23 January,2021

قصة "اللقاء الثلاثي" الذي لم يتم بين عون والراعي والحريري في بكركي

 

الرئيس ميشال عون والبطريرك بشارة الراعي خلال اللقاء الأخير بينهما في بكركي.

 لم يشارك رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في القداس التقليدي لعيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية الذي يرأسه عادة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وذلك بسبب جائحة “كورونا ” وتمددها بشكل واسع في المناطق اللبنانية وتفادياً للحشد الذي يمكن ان يرافق وجود رئيس الجمهورية في القداس الميلادي من رسميين وسياسيين، الا ان الرئيس عون اتصل بالبطريرك معتذراً عن عدم الحضور واعداً بلقاء آخر في مناسبة الاعياد. بالفعل تم اللقاء يوم الخميس الماضي غداة عيد الغطاس (اي عمادة يسوع المسيح) الذي يصادف ايضاً عيد الميلاد لدى الطوائف الارمنية. صعد الرئيس عون الى بكركي باكراً في ذلك اليوم والتقى البطريرك، وكانت خلوة  استمرت 45 دقيقة لم يشارك فيها احد وانتهت بكلام عام قاله الرئيس للصحافيين لم يشف غليلهم…..

الا ان ثمة رواية تسربت بالتزامن مع وصول الرئيس عون الى بكركي خلاصتها ان اجتماعاً ثلاثياً سيعقد بين الرئيسين عون وسعد الحريري في مشاركة البطريرك للاتفاق على الحكومة وكل التفاصيل المتصلة بها…. وسرت هذه الرواية مثل النار في الهشيم، ما اضطر دوائر الرئاسة الاولى الى نفي ما تردد بقوة من “الاجتماع الثلاثي” لاسيما وان وسائل اعلامية محددة هي التي تولت الترويج لهذا الخبر بأسلوب مركز على رغم نفي القصر الرئاسي للرواية وسط صمت لافت من بكركي التي آثرت عدم الدخول في الجدل الذي دار حول الموضوع، ثم عادت ليلاً وقالت ان المكان الطبيعي للقاء الرئيسين عون والحريري هو في قصر بعبدا، واذا رغب الرئيسان في الحضور الى بكركي فإن ابواب الصرح البطريركي مفتوحة للترحيب بهما.

ما هي حقيقة ما حصل في بكركي؟

قد يكون من الصعب ادراج محضر بما دار بين رئيس الجمهورية والرئيس الروحي للطائفة المارونية، نظراً لغياب اي عنصر ثالث في الاجتماع، لكن ما توافر من معطيات يشير الى ان مثل هذا اللقاء الثلاثي الذي تم الترويج له كان فكرة “اشتغل” عليها احد الوزراء السابقين الساعين الى دور معين يعيده الى الساحة السياسية وتداول في شأنها مع مقربين من البطريرك الراعي، ثم مع البطريرك نفسه، ومع فريق عمل الرئيس الحريري الذي كان خارج لبنان في اجازة الاعياد. لكن احداً لم يطرحها على الرئيس عون او يسأله عن رأيه فيها، واتى التسريب الاعلامي لها بهدف “احراج” رئيس الجمهورية والايحاء بأنه رفض مثل هذا اللقاء في حال عدم موافقته عليه وذلك في اطار الحملات المستمرة والتي تحمله مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة العتيدة، لكن الواقع يؤكد ان الرئيس عون لم يكن على علم مسبق بالاقتراح البطريركي. ذلك انه في الخلوة التي عقدت بين الرجلين جرى عرض لمواضيع عدة، ومنها تأليف الحكومة، حيث عرض عون للراعي ملاحظاته على التأليف وروحية المعايير التي يتمسك بها، وهي: العدالة في توزيع الحقائب على الطوائف، مراعاة الاختصاص والمعايير الواحدة فيه. كذلك اشار عون، الى ان الحريري خرج من القصر الجمهوري بعد اللقاء الرابع عشر معه على اساس ان يجيبه لاحقاً على طروحات قدمها، الا ان تسريبات فريق الحريري بدأت عن “وطاويط القصر” وغيرها من الاتهامات. من جهته، قال الراعي لعون، ان لقاءاته بالحريري يجب ان تتواصل لكي يستمر مسار التأليف، فأجاب عون ان لا مشكلة لديه ابداً، ويمكن للحريري القدوم وطرح ما يريده، خصوصاً انه سبق ان طرح على الحريري في لقائهما الاخير اقتراحاته ولم يجاوبه الحريري عليها بعد، عندها، سأل الراعي عون: “ما رأيك في ان تجتمعا هنا على مأدبة غداء او عشاء؟”. فرد عون: “ليس الاجتماع هو المهم في حد ذاته، بل نتيجته، فلا يجب ان يكون تكراراً للمواقف بلا اي نتيجة، بل ان تكون هناك رغبة فعلية في معالجة الموضوع لا ان توضع شروط وشروط مقابلة”. واضاف: ” سأجري تقييماً للموضوع”.

 عند هذا الحد انتهى الحديث عن اقتراح “اللقاء الثلاثي” من دون ان يعني ذلك ان “الوساطة” البطريركية انتهت، ذلك ان البطريرك اسرّ لزواره بعد مغادرة الرئيس عون بكركي انه سيمضي في مساعيه لجمع الرئيسين و”مصالحتهما” للوصول الى اتفاق يؤدي الى ولادة الحكومة مع اهمية ادراكه بوجود صعوبات خصوصاً وان الرئيس الحريري متمسك بموقفه لجهة حصوله على وزارتي العدل والداخلية وهو ما يرفضه الرئيس عون معتبراً ان خللاً سيحصل في حال اعطيت الداخلية والعدل الى فريق رئيس الحكومة بحيث لن يكون مع فريق رئيس الجمهورية اي حقيبة امنية او قضائية علماً ان التكامل بين الامن والقضاء يفرض الا يتولى الحقيبتين وزيران من “لون” طائفي  واحد، وهذا ما كان يحصل مراراً خلال تشكيل الحكومات السابقة.

سابقة خطرة

وفيما تتوقع مصادر متابعة الا يتم “اللقاء الثلاثي” وفق الاقتراح البطريركي، تتساءل جهات عدة، اي دستور يبقى واي مؤسسات اذا كان اجراء هذه العملية الدستورية الواضحة يحتاج الى تدخل مرجعية دينية شخصياً مع الرجلين؟ ماذا لو حصل هذا الاجتماع ولم يؤت ثماراً؟ وماذا لو لم يلتزم احدهما اي اتفاق؟ والاهم، ماذا بعد هذا الاجتماع، ولم تستكمل الاجتماعات حتى استيلاد الحكومة، هل يستمر الراعي في رعاية هذه اللقاءات الى حين التأليف؟

وماذا بعد التأليف، هل سيرعى الراعي الخلافات على طاولة مجلس الوزراء، فيتوجه كل من عون والحريري الى بكركي عند اي خلاف لحله باشراف الراعي ومباركته؟ وبمعزل عن وساطة الراعي، يسأل البعض: اذا كان عون والحريري غير قادرين الآن على التشاور والاتفاق على صيغة حكومية، كيف ستكون اجتماعات مجلس الوزراء، وكيف سيتفق على اجراء الاصلاحات واتخاذ القرارات؟ ولعل اهم هذه التساؤلات هو في “السابقة” التي يمكن ان تسجل في تاريخ ولادة الحكومات، ان تولد حكومة في صرح ديني على رغم الدور الذي يلعبه هذا الصرح وسيده، لكن المبدأ هو ان مثل هذا اللقاء قد  يعطى تفسيرات كثيرة ويطرح دور المراجع الروحية الاخرى التي قد “تفتح شهيتها” لأن تكون مقراتها ساحة للحلول السياسية او للخلافات… لا فرق.

في اي حال البطريرك الراعي يصر على ان وساطته “قائمة” وبعبدا تنظر بحذر الى مثل هذه المبادرات، فيما تؤكد مصادر الحريري انه “منفتح” على القيام بما يلزم لتأليف الحكومة وفق القواعد الاساسية التي وضعها وهي حكومة من 18 وزيراً من الاختصاصيين المستقلين، بلا سيطرة اي طرف من الاطراف على الوزارات الامنية وبلا ثلث معطل لاي فريق. وترى ان ” ليس اكيداً ان هذا الاجتماع الثلاثي اذا عقد سيؤدي الى نتيجة . فعملياً، ان الرغبات السلطوية لدى فريق عون لا حدود “لها” وعن طريقة اتمام تأليف الحكومة بحسب الرئيس المكلف، تقول المصادر نفسها: “كلما اقترب عون من هذه القواعد كان انتاج الحكومة اسهل”.