هذا الكتاب؟

– اذا تحدثنا بصورة عامة فكل شخص يتحدث او يكتب باللغة العربية  سيستفيد من الكتاب، اذ غصنا أكثر لا شك أن الصحافيين والكتاب والطلاب لصف معين الذين يتحضرون للماجستير والدكتوراه والذين يودون دراسة فقه اللغة والشيوخ فكلهم سيستفيدون من الكتاب لأنه قاعدة اللغة.

وختم قائلاً:

– يعتبر كتاب “من الألف الى الياء” من أهم الوسائل المتاحة لانقاذ ما تبقى من هيبة اللغة العربية التي عاشت ولا تزال في ضعف مستمر في اطار التأثيرات المفروضة من العولمة وعدم اكتراث الوزارات المسؤولة من تربية وتعليم وثقافة. ان لبنان مطالب بأن يكون مركزاً اقليمياً ان لم يكن عالمياً لتدريس اللغة العربية للأجانب وأبناء الدول العربية الذين يعملون في الميادين الثقافية والتعليمية والدبلوماسية والترجمات واحياء التراث وذلك وفاءً لدوره السابق في هذا المجال. من المؤسف والمحزن حينما نستمع من المذياع او نشاهد عبر الشاشة نشرات الأخبار او البرامج الثقافية استخدام اللغة العربية بصور ملتبسة وركيكة وبأخطاء شائعة اضافة لادخال جمل وتعابير مترجمة من الفرنسية او الانكليزية، نسأل: لماذا لا تقوم الدولة إن توفرت امكاناتها او المؤسسات الاقتصادية والصناعية الكبرى بتنبي تقديم جائزة فصلية وسنوية للطلاب وغير الطلاب في مجال مسابقات تكتسي ثوب الأدب والشعر والتأليف القصصي والمسرحي باللغة العربية وذلك تحفيزاً لاستمرارية بقاء هذه اللغة على قيد الحياة؟. ومن على هذا المنبر أدعو اللجان المختصة بالتأليف لدى وزارة التربية والتعليم باعادة النظر في كيفية تأليف كتب القواعد بحيث يتم اعتماد اسلوب التسهيل والتشويق نظراً لصعوبة القواعد العربية. من الألف الى الياء في شكله الخارجي كتاب ولكن في مضمونه سيمفونية لغوية تُطرب الأذن والعقل والاحساس. فكم هي غنية هذه اللغة التي تشكل موسيقى خالدة إن أحسن تقديمها وتدريسها كما لو كانت عزفاً على آلة قانون اللغة وقواعدها وغنى المعاني لكل كلمة.