5 August,2020

    قطاع العقارات يشهد إقبالاً غير مسبوق كونه المنفذ الوحيد لإخراج أموال المودعين العالقة

 

بقلم طوني بشارة

مشاريع إسكانية وشقق على مد النظر تنتظر من يشتريها

 في ظل انتشار فيروس “كورونا” من جهة، وما سبقه من أحداث متمثلة بثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي من جهة ثانية، وما ترافق معهما من إغلاق تام للقطاعات كافة وطرد عشوائي لمئات الآلاف من الموظفين ، ناهيك عن ارتفاع  مخيف بسعر صرف الدولار وما قابلها من قرارات تعسفية عديدة من المصارف ومنها المتمثلة بحجز أموال المودعين ، وما يوازيها من انعدام  أي إجراء سياسي جدي لحل الأزمة، لا بل استلشاء تام وعدم اكتراث وصولاً الى مرحلة الاستهزاء بهموم المواطنين وبمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية ، بتنا نلمس تراجعاً فظيعاً بالحركة الإنتاجية للقطاعات كافة، وتردياً كبيراً بالأوضاع الاقتصادية – المعيشية  لكل المواطنين، وتراجعاً  كبيراً بقيمة العملة الوطنية من جهة وقدرتها الشرائية من جهة ثانية.

  ولكن بين السيء والأسوء حتماً قطاع العقارات ليس في أسوء حالاته، فبالرغم من تردي الأوضاع في الوطن لم نسمع حتى تاريخه عن إعلان افلاس صاحب أرض أو رجل أعمال في قطاع العقارات. واللافت في السياق ذاته أن بيع العقارات شهد تطوراً ملحوظاً في الفترة الأخيرة .

  فما سبب هذا التهافت على الشراء؟ وهل فعلاً بات هذا القطاع المخرج الوحيد لتسييل أموال المودعين في المصارف؟ وهل تمكنت المصارف من  لعب دور بارز في تنشيط حركة هذا القطاع؟ وماذا عن أسعار المواد الأولية المستعملة من قبل الشركات العقارية؟

 تساؤلات عديدة حملتها “الأفكار” الى كل من مـدير شـركة “رامكو” رجا مكارم، ومديـر عــام شــركة Icon Engeneering المهندس شربل بطرس وجاءت بالتحقيق الآتي:

 

 

مكارم والأرقام الخيالية!

 بداية أوضح الخبير العقاري رجا مكارم ومدير شركة رامكو العقارية بأنّ القطاع في حال غليان، ويشهد طلباً متزايداً كونه المنفذ الوحيد لإخراج أموال المودعين العالقة في المصارف، حيث إن هذا التوجه يصطدم أحياناً بالأرقام الخيالية او الشروط التي يفرضها بعض أصحاب العقارات، مؤكداً  أنّ ارتفاع الطلب على الشقق في بيروت مقابل العرض أدّى الى رفع أسعارها ما بين 20 الى 25 في المئة.

*- يعتبر البعض أن الهجمة على الشراء أثرت على عدد الشقق المعروضة للبيع، فما صحة ذلك؟

شربل بطرس القطاع العقاري في لبنان في وضع جيد وأستبعد حالة الانهيار كما يروّج له البعض.

– طبعاً أنّ مخزون الشقق الذي كان متوافراً في السنوات الخمس السابقة في منطقة بيروت شارفَ على النفاذ، بعدما بيعَ قسم كبير منه. كما أنّ غالبية المطورين العقاريين المديونين للمصارف باعوا شققهم للتخلّص من ديونهم، والقسم الآخر وضع المصرف يده عليه وعرضَه للبيع. وهنا لا بد من الإشارة الى أنّ المصارف أجرت عمليات كبيرة لبيع العقارات أكبر من عمليات الوسطاء العقاريين أنفسهم، بعدما تواصلت مع كبار المودعين وعرضت عليهم شراء شقق او أراض مقابل ودائعهم.

*- هذا بالنسبة للشقق فماذا عن الأراضي هل من إقبال على شرائها ؟ وكخبير عقاري كيف ترى الأسعار في الوقت الحالي هل هي معقولة نوعاً ما ؟

– بالنسبة الى حركة بيع الأراضي نلاحظ  أن الطلب عليها قد تحرّك مؤخراً بعدما كان جامداً. فقد بدأ الناس يتقبّلون التوجه نحو شراء الأراضي منذ مطلع العام، أما عمليات الشراء الكبيرة فتمّت مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتوقف المصارف عن إعطاء الدولار.

 وتابع مكارم قائلاً: يبيع من تميل أسعاره الى الواقعية، لكن الملاحظ مؤخراً انّ بعض أصحاب الأراضي يطلبون أرقاماً خيالية، او يشترطون ان يكون جزء من السعر نقداً او  fresh moneyوفي هذه الحالة لا يبدي الناس اهتماماً بتحويل أموال من الخارج لشراء عقارات، لأنّ السبب وراء شراء العقار هو إنقاذ الأموال العالقة في المصارف. وهنا لا بد من الإشارة الى أنّ الدولار النقدي تُحتسب قيمته مضاعفة عن دولار المصارف.

*- هل من تفسير رقمي لهذا الامر؟

– على سبيل المثال: إذا كان ثمن العقار مليون دولار، وتوفر المبلغ نقداً او fresh money فيُباع بـ 500 الف دولار، أي انّ الدولار النقدي يساوي دولارين من المصارف. كما أنّ غالبية العمليات العقارية تتم بواسطة الشيكات المصرفية، أمّا اشتراط تأمين نسبة مئوية من ثمن العقار نقداً فغالباً ما يُلغي عملية الشراء. أما بالنسبة الى الحركة العقارية في المناطق البعيدة عن العاصمة، فإنّ مناطق الاصطياف شهدت هجمة عقارية قوية، لا سيما خلال فترة الاقفال العام الناجم عن كورونا، مثل فقرا وفاريا والمناطق الجبلية.

*- كيف ترى الواقع الحالي للقطاع العقاري؟ وهل من انهيار قريب للقطاع؟

– إن القطاع العقاري في لبنان في وضع جيد، وأستبعد الانهيار في القطاع كما يروّج له البعض، عازياً ذلك لأنّ الخوف في القطاع يبدأ من طرف من يريد البيع للحصول على الأموال النقدية، الا انّ غالبية من اشترى عقاراً في الفترة الأخيرة كان لإنقاذ ودائعه وبالتالي لن يعرضها اليوم للبيع بأسعار زهيدة.

وتابع مكارم قائلاً: إنّ الخوف الأساسي اليوم يتركّز على المردود المالي لـ 3 أنواع من العقارات المؤجرة، بما سينعكس تراجعاً في قيمة الإيجارات في المرحلة المقبلة، وهي:

–  الشقق المؤجرة: وأتوقع أن يتراجع المردود الشهري للشقة من 3 حالياً الى 2  في المئة ، بسبب قلة الطلب.

– المكاتب: وأتوقع ان تتراجع المداخيل او المردود على المكاتب من 4  في المئة  حالياً الى ما بين 2 و3  في المئة.

– المحلات التجارية: وهي تمثّل الأزمة الكبرى، لأنّ القطاع التجاري من أكبر المتضررين من الأزمة المالية التي نمر فيها، ومع توجّه التجار الى تقليص حجم أعمالهم وعدد الفروع او البيع “أونلاين” فإنّ عدد المحلات التجارية المعروضة للإيجار سيزيد، لذا من المتوقع ان يتراجع العائد من 5  حالياً الى ما بين 3 او 4 بالمئة.

 

بطرس ودور المصارف

أما المهندس شربل بطرس فقال إن السوق العقاري شهد في الأشهر القليلة الماضية حركة ملحوظة بعد أن كان قد خبر جموداً خلال سنتي 2018 و 2019 ، والسبب يعود الى استبدال المودعين أموالهم بعقارات كنتيجة حتمية  للسياسات المصرفية التي أدت الى انعدام الثقة بالقطاع المصرفي . وجاء طرح الـ” CAPITAL CONTROL” و الـ ” HAIR  CUT ” ، ليسجل في حزيران  (يونيو) الماضي  رقماً قياسياً بتسييل الأموال المحتجزة الى عقارات.

 

*- كيف يمكن تفسير فكرة دور المصارف بتحريك سوق العقارات؟

 

رجا مكارم حركة بيع الأراضي تصاعدت مؤخراً بعدما كانت جامدة وبدأ الناس يتقبّلون التوجه نحو شراء الأراضي

– بالتأكيد المصارف كان لها تأثير على السوق العقاري بحيث وضعت يدها على العقارات المرهونة وضغطت على أصحابها بغية التخلي عنها مقابل ارقام ومبالغ حددت من قبل المصارف نفسها ، فاستفاد أصحاب تلك العقارات وقاموا بتسديد ديونهم والتخلص من الفوائد المترتبة عليهم. وبالمقابل استمالت المصارف مودعيها الميسورين للاستثمار في تلك العقارات وتملكها لتسييل أموالهم مما زاد من عمليات البيع والشراء وتحريك السوق العقاري.

وتابع بطرس قائلاً: ومن ثم جاء انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية في الأشهر الماضية ليسرع من وتيرة البحث عن شراء العقارات بالليرة اللبنانية وبقيمة شرائية تفوق قيمة شراء تلك العقارات بالدولار وذلك بغية التخلص من العملة الوطنية خوفاً من انهيارها بالكامل كما حصل في بعض البلدان في الآونة الأخيرة.

 

*- تعتبر شركتكم من القلائل التي تابعت عملها في ظل الظروف الراهنة، فعلى ماذا ارتكزتكم؟وهل هناك ما يبشر خيراً فيما يتعلق بهذا القطاع؟

 

– بعد تخفيف الإجراءات المتخذة من قبل الدولة اللبنانية من اجل الحد ومكافحة فيروس ” COVID 19″، اجتمعنا كمجلس إدارة فني في شركة  Icon Engeneeringواتخذنا قراراً بالاجماع  ينص على المضي قدماً بجميع المشاريع التي كنا قد بدأنا بتطويرها في الآونة الأخيرة. وذلك لقناعتنا بأن المواطن اللبناني اصبح يعي اليوم اكثر من قبل بأن العقار هو اضمن استثمار.

وأضاف:

– بالتأكيد هناك قلق وخوف من المستقبل الذي يطال هذا القطاع في ظل الازمة السياسية والاقتصادية  وغياب كلي عن مراقبة الأسعار ، لكن هناك عدة عوامل إيجابية قد تساهم في تنشيط السوق العقاري من أهمها ثقة المستثمر اللبناني بالعقار وانخفاض عدد الشقق من خلال الهجمة الأخيرة على الشراء، وقد اعتدنا في لبنان بأن أي استقرار سياسي او امني ولو لفترة ملحوظة كفيل بجذب الكثير من المستثمرين بهذا القطاع .

 

*- كيف قمتم بتسيير عملكم خلال هذه الفترة الصعبة؟

– إن انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار قد أثر فعلاً على كل المشاريع لاسيما تلك التي لا تزال في مراحلها الأولية، بحيث يترتب على المطورين تأمين القسم الأكبر من المواد الأولية بأسعار تفوق المنطق والواقع بعشرات الاضعاف. وعندما بدأت الأسعار تأخذ منحاً تصاعدياً، اتجهنا الى تأمين معظم المواد الأولية. وفي تلك الفترة كان معظم التجار مقتنعين بفكرة تقاضي ثمن بضائعهم بموجب شيك على عكس موقفهم اليوم، إذ أصبح حالياً يتم التسعير حسب صرف السوق السوداء، ويعتبر هذا الموقف في الوقت الحالي مطلباً أساسياً لدى معظم التجار. وبطبيعة الحال كشركة ، تخطينا أكثر من 80 في المئة من مرحلة التطوير في معظم المشاريع وبالتالي أصبح ما يتحتم علينا شراؤه اليوم قليلاً نسبياً مقارنة مع ما تم تأمينه بالسابق. استناداً الى ذلك نحن مستمرون في المضي قدماً من أجل إنهاء تلك المشاريع بموعدها المحدد متكلين دائماً على الله وحسن تدبيره للامور وحكمته وعلى قيام دولة في لبنان قادرة على أخذ الأمور الى المكان المرجو.