26 February,2020

غياب التعليمات الواضحة عما يجري في لبنان يربك السفراء اللبنانيين في الخارج ويجعل حركتهم بلا بركة!

الأوضاع المالية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان هذه الأيام، والتي انعكست على جميع المتعاطين مع المصارف اللبنانية وحدّت من توافر السيولة لهؤلاء وادت الى لجوء المصارف الى اعتماد <التقنين> في تسليم المودعين أموالهم بالليرة اللبنانية أو بالدولار الأميركي، تركت بصماتها على العاملين في السلك الديبلوماسي خارج لبنان والذين عانوا من صعوبة تحويل رواتبهم وتعويضاتهم من لبنان الى الدول التي يعملون فيها. والمعاناة نفسها امتدت الى الديبلوماسيين العرب والأجانب المعتمدين في لبنان الذين واجهوا صعوبات في سحب أموالهم ومصاريف البعثات الديبلوماسية التي يرأسونها فضلاً عن خضوع التحويلات التي تصلهم من الخارج لتأمين رواتبهم لـ<التقنين> نفسه بحيث بات من المتعذر على رؤساء البعثات العربية والأجنبية سحب ما يحتاجون إليه من أموال من المصارف اللبنانية بشكل دائم ومريح.

وفيما أجيز للبعثات الديبلوماسية في لبنان استعمال الأموال المحصّلة من رسوم سمات الدخول الى بلدانهم، أو رسوم تصديق معاملات تجارية واقتصادية، اتخذت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية اجراء جديداً يرتبط برواتب السفراء والديبلوماسيين في الخارج بهدف إيجاد حل لمشكلة القيود المفروضة على سحب الأموال، وتقضي هذه الاجراءات بدفع رواتب هؤلاء الديبلوماسيين في الخارج عن طريق تحويلها مباشرة من المصرف المركزي الى مصرف في البلد الذي يعتمد فيه الديبلوماسي، وقد جاء هذا التدبير بعدما امتنعت المصارف عن دفع الرواتب لأصحابها والتي كانت تحوّل عادة الى المصارف في لبنان، وأوضحت مصادر ديبلوماسية ان هذا الاجراء المؤقت فرضته القيود والاجراءات التي تعتمدها المصارف اللبنانية لجهة منع سحب الأموال وتحديد سقوف لها خصوصاً التي تُدفع بالدولار.

معاناة الديبلوماسيين!

وكشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> ان ثمة معاناة أخرى يواجهها الديبلوماسيون اللبنانيون في الخارج، غير المعاناة المالية المرتبطة برواتبهم وتعويضاتهم، تتصل في الظروف التي يعملون فيها خصوصاً لناحية التعاطي مع الأحداث التي يشهدها لبنان حالياً. ومن مظاهر هذه المعاناة، الطلب الى السفراء والديبلوماسيين عدم مغادرة سفاراتهم والمجيء بإجازات الى لبنان لاسيما خلال فترة الأعياد الماضية والبقاء فيها لمتابعة التطورات في الداخل اللبناني والابقاء في جهوزية لشرح ما يجري في الدول المعتمدين فيها. إلا ان انتماء بعض السفراء الى مرجعيات سياسية ساعدت في تعيينهم حيث هم وضع هؤلاء الديبلوماسيين في مواقع لا يحسدون عليها خصوصاً لجهة شرح ما يجري في لبنان، ذلك ان ثمة سفراء يعتبرون ما هو حاصل في وطنهم <انتفاضة> شعبية بوجه السلطة الحاكمة، في حين يعتبر آخرون ان ما يجري هو تحركات شعبية <محدودة>، لاسيما وان لا تعليمات واضحة تصل من بيروت الى هؤلاء الديبلوماسيين ما يجعل هامش تحركهم محدوداً خصوصاً مع غياب <لغة واحدة> تقارب ما يجري على الأرض اللبنانية، ما يحدث ارباكاً لدى الديبلوماسيين اللبنانيين ويحد من تحركهم. وما زاد الأمر تعقيداً بالنسبة الى هؤلاء الديبلوماسيين ان بعض ما يجري من تحركات شعبية موجه ضد أداء السلطة ولاسيما وزير

الخارجية والمغتربين جبران باسيل الذي يعتبر رئيس الديبلوماسيين في لبنان والخارج، وبالتالي فإن لا قدرة على اتخاذ موقف واحد حيال ما يجري.

وتفصح المصادر الديبلوماسية نفسها عن وجود انقسام في الجسم الديبلوماسي في الخارج مماثل للانقسام في الداخل، لاسيما وان ولاء بعض السفراء يعود للجهات السياسية التي سعت الى تعيينهم في هذه الدولة أو تلك، فضلاً عن الاعتبارات الطائفية التي تتحكم أساساً بالتعيينات الديبلوماسية. ولذلك يختلف أداء كل سفير عن الآخر حسب انتماءاته السياسية والطائفية، بدليل ان ثمة سفارات لبنانية <رحبت> بالتحركات التي قام بها اللبنانيون في الخارج دعماً لـ<الانتفاضة> وسهلت على اللبنانيين التعبير عن مواقفهم سواء من خلال التظاهر أو التجمعات أو حتى الحضور الى مباني السفارات اللبنانية للتجمع فيها، في حين ثمة سفارات أخرى لم تسهل تحرك المتظاهرين بل <ضيقت> عليهم وحدّت من تحركهم فلجأوا الى الشارع يعبّرون فيه عن مواقفهم الداعمة لـ<الحراك الشعبي> في لبنان. إلا ان التناقض في مواقف الديبلوماسيين لم يصل الى حد حصول أي انشقاق كما يحدث في دول أخرى، بل بقي الجسم الديبلوماسي موحداً ومتضامناً بصرف النظر عن ميول هذا السفير أو انتمائه السياسي.

وتشير المصادر نفسها الى ان تركيبة نظام لبنان تختلف عن تركيبة الأنظمة الموجودة في دول الجوار، وبالتالي فإن دور السلك الديبلوماسي يختلف لجهة تأثره بما يجري على أرض بلاده من تطورات والمطالب التي تُرفع في التحركات، ما يجعل ردة فعل الديبلوماسيين محدودة ومقتصرة على أحد خيارين، الأول التعاطف مع المعترضين وتسهيل تحركهم، والثاني عدم التجاوب مع <الحراك الشعبي> وبالتالي البقاء على الحياد أو عدم التدخل في ردود فعل اللبنانيين في هذه الدولة أو تلك. لكن الملفت هو ان الدول التي تستقبل هؤلاء الديبلوماسيين لا تطلب منهم معلومات عما يجري في بلادهم من تطورات لأنها مطلعة كفاية من خلال سفاراتها في لبنان على آخر المستجدات وهي لا تريد احراج السفراء اللبنانيين لديها وتكليفهم مهمة اطلاع وزارات الخارجية في البلدان المعتمدين فيها عما يجري في لبنان، وهذا الواقع <يريح> السفراء من عناء نقل ما يجري الى الدول المعتمدين فيها ما يبقي أداءهم محدوداً وكذلك تفسيراتهم عما يجري في بلدهم، خصوصاً مع غياب أي معلومات دقيقة وموحدة من وزارة الخارجية اللبنانية.

ولقد أقر عدد من السفراء اللبنانيين في الخارج بشعورهم بالارباك حيال ما يجري في لبنان في غياب المعطيات الدقيقة والتعليمات الواردة إليهم من بيروت، ما جعلهم في حيرة من أمرهم، فآثروا البقاء بعيداً عما يجري في انتظار معرفة ما ستؤول إليه التطورات في وطنهم!