15 July,2020

"قانون قيصر" وتداعياته الاقتصادية على لبنان

بقلم طوني بشارة

جاسم عجاقة : التزام لبنان بالقانون المفروض سيعفي البلاد من أي تأثيرات سلبية

 صدّق الكونغرس الأميركي من نواب وشيوخ في 11 كانون الأول (ديسمبر) 2019 على ما يسمى بـ” قانون قيصر”، بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من الشد والجذب بين الديموقراطيين والجمهوريين ، حيث يشمل القانون في مرحلته الأولى يوم 17 حزيران ( يونيو) الحالي سلسلة عقوبات اقتصادية ضد النظام السوري وحلفائه، والأفراد والشركات المرتبطة به، على أن تتبعها على مراحل إجراءات عقابية أخرى. واللافت أن لبنان يترقب بحذر تداعيات تنفيذ هذا القانون نظراً للعلاقات المتشابكة بين حزب الله والنظام السوري

رغم أنه يستهدف هذا النظام بشكل رئيسي.

 فهل سيؤثر القانون على العلاقات ما بين البلدين؟ وفي حال عدم التقيد من الجانب اللبناني هل سيؤثر ذلك على المفاوضات التي تجريها حكومة حسان دياب مع صندوق النقد الدولي؟ وما مستقبل او مصير المعابر غير الشرعيّة وهل سيشملها  هذا القانون ؟ وهل يعتبر الاتجاه نحو الشرق بديلاً للعلاقة مع سوريا في ظل “قانون قيصر” ؟

تساؤلات عديدة للإجابة عنها التقت “الأفكار” البروفيسور جاسم عجاقة والخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان.

عجاقة والعقوبات!

 بداية  أكد الخبير عجاقة، أنه نظرياً كل أنواع التعامل مع الحكومة، وكل شيء له علاقة بتبادل تجاري او تعامل مالي تعتبره الإدارة الأميركية يشكل دعماً للحكومة السورية، ستشمله العقوبات، ويعرّض بالتالي الأفراد والشركات اللبنانية وحتى المصارف للخطر حتى إستجرار الكهرباء من سوريا يمكن أن يعتبر مخالفاً لـ”قانون قيصر” على أساس أنه يتم التسديد بالعملة الصعبة ما يعتبر نوعاً من أنواع الدعم للحكومة السورية. وهنا أرى أن نص القانون الأميركي مطاطاً، وهو ما يجعل تحديد التداعيات أمراً معقداً جداً، وبالتالي وضع تقديرات لحجم الضرر على الاقتصاد اللبناني أمر خاطئ ، فالجهة التي وضعت “قانون قيصر” تقصدت تركه بهذا الغموض لناحية النص والتنفيذ، بشكل يسمح بإعطاء مفاعيل أكبر للقانون، وأعتقد بأن حجم الضرر بالاقتصاد اللبناني يتعلق بشكل اساسي بمدى توسع الادارة الاميركية بتطبيق القانون. وأؤكد بأن “قانون قيصر” سيؤثر بنسبة كبيرة على التبادل التجاري الموجود بين البلدين، وربما يؤدي الى قطع هذا التبادل بحسب تفسير وترجمة القانون على ارض الواقع، فالعقوبات تطال فقط المتعاملين مع الحكومة السورية وليس مع المدنيين السوريين، فالشرط الأساسي هو عدم التعامل مع الحكومة وإثبات ذلك.

* أشرت الى أن النص القانوني مطاط ، على ماذا ارتكزت وبالتالي ما الغاية من ذلك؟

– بالفعل النصّ القانوني مطاط، ومن وضعه اعتمد الغموض للاستفادة من المخاوف الناجمة عنه، وهنا أتساءل ما معنى عبارة “دعم النظام”. هل إذا عبدت شركة ما طريقاً في سوريا مثلاً، يعتبر عملها هذا دعماً للنظام؟ كذلك، استجرار الكهرباء من سوريا يحتّم على لبنان تسديد فاتورة سنوية بالعملة الصعبة، فهل سيعتبر هذا دعماً؟ هل ستفرض العقوبات على قطاع الشحن؟ باختصار، لا إجابات واضحة في القانون لأي من التساؤلات الممكنة. فأنا اعتبر أن “قانون قيصر” مثل غيره من العقوبات الأميركية هدفه تطويع القرار السياسي. من هنا، أرى أن التداعيات على الاقتصاد اللبناني سترتبط بشكل وثيق بمدى رغبة الولايات المتّحدة في التشدد في تطبيق بنوده. بناءً عليه، أرى أن كلّ ما يقال عن حجم التداعيات تكهنات أكثر من كونه حقيقة، لأن الموضوع مرتبط بتشدد الإدارة الأميركية في تطبيق النص وعليه تحدَّد القطاعات الأكثر تضرراً.

* هل من تفسير مبسط لهذه الفكرة؟

وليد أبو سليمان : هذا القانون في ظاهره اقتصادي، لكن في الباطن هو سياسي وفيه كباش لاخضاع حزب الله

– في حال تطبيق خفيف light للقانون، ستفرض العقوبات على الشركات أو الأشخاص المتعاقدين مباشرةً مع الحكومة السورية، وتبقى الخسائر محدودة. أما اعتماد أقصى درجات التشدد، أي في الحالة الأسوأ، يمكن لأي نشاط أن يعدّ دعماً للحكومة السورية، بالتالي كلّ من يتعامل مع سوريا كدولة، أي مع أي مواطن سوري ليس فقط مع النظام، وبأي شكل من الأشكال، يمكن لأميركا أن تصنّفه داعماً ويطاله القانون. مثلاً، إذا كان لمصرف علاقات مع أحد فروعه في سوريا يمكن أن يطال فوراً، أو حتى يمكن أن يواجه أي مواطن نقل غرضاً إلى سوريا لبيعه المصير نفسه. وحينها ستكون التداعيات وخيمة وكارثية على الاقتصاد اللبناني والتصدير البري سيتوقف كلياً، وهذا يعيدنا إلى عام 2015 عندما لجأنا إلى التصدير عبر البحر بسبب سيطرة المنظمات الإرهابية على معبر جابر نصيب وحينها كان التصدير مدعوماً من الدّولة، ويمكن أن نخسر كثيراً لناحية الصادرات المضروبة أساساً وستتأثر الشركات المصدرة بشدّة، وسيتوقف عمل قطاع الشاحنات، والدعم غير ممكن راهناً ما يجعل الكلفة أعلى ويؤدي حكماً إلى تراجع نسبة الصادرات.

وتابع عجاقة قائلاً: هناك معلومات عن منع الأردن الشاحنات اللبنانية من المرور عبر معبر نصيب. فما السبب؟ هل هذا بدء تطبيق” قانون قيصر؟”.

 

أميركا واستراتيجية التطبيق!

* وفقاً لخبرتك هل من استراتيجية معينة تتبع من قبل أميركا بتطبيق قراراتها؟وكيف سيكون التأثير على لبنان ؟

– إن الاستراتيجية الأميركية تقوم عادةً على تطبيق العقوبات تدريجياً، أي من الأقل إلى الأكثر قساوةً وفي المرحلة الأولى يمكن أن نرى أنها مقبولة لتبدأ بالتشدد أكثر فأكثر، وهناك ثلاث وجهات للعلاقات الاقتصادية التي تربط لبنان بسوريا: أولاً، العلاقة الرسمية من بلد لآخر، تشمل الاستيراد والتصدير ولا تتخطى وارداتها بضع مئات الملايين من الدولارات. ثانياً، استخدام سوريا كنقطة أساسية لنقل البضائع إلى الخليج، حيث الصادرات إليه تصل إلى حدود المليار دولار وهنا الخسائر الأكبر ويمكن أن تصل إلى أرقام خيالية في حال فرض القانون عليها. ثالثاً، الاقتصاد غير الرسمي من دون تعامل رسمي لا يطال لأنه أساساً غير رسمي ويحارب من قبل الأجهزة الأمنية.

*هل من قرارات معينة يفترض على لبنان اتباعها والتقيد بها لتجنب تداعيات هذا الفانون؟

 إن التزام لبنان بالقانون المفروض سيعفي البلاد من أي تأثيرات سلبية، في حين أن تجاوزه سيعزل كلاً من دمشق وبيروت معاً. فقانون العقوبات الجديد الذي سيفرض على سوريا يشكّل تحديا للحكومة اللبنانية،   خاصة وأن الاقتصادين اللبناني والسوري مترابطان عضوياً، كما أن هناك علاقات وطيدة بين بعض القوى السياسية اللبنانية والحكومة السورية. وعدم التزام الدولة اللبنانية بالقانون سينعكس على مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بينما يمر لبنان بأزمة خانقة، وهو بحاجة إلى تمويل من الخارج . كما ان المشهد السياسي اللبناني عرضة لتغيرات جذرية مع تهديدات بإدراج أسماء سياسيين لبنانيين من الصف الأول على لائحة العقوبات نتيجة دعمهم للحكومة السورية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

* ما أثر القانون على إعادة إعمار سوريا من لبنان؟

– العديد من الشركات اللبنانية مهتمة بالسوق السورية، لا سيما بمسألة إعادة الإعمار التي ستوفر امكانات مالية هائلة، وأتوقع أن يوقف القانون كل أنواع التعاون مع الحكومة السورية.

أبو سليمان والقرار السياسي!

وللإطلاع أكثر على حيثيات الأمور التقت “الأفكار” الخبير الاقتصادي ​وليد أبو سليمان​ الذي أفادنا قائلاً:

 ـ تعليقاً على “قانون قيصر”، أرى  أن المصارف اللبنانية  الموجودة في سوريا ستضطر إلى التعامل بحذر مع الداخل السوري، كذلك بالنسبة للشركات والأفراد الذين كانوا يعولون على الاستثمار بسوريا، لأن ذلك من الممكن ان يرتب عليهم عقوبات، وأؤكد  بأن الاتفاقات من دولة لدولة واستجرار الكهرباء من سوريا هذا سيعتبر، وفقاً للقانون، تعاملاً مع دولة ارهابية.

* هل قانون قيصر إقتصادي أم سياسي بامتياز؟

إضغط للمزيد

— – هذا القرار في ظاهره هو اقتصادي، لكن في الباطن هو سياسي وفيه كباش لاخضاع ​حزب الله​، وبالمقابل لبنان يتفاوض مع ​صندوق النقد​ الدولي و​أميركا​ لديها ​حق النقض​، ومن هذا المنظار طرح القانون على طاولة ​مجلس الوزراء​. ولا يجب أن ننسى أن اقتصادنا لا يزال “إقتصاداً مدولراً”، وفي المفاوضات مع صندوق النقد أرى أن عدم إلتزامنا بهذا القانون من الممكن أن يعود علينا سلباً رغم ان المفاوضات ما زالت في بداياتها.

وتابع أبو سليمان قائلاً: الجميع يدرك بأن التبادل التجاري بيننا وبين سوريا فيه الكثير من التهريب وهذا  الأمر أخذت الحكومة على عاتقها الالتزام بالحد منه. وهنا أجزم بأن عامل الوقت هو الذي يحدد التداعيات، فالأمور الآن ما زالت مبهمة، واليوم لا يوجد بديل أمامنا لصندوق النقد إلا إذا طرحنا التفاوض مع مصارف دولية.

 

إيران مقابل قيصر!

 

* البعض ينادي بعدم الامتثال لقانون قيصر وبضرورة التوجه نحو الشرق، أي اتجاه هو الأفضل؟

– إن موضوع عدم الامتثال والتوجه للشرق سيأخذ وقتاً كبيراً، وفي حال توجهنا يجب على أحد ما أن يغطي السندات التي تخلفنا عن دفعها والمقومة بالدولار، وليس خفياً على أحد أن هناك صراعاً سياسياً يتخطى الحدود اللبنانية وحزب الله، هو صراع الشرق والغرب، لكن إيران هي سوق خام ومن الممكن إذا توصلت اميركا لاتفاق معها، كل هذه المواضيع ستنحل. إيران اليوم بحاجة لكل شيء وفيها 80 مليون مستهلك، ولا أعتقد أن أميركا ستمهد الطريق لاوروبا لتزود إيران بكل هذه المعدات، بالتالي المفاوضات تتخطى لبنان الذي عليه ان يستمر بما يقوم به.

 وختم أبو سليمان قائلاً: أميركا يمكنها أن تكون مرنة بتطبيق القانون، حيث إنها من الممكن ان تتفهم اذا كان هناك تبادل تجاري صناعي زراعي مع سوريا، لا يمس العلاقات من دولة لدولة. اميركا كان لديها اهتمام جدي بموضوع الكهرباء وهنا نعرف ان شركات أميركية دخلت إلى الساحة، ومهتمة ببناء المعامل، ومن المؤكد أن لبنان اذا استورد الكهرباء من سوريا ستكون العواقب وخيمة عليه. وأرى  أن أي تأزم ستدفع ثمنه الحكومة، من انخفاض سعر الليرة والإخفاق بالتعيينات وخطة الكهرباء. اما موضوع الشعار الاساسي  من أنها مستقلة، فقد أضحى هذا الشعار وراءنا.