31 October,2020

فارس العدالة وسيد الكلمة وخطيب المنابر وعميد النقباء عصام كرم.. وداعاً!

فقد لبنان في الأسبوع الماضي فارس القانون والعدالة وسيد المنابر نقيب المحامين الأسبق عصام كرم، ابن أمير القصة الراحل كرم ملحم كرم وشقيق نقيب المحررين الراحل ملحم كرم، وأقيم له مأتم مهيب في دير القمر بلدة الأمراء، ومنحه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر ووضعته على جثمانه وزيرة العدل ماري كلود نجم.

ترجل الفارس العصامي عن صهوة جواده ، وانطوت برحيله صفحة مشرقة هي خليط سحري من الأدب والخطابة والكتابة والتمكن من لغة الضاد، وممارسة القانون والعمل النقابي، لكنه سيبقى في ضمير كل من عرفه وعاشره وتتلمذ على يديه وقرأ سطوره وشهد مواقفه، خاصة وأنه أحد غصون هذه الدوحة الكرمية التي أنجبت أمير القصة ونقيبين للقانون والكلمة، وسليل هذا البيت المطبوع بشغف الأدب والكتابة واحترافهما والدفاع عن الحق والحقيقة بدون مساومة جرياً على قاعدة ما قاله الوالد الكبير كرم ملحم كرم: <علمتني الحقيقة ان اكرهها فما استطعت>، وسبق أن قال الوزير والنائب السابق ادمون رزق عن هذه العائلة: <الكَرميّون دوحةٌ متأصلةٌ في أرضِ الجبلِ، أُباةُ ضَيْم، حُماةُ شِيَمٍ، رُعاةُ ذِمَمٍ، بُناةٌ ثُقاة، انتشروا فروعاً وأينَعوا ثِماراً>، فكيف الحال اذا كان الولد سر ابيه وتوج تربيته البيتية والبلاغية بالتعمق في القانون والعدالة، حيث كان النقيب الجريء في محراب العدل والسالك درب الاستقامة والناطق بالحق، وكان لسانه يلهج على الدوام بأن الخلاص للبنان يكون في حكم الأوادم.

 والنقيب الراحل كان  يقول إن القاضي الحق يعني أنه هو القيّم على المساواة بين الناس وعلى المبادئ الكبرى، كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث أن المساواة تعني الديموقراطية، وبدون المساواة لا توجد هناك من ديموقراطية، معتبراً ان ما يسيء إلى مسيرة الدول في مفهوم الدولة الراقي في هذه الأيام؛ إنما هو أمران: الأول، انعدام المساءلة، والثاني، طغيان السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية، وهذا أمر واقع في لبنان وخارجه، داعياً الى قيام الدولة، لأن الدولة كانت لتنظيم المجتمع، وخلق إدارة حديثة عقلانية تساوي بين الناس، وبناء قضاء مستقل، وانتخاب مجلس نيابي يؤمن بأنه هو سيّد نفسه، يشترع ويراقب الحكومات، ومجتمع ترعاه الحرية وتغشاه الديموقراطية وتشغله حقوق الإنسان، وجيش قوي يحمي الحدود من عدوِّ لا يقيم حرمة إلا للقوة، وشعب يؤمن بأن تعايشه هو جوهر خلاصه، فلا صليبية ولا جهاد، ولا صِفين ولا كربلاء، ومواطن سيّد حر كريم ليكون لنا وطن سيد حرّ كريم.

وسبق ان رأى أن الحل في تنقية القضاء هو أن يصير إلى اختيار القضاة بناءً على مواصفات يكون فيها العلم والأخلاق والسيرةُ الحسنة، فكل مسؤولية هي علمٌ وأخلاق، ماسح الأحذية علمٌ وأخلاق، ورئيس الجمهورية علمٌ وأخلاق.. ونحن نقع بين هاتين الدفتين.

وكم كان محقاً نقيب الثورة والاخلاق ملحم خلف عندما رثاه ووصفه بالزميل الادمي، قائلاً: نسـرٌ هوى، هَوتْ أرزةٌ، مِنْ أرز لبنانَ، مِنْ لحمٍ ودَمٍ. انكسرتْ سنديانةٌ، مِن غاباتِ دير القمر، مِنْ قِيَمٍ وعِزٍّ. لم يودّعْ، بل ابتسمَ بوداعةِ البسطاءِ الطيبّينَ، ومشى. حَمَلَ شمخةَ الرأسِ وأصالةَ الجبلِ وأنينَ الجراحِ، وانسحبَ الى المستحيل.

فلروحه الف سلام وأحر العزاء للأسرة الكرمية الكريمة.